باعتباره مختصًّا بعلم النفس الإكلينيكي، عمل فرانك تاليس طيلة عقود مع مرضى يعانون حالةً كان يطلق عليها يومًا ما "داء الحب". والآن، وبوصفه كاتبًا متفرغًا في أدب الواقع وأدب الروايات، فقد جمع فرانك بعضًا من أبرز الحالات التي مرت عليه، وذلك في كتابه الذي سيصدر قريبًا تحت عنوان "الرومانسي الذي لا علاج له: وقصص أخرى عن الجنون والرغبة" The Incurable Romantic: And Other Tales of Madness and Desire (دار نشر بيزيك بوكس، 2018). تحدثنا معًا -أنا وفرانك- حول الحب والجنون والعلاقة بينهما.

[فيما يلي نسخة محررة من المقابلة].

هل تعتقد بالفعل أن الحب مرض عقلي؟

يمكن للحب أن يكون تجربةً قويةً ومُفقِدَة للاتزان؛ فغالبًا يترك الحب انطباعًا لدى مَن يمرون به بأنه ليس تجربةً لطيفةً في مجملها. تستطيعين القول إن الأفكار المتداولة حول الحب الرومانسي هي أفكار واهمة بالأساس، وذلك لأن الاعتقادات المصاحبة للحب الرومانسي لا تنسجم مع الواقع. إن الفكرة التي مفادها أن هناك شخصًا مميزًا في مكانٍ ما ستسوقه الأقدار إليك تمثل أحد الاعتقادات القوية، وهي فكرة واهية تمامًا، إلا أنها إحدى الأفكار التي يؤمن بها الكثير من الناس، وهي فكرة رسختها هوليوود ورسخها أدب الخيال الرومانسي.

هل كلنا مُعَرَّض للجنون إذًا؟

في حالة ما إذا كنتِ تستطيعين التعامل مع هذا العالم، فإن الحب لن يشكل لكِ مشكلةً بالضرورة. إلا أن الملاحقة تُعَدُّ إحدى الحالات التي يدخل فيها السلوك المعتاد إلى دائرة الأمراض النفسية بسهولة تامة، فالملاحقة أمر مزعج وخطير للغاية. ومع هذا، إذا كنتِ تتحدثين عن الطريقة التي يتصرف بها الناس عندما يريدون التودد إلى أحدهم، ففي هذه الحالة هم يتصرفون كأنهم يقولون إنهم ينتظرون في مكانٍ محدد على أمل أن يمر بهم شخص معين. وهناك صور للملاحقة تُعَد غير ملحوظة إلى حد ما، وكلنا يفعلها. ولكن إذا تماديتِ قليلًا في هذه التصرفات فسرعان ما ستجدين نفسك قد تجاوزتِ حدكِ إلى حدود التحرش أو التصرف بطريقة توصَف بأنها مُقلقة.

وماذا يحدث حينها؟

بالنسبة للمرضى الذين رأيتهم، لقد بدأت حياتهم في الانهيار حينها. وبطبيعة الحال عندما لا تسير علاقة الحب على ما يرام، تبدأ جميع أنواع المشكلات في الحدوث، مثل الوَلَه، والغيرة المرضية، وانكسار القلب، والتعلُّق غير اللائق، والإدمان. وهناك مضاعفات نفسية جسيمة لتجربة الوقوع في الحب على نحوٍ قاسٍ، وهذا أمر يجب أن نتعامل معه بشكل أكثر جدية.

ولماذا لا نفعل ذلك؟

اتفق الأطباء منذ آلاف السنين على اعتبار داء الحب ومشاعر الاشتياق والرغبة حالاتٍ مرضية. وبعدها تبدلَّت النظرة وأصبحت هذه الحالات يُنظر إليها على أنها اهتمام بالجانب الجنسي. وأصبحنا لا نرى أن الحب الرومانسي يُراعَى من منظور الطب النفسي. لقد استغرق تدريبي في علم النفس الإكلينيكي ما مجموعه ثمانية أعوام تقريبًا. وخلال هذه الأعوام الثمانية لم أتلقَّ تعليمًا نظاميًّا سوى لساعة واحدة حول الحب بمعناه الرومانسي بين طرفين في علاقة عاطفية.

لماذا يُعَدُّ بعض الناس أشدَّ ضعفًا من غيرهم؟

بإمكانك التكهُّن بشأن نقاط الضعف البيولوجية في أدمغتهم، وبإمكانك التكهُّن بشأن ماضيهم. على سبيل المثال، الشخص الذي يشعر بحالة من عدم الاستقرار النفسي الشديد لأنه لم يتلقَّ الحب الكافي في طفولته ربما يكون أكثر عرضةً للغيرة المرضية. غير أن العوامل المحددة التي تجعل من شخصٍ ما هشًّا ربما تختلف اختلافًا كبيرًا عن العوامل التي تؤدي إلى النتيجة نفسها في شخصٍ آخر.

ماذا نعرف عن الحب والدماغ؟

هناك نوع من الكيمياء العصبية التي تنتج عن الحب، وقد جرى تعريفها بأنها مواد كيميائية شبيهة بالأمفيتامين والأفيون، ويُفرَز هذا المزيج عندما يقع الناس في الحب. وترتبط حالات الحب الشديد بإفراز الأوكسيتوسين، وهو هرمون قوي يسبب الشعور بالتعلُّق. وما يحدث أيضًا هو أنك عندما تقع في الحب فإنك تشعر بهوس شديد نحو الشخص الذي تحب. وعندما يمر شخص بتجربة الحب الذي يصل إلى حد الهوس، فمن الوارد أيضًا حدوث توظيف لبعض الآليات التي تدخل في الإصابة بحالات الهوس الإكلينيكي.

هل كان معظم مرضاك يعانون مشكلات تتعلق بالحب والرغبة؟

لقد كان تخصصي الإكلينيكي هو الاضطرابات الناجمة عن القلق، وتحديدًا اضطراب الوسواس القهري. وحينها كنت أتأكد أكثر فأكثر -كلما زاد عدد المرضى الواقعين في الحب الذين كنت أراهم- من وجود علاقات تناظُر بين حالة الوقوع في الحب وأمراض الوسوسة.

مثل المرأة التي أحبت طبيب الأسنان الخاص بها بصورة جنونية وكانت واثقةً بأنه يبادلها الشعور نفسَه؟

تُعَد أشد حالات الاشتياق والرغبة هي متلازمة دو كليرامبو De Clérambault's، وهي نوع من التَّوهُّم المتبادل. هذه الحالة ليست شائعة، ولا تشعرين فيها بالحب تجاه شخصٍ ما فقط، بل تكونين على ثقة تامة بأنه وقع في حبك هو الآخر، وأن هذا كان مقدورًا له أن يحدث. ما أثار الاهتمام في حالة هذه المريضة كان نقاء هذه الظاهرة فيها؛ فقد جعلتني أدرك كيف أننا جميعًا كمن يمشي على حافة الهاوية عندما يتعلق الأمر بالصحة العقلية؛ فأكثر الأشخاص اتزانًا وتمتعًا بحياة عادية جدًّا قد يجد نفسه فجأة ضحية لمرض يأخذه إلى أكثر المِحَن غرابةً وتعقيدًا.

الرجل الذي تصفه بـ"الرومانسي الذي لا علاج له" لم يستطع تقبُّل انتهاء العلاقة. أتصور أن هذه الحالة أكثر شيوعًا، أليس كذلك؟

بلى، ففي حالة الرومانسي الذي لا علاج له، وبغض النظر عن حالة التَّوَهُّم المتبادل، هناك الكثير من أعراض متلازمة دو كليرامبو، فلديك الشخص الذي يقوم بالملاحقة، وذاك المصاب بالهوس الشديد، وذلك المقتنع تمام الاقتناع بمنظومة فكرية رومانسية تقول بأنه لن يشعر بالسعادة إلا مع شخص معين. في هذه الحالات يحدث إنكار للواقع على نحوٍ غير معتاد؛ فربما يقول المريض: "أعلم أنها قالت إنها لا ترغب في رؤيتي مرة أخرى، وأعلم أنها قالت إنها سوف تتصل بالشرطة، إلا أنني أعتقد أنني سأتمكن من إقناعها لو أتيحت لي فرصة التحدث معها دقيقةً واحدة". هنا لا يسعك إلا الجلوس والتعجب: "يا للهول، كيف يمكنك التفكير بهذا الشكل في تلك المرحلة؟"، إلا أن هؤلاء الأشخاص لا يدَّعون هذه الحالات.

وماذا عن الرجل الذي مارس الجنس مع 3,000 بغي؟ أنت تعتقد أنه مدمن، ولكن ليس مدمنًا على الجنس.

كان هذا هو الأمر المذهل. ففي الممارسة الإكلينيكية تقابلك حالات لمدمني الجنس طوال الوقت، ربما ليس إلى الحد المريع الذي يصل لممارسة الجنس مع 3,000 بغي. الأمر المثير للاهتمام فعلًا بشأن هذا الشخص كان نظرته للجنس باعتباره وسيلةً لإنشاء علاقات رومانسية مع البغايا بهدف جعلهن يحببنه في النهاية. كان هذا الشخص مدمنًا لشعور بأن شخصًا ما يحبه. وكان بمجرد أن يجعل واحدةً منهن تقول له: "أنا أحبك"، يمضي في طريقه إلى بغيٍّ أخرى.

هذا الأمر محزن جدًّا حقًّا.

أجل، على المرء ألا يجعل الاستغراب الذي تثيره هذه الظواهر يطغى على الشعور بالحزن.

هل تشعر بأنك تمكنت من مساعدة هؤلاء الناس؟

الكتاب يُسمى "الرومانسي الذي لا علاج له"، وفي بعض الأحيان لا يوجد علاج. وغالبًا ما تكون نظرتنا للعلاج النفسي غير واقعية؛ فهو على الأرجح لا يمكن التنبؤ بنتائجه، وغير منظم، ولا يمكن التحكم فيه؛ إذ تطرأ أمور مفاجئة، ويفعل الناس ويقولون أشياء غير متوقعة، وهناك مرات تكون فيها الطرق مسدودة. وفي بعض الأحيان يتوقف المرضى عن الحضور لجلسات العلاج، ولا تستطيعين معرفة نهاية القصة للأبد. لقد اخترت عمدًا حالات كان من الصعب علاجها أو حالات لم يتم علاجها بصورة مُرْضِية. آمل أن يزيد هذا من مستوى التشويق بالنسبة للكتاب.

مَن المخاطَب بهذا الكتاب؟

هذا الكتاب موجه لأي شخص سبق له البحث عن شريكه الرومانسي السابق على جوجل أو على فيسبوك. بمجرد أن يعترف المرء بذلك، فإن الكتاب سيأخذه إلى آفاق شيقة لفهم الكيفية التي يعمل بها العقل، وأهمية الحب، وأيضًا دور الحب كنقطة ضعف أمام بعض الحالات النفسية.