الحياة ملأى بتبادُل الجميل. فقد نساعد زميل عمل يسابق الزمن لإنجاز إحدى مهماته قبل الموعد النهائي لها الذي بات وشيكًا، أو نجالس أطفال صديقة تمر بظرف طارئ، أو نساعد أحد الأصدقاء في تحريك قطعة أثاث.. ثم –لاحقًا- نطلب منهم شيئًا ما في المقابل. لكن بعد أن نسدي الجميل، إن كنا نرغب في أن يُرَد لنا، فما المدة التي علينا انتظارها قبل أن نطلب ذلك؟ يبدو أن الأعراف الاجتماعية تُملي علينا أن ننتظر فترة زمنية مناسبة قبل أن نتخذ تلك الخطوة؛ فإذا طلبنا رد الجميل في وقت قريب أكثر من اللازم، قد نبدو غير مهذبين. فربما يظن زميلنا في العمل أو صديقتنا الأم، أو صديقنا صاحب قطعة الأثاث، أن تصرُّفنا الأول كان فقط لتحقيق غرض ما، وأننا قد قدمنا المساعدة فقط من أجل إنشاء علاقة على مبدأ "الشيء مقابل الشيء". غير أن دراسة جديدة نشرناها في بداية شهر مارس بدورية "بروسيدنجز أوف ناشونال أكاديمي أوف ساينسيز" Proceedings of the National Academy of Sciences، تشير إلى أننا إذا أردنا مقابلًا لمعروف قدمناه، لا يمكننا أن نطلب ذلك في وقت مبكر أكثر من اللازم.

قمنا بتحليل موقف كان تبادل الجميل فيه عبارة عن عمل تجاري بقيمة مليار دولار: كيف يمكن لمستشفى يقدم "معروفًا" لمرضاه عن طريق توفير رعاية طبية عالية الجودة لهم، أن يختار الوقت الأنسب ليطلب منهم رد هذا "المعروف" في صورة تبرع؟ ومع أن هذا السياق قد يبدو بعيدًا كل البعد عن مبدأ "الشيء مقابل الشيء" الذي نراه في حالة تبادُل المعروف بين زملاء العمل والأصدقاء وأفراد العائلة، أظهرت أبحاث سابقة حول نظام تبادل المنفعة، أن المبادئ نفسها على الأرجح يمكن تطبيقها هنا أيضًا.

حلَّلنا على وجه التحديد بيانات أكثر من 18 ألف طلب للتبرع وجهته إدارة مستشفى جامعي كبير لمرضاه السابقين. أُرسِلت هذه الطلبات جميعها بالبريد بعد زيارة المريض الأولى للعيادات الخارجية بالمركز الطبي. ولتقييم ما إذا كان طلب التبرع السريع الذي وجهه المستشفى للمرضى السابقين فكرةً صائبةً أم لا، استفدنا من حيلة استُخدِمَت في إرسال طلبات التبرع عبر البريد إلى المرضى. أُرسِلَت الطلبات على دفعات، بحيث أُرسلت الخطابات في يوم واحد لمجموعة من المرضى كانت زيارتهم الأولى للمستشفى في المدة الزمنية نفسها، المحددة بشهرين (مثلًا في مارس وإبريل عام 2013). عادةً ما تتسبب هذه الحيلة في إحداث فروق كبيرة في الزمن بين زيارة المستشفى ووصول طلب التبرع. فعلى سبيل المثال، في حال قام مريضان من نفس العمر والجنس والعِرق بزيارة قسم الأورام بالمستشفى، أحدهما في يوم والآخر في اليوم الذي يليه، يكون للمريضين تجربتان مختلفتان تمامًا مع المستشفى فيما يتعلق بتسلُّم طلب التبرع. فإن صدر الطلب للمريض الأول قبل بدء عطلة خدمة البريد، وصدر للمريض الثاني بعد بدء العطلة، فسيتلقى الأول طلب التبرع بعد بضعة أسابيع فقط من زيارته للمستشفى، في حين أن الثاني سيتلقى الطلب بعد ذلك بعدة أشهر. وتساءلنا: هل الاستعداد لرد الجميل يتضاءل مع مرور الوقت أم يبقى ثابتًا؟ وهل يأتي طلب رد الجميل بنتيجة عكسية إن طلبته مبكرًا أكثر من اللازم؟

وقد اكتشفنا حدوث تراجُع شديد في رغبة الناس في التبرع مع مرور الوقت؛ إذ تنخفض احتمالية أن يُقدِم المريض على التبرع بنسبة 30% لكل شهر إضافي يفصل بين تقديم الرعاية الطبية للمريض وطلب الحصول على تبرُّع منه. كما أن معدل الانخفاض كان في أسرع حالاته بالنسبة للمرضى الذين زاروا أقسام المستشفى التي تعالج المرضى أصحاب الأمراض الأشد، مثل أقسام الأورام والجراحة وأمراض القلب. ويساعد ذلك في استبعاد احتمالية أن يكون المرضى قد نسوا فحسب أنهم تعاملوا من قبل مع المركز الطبي؛ إذ من الصعب أن ينسى مرضى الأورام والجراحة والقلب زياراتهم للمركز. وتشمل البيانات بعض طلبات التبرع التي وصلت بعد أيام فقط من الحصول على الرعاية الطبية، ولم نرصد دليلًا على وجود نتيجة عكسية لإرسال طلب لرد الجميل في وقت مبكر أكثر من اللازم. تشير جميع الأدلة إلى أنه كلما كان ذلك أقرب كان أفضل.

فما الذي يمكن لنا جميعًا أن نستخلصه من ذلك؟ وما الذي تقوله لنا بيانات إدارة المستشفى بشكل أعَمّ؟ حلَّلنا سلوك المرضى الذين تلقوا الرعاية الطبية، ووجدنا أن دوافعهم لتقديم هدية للمستشفى الذي عالجهم يحفزها في الأغلب دافع المعاملة بالمثل -أي شعور بالتقدير تجاه ما فعله طاقم الرعاية والتمريض والأطباء. وهذا النوع من تبادل المنفعة يُعَد أساسًا لنطاق واسع من الأفعال اليومية التي نؤديها، بدءًا من التطوع والتبرع الخيري، وانتهاءً بإعطاء بقشيش، ورد الجميل. ومع أننا حللنا بيانات من بيئة خاصة بتقديم الرعاية الصحية، فإن دافع تبادُل المنفعة الذي يدفع سلوك الأفراد هو المحور الرئيس الذي تدور حوله هذه التعاملات. وفي حين كان يفترض عادةً أن تظل الرغبة في رد المعروف ثابتةً دون تغيُّر، توصلنا إلى أدلة تثبت العكس.

وهذه نتائج مهمة على وجه التحديد للمؤسسات القائمة جزئيًّا على التبرعات من متلقين سابقين لخدماتها، مثل المستشفيات والكنائس والجمعيات الإنسانية والمدارس. واتضح أن تأخُّر طلب التبرعات يكلف الكثير جدًّا. غير أن هذا الأمر ينطبق كذلك بنسبة كبيرة على الأصدقاء والزملاء. علينا ألا نفترض أن المعروف سيُرَد بأكثر منه بعد زمن، بل ندرك أن مشاعر الامتنان والرغبة في رد الجميل تتلاشى سريعًا. وإذا لم نكن نتصرف بكرم نابع بالكلية من صفاء قلوبنا، وكنا نأمل عوضًا عن ذلك أن يكون إسداؤنا المعروف سيكسبنا آخر، فإنه يجب علينا ألا نؤجل طلب ما نريده في المقابل.

إذًا، عندما تتطوعين لمجالسة طفل إحدى صديقاتك، اطلبي منها أن ترد لكِ هذا المعروف في المرة القادمة التي تخرجين فيها لموعد غرامي. وعندما تقدم يد العون لزميل عمل لتساعده في مشروع ما، فلا تتأخر في أن تطلب منه مساعدتك لإنجاز مهمتك القادمة في وقتها المحدد. وإذا ذهبت في زيارة إلى المستشفى، فلا تتفاجأ عندما يطلبون منك تقديم تبرع في وقت مبكر أكثر مما تتوقع.

هل أنت عالِم متخصص في علم الأعصاب، أو علم الإدراك، أو علم النفس؟ وهل قرأت ورقة بحثية حديثة خضعت لمراجعة الأقران وتود أن تكتب عنها شيئًا؟ الرجاء إرسال مقترحاتك إلى جاريث كوك، محرر "مايند ماترز" Mind Matters. جاريث، وهو صحفي حاصل على جائزة بوليتزر، هو محرر سلسلة "بيست أميريكان إنفوجرافيكس" Best American Infographics، ويمكن الوصول إليه عن طريق البريد الإلكتروني garethideas@gmail.com أو عبر @garethideas على موقع تويتر.