عرفت البشرية زراعة النخيل قبل أكثر من 6 آلاف عام، واتخذ الإنسان من ثمار النخلة غذاءً ودواءً، ومن جذوعها وأغصانها سكنًا وفراشًا. كما قامت على أشجار النخيل وثمارها العديد من الصناعات التى أصبحت مصدرًا للثروة، خاصة في المنطقة العربية، التي تحتل الصدارة في إنتاج التمور بلا منازع، ولكن هذه الثروة أصبحت الآن مهددة بالفناء أكثر من أي وقت مضى.

ووفق تقرير «أوضاع الأمن الغذائي العربي»، الصادر عن «المنظمة العربية للتنمية الزراعية»، فإن الدول العربية مجتمعةً تنتج نحو 75% من حجم الإنتاج العالمي من التمور. ويشير الكتاب السنوي للإحصاءات الزراعية للعام 2015، الصادر عن نفس المنظمة، إلى أن عدد أشجار النخيل في المنطقة العربية عام 2012 كان يبلغ 61 مليونًا و590 ألف نخلة، ارتفع في العام التالي إلى 63 مليون نخلة، ولكنه تراجع مرة أخرى عام 2014 إلى أكثر قليلاً من 62 مليون نخلة، بإجمالي إنتاج من التمور يبلغ 5 ملايين و700 ألف طن.

ولوقت طويل تربع العراق على عرش الدول المصدرة للتمور، ففي النصف الأول من القرن العشرين، كانت تجارة التمور تشكل المصدر الثاني لإيرادات العراق من العملات الصعبة بعد النفط. إلا أن الحروب المتلاحقة ألحقت بثروة العراق من النخيل ضررًا بالغًا، فبعد أن كان يضم وحده حوالي 32 مليون نخلة، هوى عددها إلى 10 ملايين، بل وأصبح معظمها غير منتج.

وأمام تراجع العراق، تقدمت مصر، التي تمتلك حوالي 14 مليون نخلة، إلى صدارة دول العالم المنتجة للتمور، بنحو مليون و330 ألف طن، تليها السعودية بحوالي مليون طن، رغم أنها تمتلك أكثر من 20 مليون نخلة، ثم تأتي الإمارات بحجم إنتاج يبلغ نحو 700 ألف طن، فيما تراجع حجم إنتاج التمور في العراق إلى أقل من 500 ألف طن.

الغزو القادم من الشرق

إلا أن زراعة النخيل وتجارة التمور في البلدان العربية، خاصةً في منطقة الخليج وشمال أفريقيا، بدأت تواجه تهديدًا بالغًا خلال السنوات الأخيرة، نتيجة انتشار حشرة صغيرة لا يتجاوز طولها 5 سنتيمترات. تعارف العلماء والمختصون على تسمية هذه الحشرة بـ«سوسة النخيل الحمراء»، بينما يُطلق عليها أصحاب المزارع اسم «إيدز النخيل»، نظرًا لما تمثله من تهديد بالقضاء على ثرواتهم من النخيل.

ورغم أن تتبُّع العلماء للحشرة يظهر أن موطنها الأصلي الهند، إلا أنها بدأت تغزو المنطقة العربية، بدايةً من ثمانينيات القرن الماضي، إذ جرى تسجيل أول إصابة بها في مزرعة للنخيل بإمارة رأس الخيمة، بدولة الإمارات العربية عام 1985.

وبعد هذه الحادثة بعامين، رُصدت الحشرة بمحافظة القطيف بالمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية، قبل اكتشافها في مصر لأول مرة، وتحديدًا في محافظتي الشرقية والإسماعيلية، عام 1992.

وامتد غزو «حشرة الإيدز الحمراء» إلى الدول العربية في شمال أفريقيا على طول الساحل الجنوبي للبحر المتوسط، حيث تم الإعلان عن تسجيل أول إصابة بها في طنجة بالمملكة المغربية أواخر عام 2008، وفي طبرق بشمال شرق ليبيا مطلع العام التالي 2009، وفي تونس عام 2011، حتى وصلت إلى واحات النخيل في موريتانيا أواخر 2015.

فكوك قارضة وأنفاق قاتلة

تتبع سوسة النخيل الحمراء رتبة «الحشرات غمدية الأجنحة»، فصيلة «السوس»، ويتراوح طول الحشرة الكاملة بين 2.5 و4 سنتيمترات، ويكون لونها بنِّيًّا محمرًّا، وعلى ظهر الحلقة الصدرية منها عدد من النقاط السوداء، وللحشرة خرطوم طويل يكون أطول لدى الأنثى منه لدى الذكر، ويتميز خرطوم الذكر بوجود مجموعة من الزغب على سطحه العلوي.

ووفق أستاذ النيماتولوجي بالمركز القومي للبحوث، الدكتور محفوظ عبد الجواد، فإن الحشرة الكاملة تعيش من شهرين إلى ثلاثة أشهر، ويمكن مشاهدتها على مدار العام، ولكنها تكون أكثر ظهورًا خلال شهري مارس ويونيو.

يضيف عبد الجواد أن الحشرة الكاملة لا ضرر منها؛ لأن العذارى عادةً ما تكون في «شرانق» على المحيط الخارجي لساق النخلة، وبعد التزاوج تضع الإناث ما بين 200 و300 بيضة في مواطن الضعف في النخلة، بحيث تضع كل بيضة بشكل منفرد داخل ثقب أو حفرة تحدثها بمنطقتي الجذع أو التاج، أو الحفر التي تصنعها آفات وقوارض أخرى، أو في آباط الأوراق، وتكون البيضة اسطوانية الشكل، ويتراوح طولها بين 2 و3 ملليمترات.

ويفقس البيض خلال فترة من 3 إلى 5 أيام، وفقًا للظروف الجوية السائدة، عن يرقات كمثرية الشكل عديمة الأرجل، مزودة بفكين قارضين قويين، ويكون لونها أبيض مائلًا للاصفرار، وهو أخطر أطوار الحشرة. تبدأ اليرقات في نهش جذع النخلة، ويمكن سماع صوتها في أثناء تغذيتها على الأنسجة الداخلية للنخلة، محدثةً مئات الأنفاق داخل الجذع الذي يصبح كالاسطوانة المفرغة، إلا من بعض الألياف التالفة، مما يؤدي إلى موت النخلة وهي واقفة شامخة.

يتكون جسم اليرقة من 13 حلقة، يكون لون الحلقتين المجاورتين للرأس بنيًّا فاتحًا، أما الحلقة الأخيرة فتكون مسطحة ولها أطراف بنية خشنة، وعند اكتمال نموها يصل طولها إلى حوالي 6 سنتيمترات، وتعيش مدةً ما بين شهرين أو ثلاثة، بعدها تتحور إلى طور العذراء، داخل شرنقة تنسجها اليرقة من ألياف النخيل، وتعيش داخلها مدةً من أسبوعين إلى ثلاثة، لتتطور الخادرة بعدها إلى حشرة كاملة، تبدأ في التزاوج ووضع البيض من جديد، ومن خلال تكرار هذه المراحل يمكن لسوسة النخيل أن تتكاثر لثلاثة أجيال في السنة الواحدة.

مذبحة النخيل

وعن كيفية اكتشاف الإصابة بسوسة النخيل، يقول عبد الجواد إن هناك عوارض ظاهرة يمكن رصدها في المراحل الأولى، إذ تقل إنتاجية النخلة، ويضيف: إن الجفاف يظهر على أوراق النخلة، كما يبدأ جذعها في الانحناء، نتيجة التهام اليرقات لأنسجته الداخلية، وتنبعث منها رائحة كريهة.

ويوضح أنه في مرحلة الخطر تبدأ القمة النامية للنخلة المعروفة بالجمارة في الذبول، وتتحول إلى اللون الأصفر، مما يؤدي إلى موت النخلة تدريجيًّا، أما إذا حدثت الإصابة في الجمارة، فإن حياة النخلة عادةً ما تنتهي سريعًا.

ولا يقتصر الأمر على نخلة واحدة تختارها الحشرة لوضع بيضها عليها، وإنما نظرًا لامتلاكها القدرة على الطيران، فإنه يمكن لسوسة النخيل أن تصيب مئات الأشجار في فترة قصيرة، تتحول خلالها مزارع النخيل إلى «منطقة موبوءة»، مما يجعل أي محاولة لإنقاذها بمنزلة «مهمة مستحيلة»، عادةً ما تنتهي باقتلاع الأشجار المصابة، والتخلص منها، سواء بحرقها أو دفنها، فيما يشبه «المذبحة» لأشجار النخيل.

وعن طرق الوقاية من مخاطر الإصابة بسوسة النخيل، يشير د. عبد الجواد إلى أن إصدار القوانين والقرارات المنظمة لاستيراد فسائل النخيل وتداولها، بما يضمن سلامتها، هي الخطوة الأولى للوقاية. ويضيف أن الخطوة التالية في إجراءات الوقاية تجرى من خلال مكافحة الآفات والقوارض الأخرى، وسد أي حفر أو ثقوب على الجسم الخارجي للنخلة، لمنع السوسة من وضع بيضها عليها.

ويوضح أنه يتم الانتقال بعد ذلك إلى المكافحة الكيميائية، باستخدام بعض أنواع المبيدات، إما للوقاية أو للعلاج، وأخيرًا المكافحة الميكانيكية، وتشمل إزالة أشجار النخيل المصابة، وحرقها بالكامل، مع اتخاذ تدابير لمنع الحشرة من الطيران والانتقال إلى الأشجار الأخرى.

منقذ النخيل

وتتنوع الطرق التقليدية لمكافحة سوسة النخيل ما بين الكيميائية والميكانيكية، ومؤخرًا توصل الباحثون إلى عدد من الطرق الأخرى غير التقليدية، ومنها المكافحة الحيوية، أو باستخدام الكهرباء، أو الموجات الكهرومغناطيسية.

فقد توصل المهندس الزراعي، أحمد عبد الغني شريف، مهندس وقاية نبات، إلى ابتكار جهاز أطلق عليه اسم «منقذ النخيل». يطلق الجهاز موجات كهرومغناطيسية تقضي على الحشرة فور التعرض لتلك الموجات، دون أي تأثير على الكائنات الحية الأخرى.

وفي حديثه لـ «للعلم»، يؤكد شريف أن اختراع هذا الجهاز استغرق نحو 10 سنوات، مشيرًا إلى أنه مسجل في مكتب براءات الاختراع بأكاديمية البحث العلمي، تحت رقم "575/2012"، بتاريخ 28 مارس 2012، والمنظمة العالمية للملكية الفكرية «ويبو»، تحت رقم "WO2013/143553"، ويتم استخدامه بنجاح في مصر وعدد من الدول العربية بمنطقة الخليج.

ويؤكد شريف أن أهم ما يميز الاختراع أنه الأول من نوعه الذي يعمل ببطارية 12 فولت فقط، وهو عبارة عن حقيبة خفيفة الوزن، مقارنة بسابقه الضخم الذى يعادل وزنه قرابة 4 أفران ميكروويف، ويعتمد في تشغيله على تيار كهربائي 220 فولت، ويحتاج إلى سيارة نقل خفيف لنقله إلى أي مكان.

المبيدات خيار آمن

ويرى الباحث والمهندس الزراعي، أحمد شوقي، أن مكافحة إيدز النخيل أصبحت الآن «سهلة للغاية». باستخدام مواد نباتية "مُخلقة"، نجح وفق قوله، في تخليقها بنفسه، إذ أثبتت فاعليتها في القضاء على الحشرة بجميع أطوارها.

يقول شوقي: "إن هذه التركيبة الطبيعية تقتل الحشرة بمجرد الملامسة، إذ تخترق غلافها الخارجي، لتصيب جهازيها العصبي والهضمي"، ويضيف: المادة نفسها تحتوي على مكونات تساعد النخلة المصابة على تجديد أنسجتها المتضررة، مما يعني إنقاذها وعدم اللجوء إلى قطعها أو التخلص منها بأي طريقة أخرى.

ولكن الدكتور محمود أبو السعد -رئيس قسم كيمياء وتقنية المبيدات بكلية الزراعة جامعة الإسكندرية- يحذر من احتمالات احتواء التركيبات النباتية المستخدمة في مكافحة سوسة النخيل على مواد سامة، خاصةً أن معظم هذه التركيبات لا يتم الإعلان عن محتوياتها.

 ويؤكد أبو السعد أن المكافحة الكيماوية بالمبيدات تظل الوسيلة الفعالة في محاربة سوسة النخيل، إلا أنه يجب مراجعة تلك المبيدات كل فترة، إذ تكتسب الحشرة مناعة ضدها جيلاً بعد جيل، وصولاً إلى مقاومتها بشكل كامل.

وعن أحدث وسائل مكافحة سوسة النخيل، يقول أبو السعد -وهو أحد مؤسسي «مركز التميز البحثي في النخيل والتمور» التابع لجامعة الملك فيصل بالمملكة العربية السعودية-: إنه جرى مؤخرًا تجربة جهاز ابتكره باحثون غربيون، استعان بهم المركز، يمكنه ضخ كمية كبيرة من المبيدات في أنسجة النخلة، تحت ضغط قوي، للقضاء على الحشرة بكافة أطوارها. ويضيف: إذا كان طول النخلة يبلغ حوالي 8 أمتار مثلاً فيتم ضغط كمية من 8 إلى 10 لترات، تخترق جميع أنسجة النخلة وتقضي على الحشرة داخلها، مع الحفاظ على النظام البيئي الزراعي، وعدم الإخلال به.