لم تسلم الكائنات الحية على الأرض طوال قرابة 500 مليون عام من تقلبات الطبيعة؛ فقد مرت الأرض بخمسة انقراضات كبرى أودت بحيوات أعداد كبيرة من الكائنات الحية إلى مصيرها المحتوم من الفناء، ربما كان أشهر هذه الانقراضات هو الانقراض الخامس (K/Pg) الذي حدث في نهاية العصر الطباشيري منذ قرابة 66 مليون عام مضت، مؤديًا إلى انقراض حوالي 75% من الكائنات الحية التي كانت تعيش على الأرض آنذاك، على اختلاف أشكالها.

لم يكن انقراض الطباشيري الأكثر فتكًا بين الانقراضات الخمسة، لكن شهرته تعود إلى أنه كان مسؤولًا رئيسيًّا عن انقراض الديناصورات، سادة الأرض حينذاك، وتُعد البراكين العامل الأساسي وراء ثلاثة انقراضات على الأقل، فهل كان للبراكين اليد العليا أيضًا في انقراض الديناصورات؟

خلال الأعوام القليلة الماضية، ساد جدل واسع حول الأسباب الرئيسية التي أدت إلى انقراض الطباشيري، وتعددت النظريات حول الأمر، عايشت الكائنات الحية في العصر الطباشيري ظروفًا معيشيةً شديدة القسوة؛ فعلى مدار مليون عام كاملة شقت الأرض براكين لا حصر لها، اندلعت تلك البراكين بلا هوادة، ونَفثت ما بها من حمم على فترات زمنية متتالية سبقت الانقراض وتلته أيضًا، يمكن لنا الآن اقتفاء آثار هذه البراكين بسهولة في الهند في مقاطعة ديكان، فيما يُعرف تحت اسم مصاطب ديكان.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ لم تقسُ الأرض وحدها على ما عليها، بل أتاها من الفضاء ما يقسو هو الآخر عليها، في ثمانينيات القرن الماضي، اقترح عالِمان نظرية تقول بارتطام نيزك بالأرض، مدللَين على ذلك بوجود عنصر الإريديوم في طبقات أرضية يتزامن عمرها مع وقت الانقراض الخامس؛ فعنصر الإريديوم نادر الوجود بصورة طبيعية في القشرة الأرضية.

أدلةٌ عدة في أنحاء متفرقة على الكرة الأرضية تنم عن ارتطام جسم فضائي بحجم جبل وسرعة فائقة أدت إلى حدوث زلازل وأمواج تسونامي، كارثة هزت الأرض بالمعنى الحرفي للكلمة، فيما يشير إلى ارتباط وثيق الصلة بين ارتطام النيزك والانقراض الذي حدث نهاية العصر الطباشيري، بين التأثير الحقيقي لهذا الارتطام وحمم النار التي تفجرت على الأرض يفسر العلماء أحداث ما يُعرف بالانقراض الكبير.

احتباس حراري قبل 66 مليون سنة

ساد احتباس حراري الكرة الأرضية كلها في العصر الطباشيري، وعزا بعض العلماء هذا إلى البراكين التي حدثت في ديكان، وربط هؤلاء العلماء بين الاحتباس الحراري وأحداث الانقراض، ولتحديد الدور الأساسي الذي أدته هذه البراكين في الاحتباس الحراري ومن ثَم الانقراض الكبير، قام فريق من العلماء لأول مرة في دراسة جديدة نُشرت في مجلة (PNAS) بقياس نسبة ثاني أكسيد الكربون الموجودة في الصهارة المتصلبة في مصاطب ديكان.

يقول أندريس نافا، الباحث في علوم الأرض و البيئة بجامعة نيويورك والمؤلف الرئيسي للدراسة، في حديثه لـ"للعلم": "نسعى لشرح العلاقة الزمنية بين الاحتباس الحراري الذي حدث في العصرالطباشيري وتحديد ما إذا كان إطلاق ثاني أكسيد الكربون من براكين ديكان هو المحرك الأساسي لحدث الاحتباس الحراري"، مضيفًا أن نتائج الدراسة أظهرت أن كميات الكربون البركانية المنبعثة من ديكان يمكن أن تفسر حجم فترة الاحترار قبل نهاية العصر الطباشيري، لكنها توضح أنه لم يؤدِّ دورًا رئيسيًّا في أحداث انقراض العصر الطباشري.

ويقول جيم زاكوس -أستاذ علوم الأرض بجامعة كاليفورنيا، غير مشارك في البحث- في حواره مع "للعلم": "ساعدت هذه الدراسة في تعزيز نتائج دراسات سابقة والتيقن من أن المرحلة الرئيسية لانبعاثات الكربون من مصائد ديكان لم تزد الاحترار سوى درجات قليلة".

تساعد نتائج الفريق في سد فجوة معرفية كبيرة حول كيفية تفاعُل الصهارة مع المناخ خلال هذه الفترة الحاسمة من تاريخ الأرض، وتُظهر بيانات الدراسة أن غاز ثاني أكسيد الكربون المنبعث من صهارة ديكان يمكن أن يفسر ارتفاع درجات حرارة الأرض بنحو 3 درجات مئوية خلال المراحل الأولى من نشاط ديكان البركاني، ولكن لم يكن هناك ما يقرب من هذا القدر من الاحترار بحلول الوقت الذي وصلنا فيه إلى حدث الانقراض الجماعي، هذه الأفكار الجديدة ترفض النظرية القائلة بأن ثاني أكسيد الكربون البركاني كان المحرك الرئيسي لأحدث انقراض جماعي.

يقول بينجامين بلاك -أستاذ في برنامج علوم الأرض والبيئة في مركز الدراسات العليا بجامعة نيويورك، وأحد مؤلفي الدراسة- في تصريحات صحفية: "إن افتقارنا إلى رؤية ثاقبة فيما يتعلق بالكربون المنبعث من الصهارة خلال بعض أكبر الانفجارات البركانية على الأرض كان بمنزلة فجوة حرجة لتحديد دور النشاط البركاني في تشكيل مناخ الأرض في الماضي، وبالتالي أحداث الانقراض الجماعي"، ويرى "بلاك" أن "هذا العمل يقربنا من فهم دور الصهارة في تشكيل مناخ كوكبنا بشكل أساسي، ويساعدنا على وجه التحديد في اختبار مساهمات البراكين وتأثير النيزك في الانقراض الجماعي في نهاية العصر الطباشيري".

تقول كورتني سبرين، أستاذ الجيولوجيا المساعد بجامعة فلوريدا، وغير المشاركة في البحث: "نحتاج إلى إثبات أنه كان قادرًا على التسبب في تغيرات مناخية ملحوظة أثرت سلبًا على الحياة، موضحةً أنه لفعل ذلك، نحتاج أولًا إلى تقييم توقيت نشاط ديكان البركاني، وإثبات أنه يرتبط في الوقت المناسب بهذه التغيرات المناخية المسجلة، وهذا جرى إنجازه، وأضافت أنه علينا -ثانيًا- تقييم كمية المواد المتطايرة المنبعثة من ديكان لتحديد ما إذا كانت بكمية كافية للتسبب في إحداث تغير ملحوظ للمناخ، وهذا هو محور هذه الدراسة الجديدة.

تحديد نسب الكربون البركاني

عندما تخرج الصهارة السائلة من غُرَفها في طبقة الوشاح إلى القشرة الأرضية تبدأ في التصلب وتنمو بها البلورات، تحتفظ هذه البلورات بجيوب صغيرة تحتوي على الصهارة الأصلية بكل مكوناتها متضمنةً المواد الطيّارة، يمكن قياس مكونات هذه الصهارة من خلال أشعة الليزر والحزم الأيونية، وهذا ما اعتمدت عليه الدراسة، كما تقول لويتش فاندركلايسن، أستاذ علوم الأرض والبيئة بجامعة دريكسل بفلاديلفيا، وأحد مؤلفي الدراسة، في تصريحاتها لـ"للعلم": "استخدمنا مقياس الطيف الكتلي الأيوني الثانوي لقياس ثاني أكسيد الكربون بشكل مباشر من قطيرات صغيرة من الصهارة التي ظلت محميةً لملايين السنين ومحتفظةً بالتركيب الأصلي للغازات المتطايرة بها".

وتُشَبّه "فاندركلايسن" وجود تلك الغازات بهذه الطريقة بحفريات البعوض المحفوظة في الكهرمان، أما "نافا" فيشبِّهها بـ"كبسولات زمنية" يمكنها تحديد الظروف المغناطيسية ونسبة ثاني أكسيد الكربون وقت التصلب، يقول نافا: "من الممكن أن يتسرب غاز ثاني أكسيد الكربون من الصهارة، وفي هذه الحالة نستخدم طريقةً غير مباشرة للقياس عن طريق تحديد نسبة عنصري الباريوم والنيوبيوم الموجودَين في الجيوب الصغيرة بالصهارة المتجمدة".

ويستكمل: "عنصرا الباريوم والنيوبيوم لا يمكن أن يتطايرا من الصهارة مثل ثاني أكسيد الكربون، وهناك علاقة محددة بين نسبة هذه العناصر ونسبة ثاني أكسيد الكربون، من هنا يمكننا تحديد نسبة ثاني أكسيد الكربون التي كانت موجودة في الصهارة الأصلية بدقة، لكن بطريقة غير مباشرة".

انقراض الديناصورات

أيهما الأكثر تأثيرًا في أحداث انقراض الطباشيري، ممّا أدى إلى انقراض الديناصورات، ارتطام نيزك تشكسيولب أم براكين ديكان؟

تقول "سبرين" في حديثها لـ"للعلم": "مازلنا في حَيْص بَيْص"، مستكملةً حديثها: "صارعت براكين ديكان النظم البيئية حتى أنهكتها، ثم جاء النيزك بالقاضية"، وتشدد على أننا "ما زلنا في حاجة إلى المزيد من الأدلة لتقييم دور ديكان في هذا الانقراض"،

وتوافقها الرأي "فاندركلايسن": "الصورة ليست جليةً بالشكل الكافي، فالسؤال الواجب طرحه هو حول إمكانية حدوث الانقراض إذا حدثت كلتا الكارثتين على حدة"، مضيفةً أنه "إذا كان سقوط النيزك قد أدى دورًا حيويًّا في انقراض الطباشيري فلا يمكن أن ننكر الدور الذي أدته براكين ديكان في تدهور النظام البيئي قبل الارتطام ودورها أيضًا في تأخُّر استعادة الأرض أنفاسها بعد حادثة النيزك، خاصةً أن تلك البراكين زادت في عنفوانها بعد الانقراض الجماعي، لكن إلى الآن لم نستطع أن نحدد بدقة مدى وقوة تأثير البراكين في هذا الانقراض، أما "زاكوس" فيعتقد أن الأمر أصبح قاطعًا، وأن السبب الرئيسي وراء الانقراض هو ارتطام النيزك بالأرض.

ومن جانبه، يرى "نافا" أنه "على الرغم من نتائج الدراسة الحالية التي تفيد بأن انبعاثات الكربون الناتجة عن البراكين لم تؤدِّ دورًا في عملية الانقراض الجماعي، إلا هذا لا ينفي أن للبراكين دورًا في هذه الكارثة؛ فانبعاثات الكبريت البركانية قد يكون لها دورٌ مهم في هذا الحدث"، وفي الأخير يبقى أنه على الرغم من إجماع العلماء على دور ارتطام النيزك الحيوي في انقراض الطباشيري، إلا أن هناك حاجة إلى المزيد من الأدلة لتحديد الدور الفعلي الذي أدته "براكين ديكان" في هذه الكارثة الكبرى.