يُعَد التفشي الأخير لفيروس إيبولا في غرب أفريقيا هو الأسوأ؛ فقد أصاب أكثر من 1200 شخص أواخر يوليو 2014، كما وصل عدد ضحايا الفيروس إلى ما يزيد على 672 شخصًا منذ ربيع ذلك العام. وقد أكدت كل من غينيا وليبيريا وسيراليون وجود حالات إصابة بالمرض. ونقلت شبكة إن بي سي الإخبارية عن مسؤول في "منظمة أطباء بلا حدود" أن الانتشار الأخير للعدوى قد "خرج عن السيطرة كليًّا".

للأسف لا يملك الأطباء أية لقاحات أوعلاجات فعالة لهذا المرض حتى الآن. فليس في مقدور العاملين بمجال الرعاية الصحية سوى دعم نظام المناعة لدى المرضى عن طريق تنظيم إفرازات السوائل، وضبط مستويات الأوكسجين وضغط الدم، وعلاج الإصابات الأخرى لمساعدة المصاب في محاربة الفيروس على أفضل نحو ممكن. لكن ربما يظهر في السنوات القليلة القادمة لقاح لمحاربة تفشي مرض إيبولا في المستقبل بعد أن أحرز الباحثون تقدمًا كبيرًا خلال العقد الماضي. وقد سجل استخدام اللقاحات مع الرئيسيات من غير الجنس البشري نجاحًا، ولكن كان من الصعب جمع الأموال لإجراء اختبارات السلامة على البشر.

وللتعرف على أحدث التطورات وكذلك العقبات التي تواجه إنتاج اللقاحات، حاورت مجلة "ساينتفيك أمريكان" عالم الفيروسات توماس جيسبيرت، عالم الفيروسات بقسم علم الأحياء الدقيقة وعلم المناعة بالفرع الطبي لجامعة تكساس الأمريكية في جالفستون. وقد درس جيسبيرت فيروس إيبولا منذ عام 1988، ويشارك حاليًّا في البحوث الخاصة باللقاحات وجهود تطويرها.

هل هناك أية لقاحات واعدة، خاصة بفيروس إيبولا يتم تطويرها حاليًّا؟

بعض اللقاحات الوقائية في مرحلة التطوير حاليًّا، ويصل عددها من ثلاثة إلى خمسة لقاحات ثبت أنها صالحة تمامًا لحماية الرئيسيات من غير البشر ضد فيروس إيبولا. وبعض هذه اللقاحات يتطلب ثلاث حقن أو أكثر، في حين يتطلب البعض الآخر حقنة واحدة فقط. وتموِّل الحكومة الأمريكية معظم هذه اللقاحات التي تمر بمراحل مختلفة من التطوير، ولكن ليس منها ما هو جاهز للترخيص حتى الآن. أما النقطة التي يتوقف فيها التقدم في تطوير هذه اللقاحات فهي نجاح تجارب المرحلة الأولى على البشر. وهذه هي النقطة التي نشعر فيها نحن العلماء بالإحباط؛ إذ إننا لا نفهم على وجه الدقة لماذا تسير الأمور ببطء فيما يخص التجارب على البشر بينما نعرف تمامًا أن هذه اللقاحات نجحت بالفعل في حماية الحيوانات من الفيروس.

لماذا لا يتصدى جهاز المناعة البشري للفيروس؟

عادة ما ينتقل فيروس إيبولا عن طريق الاحتكاك من قرب، وأولى الخلايا التي تتأثر به هي الخلايا المهمة للاستجابة المناعية الأولية، كالخلايا البلعمية، والوحيدات، والخلايا التغصنية. وهذه الخلايا هي أول ما يتعرف على الأجسام الغريبة التي تدخل الجسم، وهي أولى الخلايا التي تحفز جهاز المناعة لمحاربة العدوى. هذه الحقيقة تجعل من الصعب إطلاق استجابة مناعية فعالة ضد الفيروس؛ لأن الجسم يشتغل  بمحاربة الفيروس وقتًا طويلًا، فيتكاثر الفيروس في هذا الوقت إلى درجة تمكِّنه من السيطرة على أعضاء رئيسية بالجسم.

هل يمكن أن يواجه اللقاح هذه الآثار الضارة ويبطلها؟

سأعطيك مثالًا عن كيفية عمل اللقاح. ربما يعد لقاح في إس في واحدًا من أهم اللقاحات الواعدة، وهو مبني على ناقل فيروسات ذي صلة بفيروس السُّعار (داء الكلب). ويشبه الفيروس الرصاصة في شكله، ويحمل على سطحه بروتينًا هيكليًّا يُعرف باسم البروتين السكري، وهو يسمح للفيروس بالتعرف على الخلية المضيفة، والالتصاق بها، والاستحواذ على آلياتها. ومع اللقاح، نقوم بإزالة الجين الذي يشفر للبروتين السكري لفيروس التهاب الفم الحويصلي ونحل محله جينًا آخر يشفر للبروتين السكري الخاص بفيروس إيبولا، فيصير بذلك لدينا لقاح يحتوي على البروتين السكري الخاص بفيروس الإيبولا على السطح. وفي تلك المرحلة، لا يسلك هذا اللقاح سلوك فيروس إيبولا؛ نظرًا لأن التركيب الجينومي المستخدم هو لفيروس آخر. إلا أن جسم الإنسان يتعرف على اللقاح بصفته جسمًا غريبًا شبيهًا بفيروس إيبولا؛ نظرًا لأنه يحتوي على البروتين السكري الخاص بإيبولا. وبالتالي، يبني الجسم استجابة مناعية ضد الفيروس دون إحداث العدوى. وبذلك تتكون في جسمك أجسام مناعية لفيروس إيبولا تعمل على مهاجمة الفيروس في حالة تعرضك للعدوى في المستقبل.

إلى أي مرحلة وصلت عملية تطوير في إس في؟

إنه في المرحلة التي نحاول فيها الحصول على التمويل اللازم لإجراء البحوث على البشر.

ما التحديات البيولوجية التي تواجه تطوير لقاح لفيروس إيبولا؟

هناك بعض اللقاحات "معيبة التكاثر"، أي أن فيها خللًا يمنع استنساخها، وبهذا، فإنها تميل إلى أن تكون أكثر أمانًا. ثم هناك لقاحات أخرى أكثر فاعلية أو "كفؤة للتكاثر"، ومنها لقاحات الحصبة والحمى الصفراء.

ومثل هذه اللقاحات "الكفؤة للتكاثر" عادةً ما تكون كسيحة، ولذلك فهي ليست خطيرة كالأنواع الأشرس من الفيروسات، ولكنها تسبب بعض الأعراض الجانبية السلبية لبعض الناس عندما تُعطَى لهم، وقد تتطلب اللقاحات "الكفؤة للتكاثر" حقنة واحدة فقط، بينما قد تحتاج اللقاحات "معيبة التكاثر" إلى التعزيز المستمر سنويًّا؛ نظرًا لأنها ليست بنفس فاعلية اللقاحات "الكفؤة للتكاثر". إذًا، هل نختار لقاحًا يوفر الحماية للبشر عن طريق حقنة واحدة فقط؟ في أفريقيا أنت مضطر لذلك، وفي بعض المناطق سوف تكون محظوظًا إذا دخل شخص ما إلى العيادة للتطعيم مرة واحدة فقط. إنها عملية مقايضة –الفاعلية مقابل السلامة، وهذا أحد أكبر التحديات.

في تقديرك، متى سيكون لدينا لقاح فعال ضد فيروس إيبولا؟

تخميني أنه يمكن الحصول على لقاح في غضون سنتين إلى ست سنوات. وأكره أن أقول إن ذلك في الحقيقة يعتمد على الدعم المالي المتاح للشركات الصغيرة التي تطور هذه اللقاحات، فإجراء البحوث على البشر عالي التكلفة، ويتطلب الكثير من التمويل الحكومي.

وبالنسبة لفيروس إيبولا، فإن سوقه العالمية محدودة، مما يغيب معه الحافز الذي يدفع أيًّا من شركات الأدوية إلى إنتاج لقاح خاص به، ولذلك لا بديل عن التمويل الحكومي. وكَم أود أن أرى مرحلة نحاول فيها بأسرع ما يمكن إحراز تقدم مع لقاحاتنا المرشحة بشكل رئيسي، بما يجعلنا نستطيع إنهاء دراسات المرحلة الأولى. وأعتقد أننا ينبغي أن نبدأ مع أول المستجيبين، وهم العاملون في مجال الرعاية الصحية في المناطق التي تشكل مخاطرة عالية. وهذا التفشي الأخير فريد من نوعه؛ حيث يقع في منطقة لم نرَها من قبل، وأيضًا لأنه يبدو أن هناك نسبة إصابة عالية بين العاملين في المجال الطبي تفوق ما رأيناه في السابق. لقد رأيت جميع هذه اللقاحات تعمل جيدًا في العديد من الحيوانات، ولم أرَ قَط أي أثر ضار لها. أنا أقدِّر المخاوف المتعلقة بالأمان الحيوي، ولكن سيكون من الرائع أن نجد طريقة لإنتاج هذه اللقاحات بسرعة أكبر. الناس معرضون لفيروس إيبولا، وهناك احتمال لوفاة نسبة تتراوح بين 60% إلى 90% من المعرضين للفيروس، وأعتقد أن علينا أن ننظر إلى الموضوع في هذا الإطار.