منذ صدور النسخة الأولى من خريطة الجينوم البشري المرجعية مطلع الألفية الثالثة، يمضي العالم بخطى متسارعة نحو عصر "الطب الدقيق"، الذي يرتكز على قواعد بيانات دقيقة تضم العوامل الوراثية والبيئية الخاصة بكل فرد في المجتمع، من أجل تصميم إستراتيجية للوقاية من الأمراض وعلاجها تتناسب وظروف كل مريض على حدة، وفي محاولة للَّحاق بهذا الركب الجديد، انطلقت في مصر على مدار السنوات الماضية عدة مبادرات بحثية، كان أبرزها إطلاق مشروع الجينوم المرجعي للمصريين وقدماء المصريين، أو ما يُطلق عليه أيضًا المشروع القومي للجينوم المصري.

فما هو الموقف الحالي لهذا التوجه في مصر؟

دراسة حديثة أجراها باحثون مصريون وضعت توصيفًا لحالة الخدمات الجينية في مصر، وتحديدًا مدى توافرها وإمكانية الوصول إليها، والتطلعات المستقبلية لهذا المجال، وفي دراسته المنشورة في العدد الأخير من دورية فرونتيرز إن جينتيكس (Frontiers in Genetics)، سلط الفريق الضوء على جهود الدولة المصرية في هذا المجال، وتحديدًا "مشروع الجينوم المصري المرجعي"، وعقد مقارنات مع باقي مبادرات الجينوم في أفريقيا، كما قدم مجموعةً من التوصيات في هذا الشأن.

علم الجينوم في مصر

تمثل الاختبارات الجينية والوراثية تحديًا كبيرًا داخل مصر باعتبارها دولة نامية، وذلك بسبب العبء الاقتصادي وتكاليف الرعاية الصحية لعدد سكان تخطى 100 مليون نسمة، لكن في عصر الطب الشخصي، تحاول مصر التوجه إلى مجال الرعاية الصحية الأكثر تخصصًا من خلال تطوير ممارسة علم الوراثة الطبية وتطبيقات الجينوم.

يتطلب هذا التوجه معرفةً ملموسةً بالجينوم المصري والأمراض ذات الصلة لتوجيه خدمات الوقاية والتشخيص والاستشارة الفعالة للأمراض الوراثية السائدة في مصر، ومن هذا المنظور، سلطت الدراسة الضوء على الجهود البحثية والخدمات المتاحة للأمراض الوراثية النادرة والأمراض المُعدية، بما في ذلك وباء "كوفيد-19" والأورام وأمراض القلب.

تقول الباحثة المشاركة في الدراسة، هدى يسري عبد الله، مدرس الوراثة الطبية ومدير وحدة البيولوجية الجزيئية بمركز التميز الخلوي والجزيئي في كلية الطب بجامعة قناة السويس: إن الطب الجينومي يُعد مجالاً ناشئًا في الرعاية الإكلينيكية، إلا أن له تأثيرًا كبيرًا على الأمراض المُعدية، كما اتضح مع "كوفيد-19"، وكذلك مع العلاجات الدوائية، والأمراض النادرة وأمراض القلب والأورام.

وتضيف -في حديث لـ"للعلم"- أن هناك كميةً هائلةً من بيانات التسلسل الجينومي يتم إنشاؤها بشكل مستمر من جميع أنحاء العالم، إلا أنها تفتقر إلى وجود صفات خاصة مرتبطة بمصر والدول الأفريقية، لذا يمثل الإطلاق الأخير لمشروع الجينوم المرجعي للمصريين حقبةً جديدةً من الطب في مصر، كما يُعد حجر الزاوية في تأسيس الطب الجينومي في البلاد.

يحيى زكريا جاد -رئيس اللجنة العلمية للمشروع القومي للجينوم المصري، وأستاذ الوراثة الجزيئية بالمركز القومي للبحوث- يقول: إن دراسة الجينوم البشري هي الطريقة المباشرة لاحتضان المجال الحديث للطب الدقيق، الذي يركز على تقديم خدمات صحية فريدة تعتمد على التركيب الجيني للفرد فتكون أكثر كفاءة؛ إذ تسمح بتحقيق رؤى غير مسبوقة حول صحة الفرد، ليس فقط في شكل إستراتيجيات علاجية أكثر نجاحًا وطرق تشخيص أدق، بل أيضًا في التعامل مع التوقعات المستقبلية للحالة الصحية للأفراد في سياق مجال الطب الوقائي.

ويضيف -في تصريحات لـ"للعلم"- أن الدراسات المنشورة عن التغيرات الجينية بين المصريين قليلة العدد، ما يشير إلى الأهمية الشديدة لدراسة التغيرات الجينية بين المصريين؛ للمساعدة في تقديم خدمة صحية مخصصة ومتوافقة مع حالة الفرد، ويتحقق ذلك عن طريق دراسة العوامل الجينية الشائعة في الشعب المصري، وتصميم خطط فعالة لعلاج أمراض المصريين وتشخيصها ومكافحتها.

وفيما يتعلق بالدراسة الحالية، قال "جاد": إنها تعبر عن جهد واضح في محاولة تحديد الوضع الحالي لمجال الجينوميات في مصر واستشراف المستقبل لهذا العلم متسارع الخطى، فقد حاولَت تقديم عرض شامل للفئات المرضية، التي تضم السرطانات والأمراض المعدية والأمراض الوراثية، ودور دراسة الجينوم فيها، وإن لم تستطع -بطبيعة الحال- استيفاء جميع الجوانب أو الأدبيات المنشورة؛ لاتساع المجالات.

الأمراض الوراثية بين المواليد

بشكل عام، تصيب الأمراض الوراثية (الجينية) حوالي 2-5٪ من إجمالي المواليد في مصر، ويرجع سبب معظم تلك الأمراض إلى عاملين رئيسيين، هما السن المتقدمة للأم وقت الحمل، وزواج الأقارب، وتُعد الأمراض العصبية ذات الصلة بالعامل الوراثي والجيني هي الأمراض الأكثر تشخيصًا بين الأطفال المصريين، تليها الأمراض العضلية والتشوهات الخلقية وأمراض التمثيل الغذائي.

سلَّطت الدراسة الضوء على جهود مصر في إجراء فحوص حديثي الولادة لاكتشاف هذه الأمراض الوراثية بين الأطفال، والتي انطلقت في 1991 بإجراء أول فحص لحديثي الولادة للكشف عن قصور الغدة الدرقية في مصر، وفي عام 1996 تم إجراء أول فحص للمواليد الجدد لاضطرابات التمثيل الغذائي بحثًا عن 3 أمراض وراثية متعلقة بالتمثيل الغذائي، وهي ارتفاع الفينيل كيتون في البول، وزيادة الجالاكتوز في الدم، وقصور الغدة الدرقية الخلقي، بهدف الكشف المبكر عن هذه الأمراض.

وتشير "عبد الله" إلى أنه من خلال دراسات متعددة على الأمراض الوراثية بين حديثي الولادة، تم نشر وعي كبير بين الأطباء والعلماء وصناع القرار والجمهور العام في مصر حول أهمية الوراثة البشرية كعلم طبي، ما أقنع وزارة الصحة المصرية ببدء برنامج فحص شامل روتيني لحديثي الولادة منذ عام 2003 وحتى وقتنا الحالي.

مبادرات لمكافحة الأمراض المزمنة والمعدية

في 2018، جرى إعلان أن 84٪ من وفيات السكان في مصر ترجع إلى الأمراض غير المُعدية كأمراض القلب والأوعية الدموية، التي تمثل السبب الأكثر شيوعًا للوفيات (40٪)، يليها الأورام الخبيثة (13٪)، كما لوحظ أن معدلات الوفيات المبكرة المرتبطة بالأمراض غير المعدية مرتفعة على نحوٍ لافتٍ للنظر، وتؤثر على الشباب بشكل كبير من خلال الإعاقات المصاحبة التي تنتهي في كثير من الأحيان بالوفاة، وفق الدراسة.

وللحد من تداعيات الأمراض المزمنة في مصر، تعاونت وزارة الصحة والسكان المصرية ومنظمة الصحة العالمية من أجل وضع خطة عمل متعددة القطاعات، مدتها 5 سنوات؛ للوقاية من الأمراض غير المُعدية ومكافحتها (2018-2022) تهدف إلى خفض الوفيات المبكرة من الأمراض غير المُعدية بنسبة 15٪، وفي مجال أمراض القلب، زاد احتياج مصر إلى بيانات سكانية مرجعية، لذا انطلق في عام 2016 مشروع علم جينوم أمراض القلب التعاوني المصري (ECCO-GEN)، وذلك من خلال مركز القلب في أسوان وبدعم من مؤسسة مجدي يعقوب للقلب، ومن نتائج هذا المشروع نشر ورقة علمية لعرض نتائج دراسة تجريبية لمجموعة من مرضى اعتلال عضلة القلب التضخمي مجهول السبب عند الأطفال، وكشفت نتائجها أن زيادة زواج الأقارب بين المصريين قد تكون سببًا رئيسيًّا لهذا المرض.

أما فيما يخص مجال الأورام في مصر، فوفقًا لتقرير منظمة الصحة العالمية للسرطان حول مدى انتشار الأورام الخبيثة في مصر، فإن أكثر الأنواع شيوعًا هي أورام الكبد (20.7٪) وأورام الثدي (16.4٪) لكلا الجنسين، وفي دراسة مصرية نُشرت عام 2014، توقع باحثون زيادة معدلات إصابات الأورام في مصر 3 أضعاف بحلول 2050 مقارنةً بمعدلات 2013، ولفتت تلك الأرقام انتباه الحكومة المصرية لإعطاء الأولوية لمجال الأورام باعتبارها مشكلةً صحيةً قوميةً تحتاج إلى مزيد من الجهود بين قطاعي البحث العلمي والصحة، ما يستلزم تنفيذ دراسات جينومية/وراثية في مجال الأورام، لذا تم إطلاق "مبادرة صحة المرأة المصرية" التي أطلقتها الرئاسة المصرية في 2020 لتعزيز صحة المرأة باعتبارها أحد مساعي الدولة للنهوض بصحة المصريين، "كانت هذه المبادرة خطوةً كبيرةً ضد الزيادة المقلقة في أورام الثدي بين النساء المصريات بهدف فحص 28 مليون امرأة في جميع المحافظات المصرية وعمل فحوص وراثية أو جينية إذا استلزم الأمر"، وفق "عبد الله".

من جهة أخرى، تشمل أبرز الأمراض المُعدية الرئيسية في مصر حمى التيفوئيد وفيروس التهاب الكبد والسل، وقد انخفضت معدلات الوفيات من الأمراض المعدية في مصر تدريجيًّا من 20.87٪ في 2000 إلى 9.63% في 2022، وجاءت جائحة "كوفيد" لتُظهر أن الباحثين المصريين استخدموا تقنية تسلسل الجيل التاليNGS) ) لاكتشاف التسلسل الجينومي لفيروس كورونا ومقارنته بنمط التسلسل الجينومي للفيروس حول العالم، وحتى 8 سبتمبر 2021، رُفع 977 تسلسلًا جينوميًّا للفيروس من مصر على المنصة العالمية المخصصة لهذا الغرض، تؤكد "عبد الله" أن مصر تشهد في الوقت الحالي جهودًا ضخمة لتطبيق تقنيات الجينوم في مجال علم الأحياء الدقيقة، مؤكدةً حدوث تغيُّرات كبيرة في هذا المجال باستخدام علوم الجينوم؛ إذ أسفرت تحليلات الجينوم عن رؤى لا مثيل لها في تطور الميكروبات وتنوُّعها ومعرفة مسببات الأمراض.

جهود مصرية لتطوير مجال الجينوم

تشير الدراسة إلى أن وزارة الصحة والسكان المصرية عكفت على تنفيذ خطة شاملة تتعلق بالارتقاء بالخدمات الوراثية في مصر، مع وضع اعتبار خاص للوقاية والتدخل المبكر في مجال الإعاقات من خلال معالجة 3 أبعاد هي: إنشاء نظام متكامل للعلاج والتأهيل يرتكز على سجلات للتوثيق، وإطلاق برامج مختلفة للوقاية والكشف المبكر عن الأمراض: استشارات رعاية ما قبل الزواج وبرنامج الأمومة الذي يغطي جميع المراحل من رعاية ما قبل الولادة، ورعاية الولادة وحديثي الولادة وما بعد الولادة، مع التركيز على التشوهات الخلقية والكشف المبكر عن أسباب التخلف العقلي، وبرنامج فحص حديثي الولادة وبرنامج رعاية الطفل لرصد نمو الطفل وتطوره والتحصين والتغذية، بالإضافة إلى دعم مراكز التأهيل وإدخال مفهوم التأهيل المجتمعي، زادت مصر أيضًا من استثماراتها لتمويل الأبحاث في علم الوراثة الطبية وعلم الجينوم.

على مستوى التعاون الدولي، في مصر فرع للجمعية الأفريقية للوراثة البشرية (AfSHG) هدفه معالجة عبء الأمراض الوراثية على الصحة العامة ووضع خريطة طريق لترجمة المعرفة الجينية عبر القارة، ومن خلال هذا المجتمع، تم إنشاء اتحاد أبحاث عموم أفريقيا، وهو اتحاد الوراثة والصحة البشرية في الاتحاد الأفريقي (H3Africa)، الذي يهدف إلى التركيز على التغيرات الجينية المتعلقة بصحة الإنسان وبحوث الجينات في أفريقيا من خلال مراكز تعاونية في 27 دولة بالقارة السمراء.

مشروع الجينوم المصري

وتطرقت الدراسة أيضًا إلى المشروع القومي المصري، يقول "جاد": إن المعلومات المذكورة عن مشروع الجينوم المرجعي في الدراسة كانت محدودة، مسوغًا ذلك بأن الخطة التنفيذية للمشروع لم تكن معلنة بالكامل وقت إعداد الدراسة، وموضحًا أن المشروع يركز على 3 مسارات بحثية أساسية هي: بناء جينوم مرجعي للمصريين المعاصرين عن طريق رسم خريطة للتغيرات الجينية الموجودة بين المصريين المعاصرين، ودراسة جينوميات قدماء المصريين، وتمكين توصيف الكائنات البشرية والميكروبية القديمة، بالإضافة إلى دراسة المتغيرات الجينية المرتبطة بالأمراض الشائعة وكذلك النادرة، وكذلك تلك المسؤولة عن الاستجابة للعوامل البيئية كالأدوية والميكروبات.

وتحدث "جاد" عن بدايات المشروع الذي انطلق في 8 مارس 2021، بتوقيع عقد بين أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا، باعتبارها الجهة المشرفة على التنفيذ، ومركز البحوث الطبية والطب التجديدي، باعتباره المقر الرئيسي للمشروع والمؤسسة الرائدة المسؤولة عن تنفيذه بالتعاون مع الجهات البحثية المشاركة الأخرى (التي تضم عدة جامعات ومراكز بحثية مصرية).

وأشار إلى أنه من المخطط أن يتضمن المشروع شبكةً علميةً فعالةً تشمل مستودعًا مركزيًّا لتخزين البيانات، وقاعدة بيانات صحية شاملة للأفراد الذين جرت دراستهم من خلال المشروع، ومستودعًا حيويًّا (بنك حيوي)، ومختبرًا مركزيًّا لتحليل تسلسل الجينوم، وسلسلةً من المراكز الأكاديمية تشارك في فحص الأفراد وجمع البيانات والتحليلات الجينومية.

كما ألقى الضوء على خطة المشروع التي ستركز على إعداد جينوم مرجعي مصري (الجينوم السكاني) استنادًا إلى البيانات الجينومية الكاملة لـ100 ألف مصري (أي عينة ممثلة للسكان تبلغ فردًا واحدًا لكل 100) بحلول نهاية المرحلة الثانية من المشروع خلال الفترة (2030-2032).

ونوه بأن مسار أبحاث الحمض النووي القديم يتضمن دراسة 200 عينة من البقايا البشرية بغرض توليد بيانات جينومية لقدماء المصريين، وتوصيف الكائنات الحية البشرية والميكروبية القديمة ومحاولة استخلاص التفاعلات بين الميكروبات والعائل البشري، أما المسار الثالث فيتضمن المجموعات المرضية ودراسة المتغيرات الجينية المرتبطة بها وما يصاحبها من تعديلات في التعبير الجيني أو في أنماط البروتينات أو مركبات الأيض وخلافه، ويتفرع من هذا المسار عدة مسارات بحثية متشعبة مع التركيز في المرحلة الأولية للمشروع على المجموعات المرضية ذات الأولوية بالنسبة لمصر، والتي تضم الأمراض النادرة وبعض الأمراض الشائعة، إلى جانب دراسة العوامل الجينية التي ترتبط بالتفاعل مع العوامل البيئية كالأدوية والميكروبات.

فرص وتحديات

ولعرض أكثر تعمقًا وموضوعيةً لحالة الجينوم في مصر، لجأ فريق البحث إلى تحليل (SWOT) الرباعي، وهو أداة للتحليل الإستراتيجي تحدد نقاط القوة والضعف والفرص والتحديات، وقالت الباحثة المشاركة بالدراسة، سارة أحمد عجلان، مدرس الباثولوجيا الإكلينيكية والكيميائية بمركز البحوث الطبية في جامعة الإسكندرية: رصدت الدراسة عدة نقاط قوة تمثل نواةً لتدشين مجال الطب الجيني في مصر، وأبرزها مشروع الجينوم المصري المرجعي الذي يُعد عمادًا ونقطةً فارقةً في هذا المجال، ومن النقاط التي يمكن أن يُبنى عليها وجود برنامج فحص حديثي الولادة، وبيانات عن الأمراض الوراثية، ووجود عيادات وخدمات للأمراض الوراثية وجهات أبحاث وتدريب في أماكن عدة متفرقة.

"عجلان" اعتبرت أن زيادة الإنفاق على البحث العلمي في صورة المشروع القومي للجينوم ستنعكس على الأبحاث الأخرى المتعلقة بمجال الطب الجيني، كما أن التعاون المصري الدولي القائم من شأنه إثراء تطبيق هذا المجال.

في المقابل، فإن الثقافة المجتمعية، وقلة خبرات بعض الأطباء في المجال، ومحدودية انتشار الخدمات تُعد من التحديات التي يجب مواجهتها من أجل ضمان تدشين ناجح لمجال الطب الجيني في المنظومة الصحية بمصر، وفق الدراسة.

وتضيف "عجلان" أن الدراسة رصدت مجموعةً من التحديات التي تواجه تطبيق الطب الجيني في مصر، منها أن الخدمات تقتصر على المحافظات الكبيرة مثل القاهرة والإسكندرية، في حين لا تتوافر في محافظات أخرى، كما أنها تتوافر في صور بسيطة ولا يستطيع التأمين الصحي التكفل بها، وجل الاعتماد يكون على الجمعيات الخيرية أو يقع على كاهل المريض، ما يمثل سببًا رئيسيًّا لعزوف الأطباء عن طلبها أو الاستعانة بها في التشخيص، وتأمل أن يتغير الوضع مع تدشين برنامج التأمين الشامل الجديد، الذي من شأنه تحمُّل كلفة التحليل وعلاج المرضى.

وفيما يتعلق بالثقافة المجتمعية، قالت: إن عزوف الناس عن إجراء هذه النوعية من التحاليل يرجع إلى عدم الدراية الكاملة بها أو بسبب الخوف من الوصم، وهنا يأتي دور المؤسسات الدينية في فتح حوار مجتمعي لكسر حاجز الخوف وتغيير المفاهيم التي قد تعوق تدشين هذا المجال في المنظومة الصحية، وليس العامة فقط مَن يحتاجون للتعريف بهذا المجال، فهو جديد إلى حدٍّ كبير وفي تطور مستمر بصورة هائلة قد يصعب معها على بعض الأطباء تحديث معلوماتهم عن المجال وتوظيفها وفق التوصيات الحديثة، لذا يأتي دور الجامعات والخبراء في التعليم المستمر للأطباء، ودمج هذا المجال في الدراسات الطبية بالجامعات واستحداث درجات علمية فيه وجلب خبراء من الخارج للارتقاء بهذه الخدمة في مصر.

البُعد الأخلاقي

هناك بُعد آخر وهو الجانب الأخلاقي، وفق "عجلان"، إذ إن تنظيم هذا المجال من الطب وتفعيله له طابع خاص؛ لما يحتويه من كمٍّ هائل من البيانات التي لا تمس المريض فقط بل أقاربه أيضًا؛ نظرًا للعوامل الوراثية، وهنا يظهر البُعد الأخلاقي لتأمين العينات والنتائج بصورة مُحكمة وفق آليات وقوانين تضمن تطبيقها بصورة سديدة، مع الإشارة إلى وجود معضلات أخلاقية كثيرة حول النتائج التي يتم إيصالها إلى المريض وإن كان يجب تعريف الأقارب بها نظرًا للطبيعة الوراثية للتحليل، لذا يجب وضع قوانين وتوصيات منظمة تناسب مجتمعنا وثقافتنا.

من جانبه، أكد "جاد" أن مشروع الجينوم المصري سيتبنَّى بشكل كامل المبادئ الأخلاقية لتنفيذ البحوث السريرية، استنادًا إلى "إعلان هلسنكي"، الصادر عن الجمعية الطبية العالمية بشأن المبادئ الأخلاقية للبحوث الطبية التي تشمل البشر، والقانون رقم 214 لسنة 2020 بشأن تنظيم البحوث الطبية الإكلينيكية في مصر.

توصيات لتدشين عصر "الطب الدقيق"

بناءً على رصد التحديات والفرص، وضع فريق البحث مجموعةً من التوصيات لضمان تدشينٍ ناجح لذلك الفرع الجديد من الطب، استنادًا إلى 3 ركائز رئيسية هي: الموارد والبنية التحتية والتدريب.

وتتلخص التوصيات في تقديم مقترح لنظام حوكمة متعدد التخصصات لدعم جهود أبحاث الطب الجيني والاندماج في نظام الرعاية الصحية مع ضمان السلوك الأخلاقي للبيانات، وأن تشمل الحوكمة ممثلين من كافة الجهات المعنية، ويكون من شأنها وضع توصيات وسياسات لتفعيل الطب الجيني بمصر.

وعن إطار عمل تلك الحوكمة، توضح "عجلان" أنها يجب أن تعمل وفق أساسيات، منها إنشاء وحدات ومعامل، وتوفير الخدمات بما يناسب التقدم التكنولوجي للمجال، والعمل على تدريب الأطباء والعلماء وجلب الخبرات العالمية، وتوظيف التمويل للخدمات والأبحاث واستمراريته، وضمان إيصال الخدمات إلى ربوع مصر بصورة عادلة، وإصدار التشريعات المتعلقة بالمسائل الأخلاقية، والعمل على الرقمنة للخدمات ككل، وضمان أمن البيانات، بالإضافة إلى المشاركة المجتمعية لكسب الثقة والقبول، كما يجب أن تخضع هذه الحوكمة للرقابة والتقويم المستمر؛ لضمان استمرارية نجاحها ومواكبتها لمتغيرات العصر.

أما "جاد" فيشير إلى أن هذا الجزء من الدراسة الخاص بالاستشراف المستقبلي وحوكمة المجال تضمَّن اجتهادًا مميزًا لرسم المسارات المقترحة من أجل دفع المجال قدمًا في المستقبل القريب.

ووافقه الرأي البروفيسور المصري شريف الخميسي -أستاذ الطب الجيني، ورئيس قسم الأبحاث بجامعة شيفيلد، ومدير معهد علاج الأورام بجامعة برادفورد في المملكة المتحدة- مؤكدًا أن ما قام به الفريق البحثي يُعد أول ورقة علمية تتحدث بكل شفافية عن واقع الجينوم في مصر، بفرصه وتحدياته.

وأضاف لـ"للعلم" أن هذا الجهد المحمود لا يصف الوضع الحالي فيما يتعلق بمجال الجينوم في مصر فحسب؛ بل يرصد أيضًا أبرز المراكز الموجودة في البلاد والتي لديها قابلية للعمل في هذا المجال، وأوضح أن الفريق وضع ملخصًا مفيدًا لجميع العاملين بمجال الجينوم في مصر، تناول في رصده الأمراض المُعدية وأبرزها فيروس كورونا، بالإضافة إلى الأمراض غير المعدية مثل أمراض القلب والسرطان، لكن النقطة التي أغفلها الفريق هي رصد الأمراض التي تندرج تحت فئة الـ(Rare monogenic disorders) وهي مجموعة من الأمراض ذات الطفرات الجينية المفردة أو أحادية الجين، وتمثل نسبةً كبيرةً من الأمراض الوراثية المنتشرة في مصر، بسبب انتشار زواج الأقارب، وأبرزها أمراض الجهاز العصبي المركزي، وأمراض الرئة، وأمراض خلايا الدم، والأمراض الجينية التي تؤدي إلى بعض أنواع السرطان.

وأفاد "جاد" بأن الجهات الصحية المصرية وضعت الأمراض النادرة أولويةً وطنية، بسبب خصائصها المزمنة والمهددة للحياة، كما أنه لا توجد في كثير من الأحيان علاجات فعالة لها، فضلًا عن التكلفة العالية للعلاجات الحديثة المعدلة للجينات لبعض الأمراض، ما يمثل تحديًا اقتصاديًّا واجتماعيًّا للأسر المصابة وللمجتمع ككل، مشيرًا إلى أن الأمراض النادرة المتنحية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بانتشار زواج الأقارب الذي يمثل حوالي 1 من أصل 3 زيجات في مصر، لذا فإن مشروع الجينوم سيولي مسار دراسة الطفرات الجينية المتعلقة بالأمراض النادرة أهميةً خاصة؛ لإمكانية الاستفادة من المعلومات الجينومية المستخلصة في وضع أسس لإستراتيجيات المكافحة عن طريق برامج الكشف عن حاملي المرض والفحص قبل الزواج.

وأضاف أنه تم اختيار أمراض القلب والأوعية الدموية والكبد والأعصاب والكلى باعتبارها مجموعاتٍ مرضيةً ذات أولوية عالية للتركيز عليها خلال الفترة الأولى من المشروع، كما أنه وفقًا لآخر سجلات منشورة عن نِسب السرطان في مصر، فان أعلى سرطانين من حيث عدد الإصابة والوفيات في كلا الجنسين هما الكبد والثدي، ومن المأمول أن تؤدي دراسة الأنماط السريرية والوبائية لهذين السرطانين في مصر، وعند ربطها بتعريف المتغيرات الجينية والطفرات المتعلقة بالاستجابة للأدوية ومقاومتها، إلى بروتوكولات علاجية أكثر كفاءةً، إلى جانب اتباع سياسات أكثر فاعليةً للكشف المبكر عن الأورام.

وفي الختام، نوه "جاد" بأن الجينوم المرجعي سيساعد في الكشف عن نِسب الطفرات المسببة للأمراض الوراثية السائدة بين المصريين وأنماطها، من خلال الكشف عن الحالات الحاملة للمرض بين الأفراد الأصحاء الذين تتم دراستهم، وإلى جانب دراسة الأنماط الطفرية السائدة بين حالات المرضى، سوف يفيد في تحديد مشكلة الأمراض النادرة المتنحية الجسدية وتحجيمها على الأقل من خلال برامج فحص ما قبل الزواج وحاملي المرض فيما بعد، كما سيقود إلى تشكيل كتلة حرجة من العلماء المتخصصين في مجال علوم الجينوم والطب الجزيئي، والذين سيكونون في قلب عملية تحويل قطاع الرعاية الصحية إلى قطاع موجه نحو الطب الدقيق.