في الفيلم الشهير الفك المفترس، نرى مارتن برودي، رئيس الشرطة بجزيرة أميتي، وهو يلقي بالطُّعم إلى الماء لاستدراج القرش الذي نشر الفزع بين زوار الجزيرة، ولا يرسل لنا المخرج ستيفن سبيلبرج أية إشارات تمهيدية للقطة خروج رأس القرش العملاق فجأةً من الزُّرقة التي عكَّرَتها الدماء، فنجد أنفسنا دون مقدمات في مواجهة الفكين الهائلين المصفوفين بأسنانٍ كالمناشير، ونتجمد فزعًا مع "برودي"، الذي يقول جملته الشهيرة: "ستحتاج إلى قاربٍ أكبر!"، قبل أن تُعاجلنا موسيقى جون ويليامز الخالدة ونحن نرى زعنفة القرش تشق الماء في سرعة إلى القارب الذي لم يقدر أصحابُه للقرش قدره.

هكذا تلعب السينما لعبتها بالصورة والكلمة والموسيقى والمؤثرات الخاصة، وتجعلنا -إذا استحضرَت مَشاهدُ مسطحات المياه الممتدة فينا مشاعرَ الخوف القديم مما نجهل ولا نرى- نتوجه بأفكارنا إلى القروش، بينما يؤكد لنا العلم بالأرقام التي لا تحتمل الإنكار أن المياه قد تخفي عنا فكوكًا أشد افتراسًا وخطورةً وأذى. إذ تقول الإحصاءات إن هجمات القروش على البشر حول العالم بلغت 66 حالة في عام 2018، منها 4 حالات فقط (واحدة منهم في مصر، بالمناسبة) انتهت بوفاة الضحية، في حين شهد العام نفسه 321 حالة من هجوم التماسيح، كان أكثر من نصفها (162 حالة) قاتلة! فلماذا إذًا تحظى القروش باهتمام أكبر، وبسمعة أخطر؟

بعيدًا عن الأضواء

يجيب سايمون بولي باحث علم الزواحف الإنجليزي في كلية بيركبيك، بجامعة لندن والمتخصص في دراسة تماسيح النيل: "تحدث أغلب هجمات القروش في البلدان الأكثر ثراءً (يتركز معظمها في الولايات المتحدة وأستراليا)، في مقابل هجمات التماسيح التي يحدث أكثرها في دول أفريقيا وجنوب آسيا، ما يسوِّغ الفارق الضخم في اهتمام الرأي العام والتغطية الإعلامية، فبينما يحظى خبر نجاة أسترالي من هجوم قرش في أثناء مسابقة لركوب الأمواج بجنوب أفريقيا بتغطية صحفية كاملة بالصور ومقاطع الفيديو واللقاءات، تحدث عشرات -وربما مئات- من الهجمات القاتلة عبر القارة الأفريقية كجزء من الحياة هناك، دون أية تغطيات أو حتى بلاغات".

قضى "بولي" أغلب طفولته في محميات مقاطعة زولولاند في جنوب أفريقيا، حيث مارس والده أبحاثه الرائدة في دراسة أنماط حياة تماسيح النيل، ونشأ في جوار التماسيح فشهد الفواجع التي تركتها كندوب أبدية على قلوب الأسر التي تعتمد في حياتها اليومية على الأنهار ولا تملك أبدًا خيار تجنُّب الاقتراب مهما كانت المخاطر، وآمن بدور البحث العلمي في الوقاية من هجماتها، خاصةً مع ندرة البيانات المنشورة عنها: ولكن أين تحدث هذه الهجمات؟ ومتى؟ ومَن تستهدف؟

نظرةٌ في الأعماق

من بين 30 دولة أفريقية يتعرض سكانها لهجوم التماسيح، لا توجد بيانات مسجلة إلا عن 12 دولة فقط، تغطي فترات زمنية قصيرة، وبصورة بعيدة جدًّا عن الشمولية.

ولهذا كله كرَّس "بولي" وقته وجهده لينشئ مع فريقه البحثي قاعدة بيانات ترصد هجمات تماسيح النيل على البشر في جنوب أفريقيا وإسواتيني (سوازيلاند سابقًا) من عام 1949 حتى الوقت الحاضر، لتصير أشمل وأدق مصدر متاح للمعلومات في هذا الشأن، يمكن الاعتماد عليه من أجل فهم دوافع تلك الهجمات، وإنقاذ حياة البشر والتماسيح أيضًا. وبالإضافة إلى دراستهم المنشورة بدورية أوريكس في يوليو 2019، قام فريق البحث بإعداد ونشر نسخة مصورة تعرض أهم البيانات التي استخلصوها من دراسة 67 عامًا من الوثائق.

وقد وجدوا أن معظم الهجمات قد حدثت بين ديسمبر ومارس (شهور الصيف في نصف الكرة الجنوبي) في المناطق الأكثر دفئًا من الأنهار، وكان "بولي" قد نشر في دراسة سابقة أن الهجوم يزداد في هذا الموسم مع ارتفاع درجة الحرارة، حين تصبح التماسيح -وهي من الزواحف ذات الدم البارد- أكثر نشاطًا وأسرع جوعًا، وتُظهر عدائيةً أكبر، خصوصًا أن هذا الموسم هو أيضًا موسم تزاوجها.

ويزعم بعض الغواصين من ذوي الخبرة أنهم لا يغامرون أبدًا بالغطس في مناطق نفوذ التماسيح إلا حين تنخفض درجة الحرارة عن 19 درجة مئوية، بالإضافة إلى أن الأمطار في موسم الشتاء ترفع منسوب المياه في الأنهار والبحيرات، فتنتشر التماسيح في مساحات أوسع، وتقل احتمالات استهدافها للبشر.

وعلى ذكر الاستهداف، فقد خالفت نتائج الدراسة الافتراض السابق بأن التماسيح تستهدف الإناث أكثر -نظرًا إلى أسلوب حياتهن الذي يحتِّم عليهن الاقتراب أكثر من المياه في أثناء القيام بواجبات المنزل مثل غسل الملابس وإحضار الماء- وأعلنت أن نسبة 65% من الضحايا كانوا من الذكور، بالإضافة إلى مؤشر آخر ذي أهمية خاصة يقول إن أكثر من نصف الضحايا (51%) كانوا من اليافعين (أقل من 15 عامًا) وإنهم قد تعرضوا للهجوم في أثناء السباحة أو الاستحمام في مياه النهر، في حين تعرض أغلب الرجال البالغين للاستهداف في أثناء ممارستهم لصيد السمك.

ورغم أن أكثر من نصف الهجمات المسجلة (52%) كانت قاتلة، إلا أن مصير الضحايا اعتمد على أكثر من عامل، منها حجم التمساح وسن الضحية، وهل كانت الضحية تواجه التمساح وحدها أم في صحبة أخرين، ولهذا لم تتجاوز حالات نجاة الأطفال المستهدفين دون تقديم يد مساعدة نسبة 35%.

وكشفت الدراسة عن عامل آخر أدى دورًا مهمًّا في زيادة الاحتكاك بين التماسيح والبشر، وهو التحولات التي تطرأ كل يوم على الأنظمة البيئية في أفريقيا وزحف البشر عليها لاستغلال المزيد من المساحات المائية ومنافسة التماسيح على مناطق نفوذها، مما أدى إلى تصاعد أعداد المواجهات الدامية، التي تتخذ أبعادًا درامية أحيانًا، مثلما حدث مع الصياد الأوغندي (مبارك باتامبوزي)، الذي انتزعَت منه أنيابُ تمساح ضخم ذات يوم زوجته وطفله الذي كان لا يزال في رحمها، فأقسم على الثأر واستعان بحدَّادٍ ليصنع له رمحًا قادرًا على قتل الوحش، وانتظر عودته شهرًا كاملًا ليقتله بعد معركةٍ ملحميةٍ دامت ساعةً ونصف!

عودةٌ إلى الشاطئ

لم تكتفِ الدراسة بعرض الأرقام، بل استخدمتها لتخرج ببعض التوصيات لحقن دماء البشر والتماسيح، مثل حث السلطات المحلية على إقامة نقاط عبور آمنة وحواجز في المناطق التي يُخشى فيها الهجوم، أو اللجوء إلى ضخ المياه عبر الأنابيب أو تجميعها في الخزانات، وتوعية المواطنين -والصغار بشكلٍ خاص- بالبقاء بعيدًا قدر الاستطاعة عن ضفة النهر أو البحيرة بمسافة ثلاثة أمتار على الأقل، مع الانتباه إلى أن التماسيح تستطيع التخفي ببراعةٍ مخيفة -وفي سكونٍ تام- تحت صفحة الماء، وقد تبقى هكذا ساعةً أو أكثر. أما عند الاضطرار إلى خوض المياه فليكن ذلك بإحداث أقل قدرٍ ممكن من الحركة أو تعكير المياه الذي سيلفت انتباه التماسيح على الفور. هناك نصيحة منتشرة تقول إن إحداث الصخب أو الجلبة قد يخيف التماسيح، لكن "بولي" يقول إنها نصيحة سيئة للغاية، وإنها ستؤدي على الأرجح إلى العكس تمامًا.

أما إذا أوقعك حظك العاثر بين فكي التمساح فيمكنك -إن كنت لا تزال تستطيع السيطرة على أعصابك- أن تحاول استهداف عينيه أو أنفه أو حشر شيءٍ ما في حلقه المفتوح، فربما يفلتك حينها بمعجزة، ويُكتَب لعينيك ألا يكون آخرَ ما ترياه عينان مشقوقتان باردتان قديمتان كالموت ذاته، وفكان مُشْرَعان كحديّ المقصلة لا يعرفان الرحمة، كانا ليستحقان بمنتهى الجدارة كل المهابة الممكنة وكافة الألقاب المرعبة، لولا السينما وما تفعله السينما.