أن تكون نجمًا في هذا الكون الواسع ليس بالأمر السهل، يحتاج الأمر أن تجمع الكثير من الوقود النجمي حتّى تتمكن في مرحلة ما من أن تبدأ حفلة نووية مبهرة، فتتولد بسببها كميات مهولة من الطاقة هي ما يتسبب في لمعان النجوم من الأساس، لكن السؤال الذي طالما حيّر الفيزيائيين النظريين والتجريبين على حدٍّ سواء كان دائمًا: عند أي حد بالضبط يمكن للنجم أن يكون نجمًا؟ وتحت أي حد لا يصبح كذلك؟

في بحث جديد نُشر قبل أيام قليلة، تمكَّن فريق دولي بقيادة "سيرجيو ديتيريش" -الأستاذ بمعهد كارنيجي ومرصد تولولو الأمريكي- من تقديم إجابة أكثر وضوحًا للسؤال عن الكتلة المطلوبة لكي يصبح النجم -بالمعايير الفلكية- نجمًا. أظهرت نتائج فريق العمل أن الأقزام البنية يمكن أن تكون أكثر ضخامةً مما كان يعتقده الفلكيون في السابق.

"هناك ثغرات في فهمنا للعديد من الأمور"، يقول "ديريتش" في حوار خاص مع "للعلم"، مضيفًا أن "هذه الثغرات تعتبر أكثر أهميةً حينما تتعلق بأقل وأعلى النجوم كتلة، والتي هي أكثر أنواع النجوم وجودًا في مجرتنا"، لهذا السبب فإن بحثنا خلف الكتلة الحرجة التي تبدأ عندها التفاعلات النووية في الحدوث وميلاد نجم جديد يؤثر بشكل واضح في فهمنا لتطور النجوم، والكون ككل.

النجوم التي فشلت!

وكان الفريق البحثي قد أجرى قياسات دقيقة لمواقع وتحركات نجمين من كوكبة الهندي (ويُسميان "أوبسيلون بي" و"أوبسيلون سي") مقارنةً بالأجرام السماوية الأخرى، أدت تلك القياسات المترية إلى استنتاج كتل هذين النجمين ومداراتهما. "لتعيين كتل النجوم بطريقة تجريبية تمامًا، دون حاجة للجوء إلى نماذج نظرية للهياكل النجمية، فإن هذه التقنية التي استخدمناها هي الوحيدة التي تفعل ذلك".. يقول "ديريتش".

"كل من (أوبسيلون بي) و (أوبسيلون سي) هي أقزام بنية"، يقول "أشرف محمد شاكر"، رئيس معمل المجرة والمجرات الخارجية بالمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية، غير مشارك بالدراسة، في حوار مع "للعلم"، موضحًا أن الأقزام البنية، والتي تسمى في لغة العلم الشعبي بالنجوم الفاشلة، هي أحد أقل الأجرام فى كتلتها.

ويضيف: تكونت من السحب النجمية، لكن ليس فيها عمليات اندماج نووي، وتستقي طاقتها فقط من ضغطها الجذبوي، إنها نجوم منخفضة الكثافة والحرارة، وتتراوح كتلتها بين 0.013 و0.080 من كتلة الشمس، وهو ما يساوي 70- 73 مرة كتلة كوكب المشتري، موضحًا أن الأقزام البنية ببساطة هي كتل تحت نجمية، كانت من الصغر بحيث فشلت في أن تصبح نجومًا.

جاءت نتائج الدراسة الجديدة لتناقض تلك المعايير التي وُضعت سابقًا لكتلة القزم البني، يقول "ديريتش" مستكملًا حواره مع "للعلم": "فعلى الرغم من أننا متأكدون تمامًا عبر القياسات الطيفية من أن (أوبسيلون بي) و (أوبسيلون سي) هي أقزام بنية"، مستطردًا: "لكن المشكلة أن نتائج القياسات في دراستنا تقول أن (أوبسيلون بي) تحديدًا كانت كتلته 75 مرة كتلة المشتري، ما يعني فارقًا قدره 2- 5 أمثال كتلة المشتري عن النماذج النظرية، الأقزام البنية إذن أكبر في الكتلة مما كنّا نظن".

"تعتمد الدراسة الجديدة على نتائج أخرى سبقتها في العام 2014".. يقول "شاكر" لـ"للعلم"، مضيفًا: "وكانت أيضًا قد أثبتت أن العوامل الأساسية لتعريف الأقزام البنية، مثل درجة اللمعان ودرجة الحرارة، أكبر مما كنا نتوقع بالنسبة لتلك الأجسام الباردة"، مضيفًا أن زيادة اللمعان والحرارة تتناسب مع كتلة الأجسام، ما أعطى الباحثين فكرة البحث الجديد.

كيف تولد النجوم؟

تولد النجوم في قلب السدم، وهي تلك السحب الجزيئية الضخمة المملوءة بالغاز والغبار النجمي. إذا كانت السحابة كثيفةً بما يكفي فسوف تندفع مكوناتها ليلتف بعضها حول بعض، ثم ببطء شديد للغاية يزداد حجم ذلك التجمع وكثافته، وبالتالي تزداد درجة حرارته. في تلك المرحلة يتكوّن "النجم الأوّلي" (Protostar)، نسميه كذلك لأنه لم يكتسب بعد القدرة على إنشاء تفاعل نووي فيصبح نجمًا حقيقيًّا.

"تعتمد حياة أي نجم على كمية الوقود النووي، وهي كمية الهيدروجين الموجودة بداخله، والتي تتناسب طرديًّا مع حجم النجم وكتلته"، مضيفًا: "فتحوُّل النجم من نجم عادي إلى نجم قزم أو عملاق أو أي نوع آخر من النجوم يعتمد على حجمه وكتلته الأولية"، الأقزام البنية بالتالي ليست نجومًا بالمعنى المفهوم؛ لأنها لم تمتلك ما يكفي من الكتلة لكي تنتقل إلى المرحلة التالية، مرحلة الاشتعال!

تحتاج النجوم الهيدروجين لتنمو كطفل يحتاج إلى الغذاء للسبب نفسه، بسبب ذلك التدافع للغاز والغبار في قلب تلك الكتلة المركزية الأولية سترتفع درجة حرارة النجم، حينما تتخطّى درجة الحرارة حاجز عشرة ملايين درجة مئوية يكون الوضع ملائمًا لحدوث اندماج نووي، يعني ذلك أن "تندمج" أنوية ذرات الهيدروجين لتصنع عنصرًا أعلى منه في العدد الذري، إنه الهيليوم، وينطلق خلال ذلك التفاعل كمٌّ مهول من فوتونات الضوء وإشعاع جاما، لقد بدأ النجم حياته بالفعل.

الآن يمكن القول إن النجم دخل في "التسلسل الرئيس Main Sequence"، أصبح شابًّا يافعًا يضج بالطاقة، نجوم التسلسل الرئيس هي تلك النجوم التي ما زالت تقوم بحرق الهيدروجين في نواتها وتحويله إلى هيليوم، يستمر النجم في تلك المرحلة ردحًا من الزمن قد يمتد لمليارات السنوات أو قد يمتد لعدة عشرات من الملايين منها، لكن بانتهاء مخزون الهيدروجين الخاص بنواته تنكمش نواة النجم، ويتضخم حجمه ليصبح -لو كان بحجم الشمس- أكبر مئة مرة، هنا يتحول إلى ما نسميه "عملاقًا أحمر" (Red Supergiant)، وتكون نهايته في صورة سديم كوكبي ملون.

أما النجوم التي تبلغ كتلتها أكبر 8 مرات من الشمس فستتحول إلى ما نسميه عملاقًا أحمر فائقًا (Red Supergiant)، ثم بعد فترة ينهار هذا العملاق المهيب على ذاته في جزء من الثانية مُحدثًا انفجارًا غايةً في القوة نسميه مُستَعِرًا أعظم (Super Nova)، مخلِّفًا في المركز ما يسمى "نجمًا نيترونيًّا"، وهو تكدُّس لما يساوي في كتلته مرة ونصف قدر الشمس في كرة بعرض مدينة الإسكندرية، أما إذا كان النجم المنفجر عملاقًا بما فيه الكفاية فسوف تنهار نواة النجم تمامًا على ذاتها مخلفةً ثقبًا أسود Black Hole.  

لماذا هو مهم أن نعرف ذلك؟

كلما ازدادت الكتلة الأولية للنجم، إذن، تغير مستقبله. "على مدى القرن الفائت، طور علماء الفلك فهمًا مفصلًا إلى حدٍّ ما لما يحدث داخل النجوم"، يقول "ديريتش" لـ"للعلم"، مضيفًا أن "هذا النموذج ناجح إلى حدٍّ كبير، ويستند فهم كيف يعمل الكون كله إلى فهم هذا النموذج"، في تلك النقطة ربما تتضح لنا أهمية الدراسة الجديدة، إذ إن الفهم الدقيق للكيفية التي تنشأ بها النجوم يعني تطويرًا لفهم عمل الكون ككل، والمشكلة التي نواجهها هنا هي أن النماذج النظرية التي تتوقع كتلة الأقزام البيضاء ليست –مع تلك النتائج الجديدة– دقيقة، ما يتطلب العمل على تحسينها بحيث تتوقع نتائج يمكن اختبارها والتأكد من صحتها. بالنسبة للفيزيائيين النظريين، الحد الفاصل بين النجوم الفاشلة (الأقزام البنية) والنجوم الحقيقية لا يزال غامضًا.

أحد أسباب أهمية الدراسة الجديدة كذلك هو أنها تساعدنا في التعرف إلى النجوم التي يمكن أن تحوي حياةً في محيطها، فنحن نعرف أن النجوم منخفضة الكتلة تميل إلى تكوين كواكب حولها. "لكن، هل هذه النجوم صغيرة الكتلة سوف تسمح بوجود حياة على تلك الكواكب؟"، يتساءل "ديريتش" في حواره مع "للعلم"، ثم يجيب: "نحن لا نعرف الجواب عن هذا السؤال بعد، وهو موضوع بحث نشط، لكن ما نعرفه أن الأقزام البنية لا يمكن أن تحوي حياةً في محيطها؛ لأنها تبرد مع الزمن".

بالتالي فإن تعيين الحد الفاصل بين النجوم والأقزام البنية سوف يساعدنا على تجنب نطاق واسع من النجوم، وتوقع أي النجوم قد يحتمل وجود حياة حوله بشكل أفضل. بطبيعة الحال هناك الكثير من الأسئلة المطروحة على طاولة النقاش حول قابلية محيط النجوم للحياة، لكن الدراسة الجديدة –بحد تعبير ديريتش– "تطرح السؤال الأول منها".

أضف لذلك أن فهم ذلك الحد الفاصل بين النجوم والأقزام البنية، بدقة شديدة، سوف يساعدنا في التعرف إلى الكتلة على مستوى المجرة ككل، بمعنى أوضح، حينما نتعرف إلى النقطة الفارقة بين النجوم والأقزام البنية، سوف يسمح لنا ذلك بمعرفة أعداد تلك الأجرام التي لا نتمكن بسهولة من رصدها لأنها لا تشع الكثير، وبذلك قد نحقق فهمًا أفضل وأكثر دقةً لكتلة المجرة ككل، وبالتالي، كمية المادة المظلمة الموجودة بها.

"كل المعارف الفلكية التى جمعناها تعتمد بشكل كلّي على الأرصاد الفلكية الفعلية ثم بعد ذلك نتساءل عن مدى اتفاقها مع النظريات الفيزيائية التي نعرفها"، يقول شاكر لـ"للعلم"، مضيفًا أنه حينما تتعارض النتائج التجريبية مع الفرضيات النظرية، "يبحث الفلكيون عن الحلقة المفقودة لفهم تلك الأرصاد التى نراها بأعيننا ولكن يصعب فهمها، مما يتسبب في تطوير قوانين الفيزياء، التي تؤدي -بلا شك- إلى تطور التكنولوجيا وبالتالي الحياة على الأرض".

متى تفشل النجوم إذن في أن تصبح نجومًا؟ ما زال الكثير من الأسئلة مطروحًا حول هذا السؤال، لكن دراسة فريق ديريتش تقربنا خطوة إضافية من إجاباتها، هكذا يتقدم العلم شيئًا فشيئًا، عبر إسهامات صغيرة من باحثين بذلوا الكثير من الجهد والوقت من أجل تحقيق فهم أفضل لفهم جزئية دقيقة جدًّا لم تكن لنتصور وجودها من الأساس، لكن تلك الجزئية الغاية في الدقة قد تُسهم في تطوير فهمنا للمجهول الكوني الواسع، ومن خلف ذلك قد نجد إجابات لأسئلة نطرحها على ذواتنا من حين لآخر، كـ: مَن نحن؟ ولماذا جئنا إلى هنا؟!