إنه منتصف فبراير، وعلى طول الساحل الجنوبي لبريطانيا تتجه أسماك الدنيس من البحار المفتوحة إلى مصبات الأنهار. بينما يستعد طائر البلشون الأبيض الصغير ليتجه نحو قارة أوروبا استعدادًا لموسم التكاثر، ستبقى مئات قليلة منه في المملكة المتحدة.

وعبر أوروبا الشمالية ستقفز صغارعناكب الزنابير خارج كيس البيضة الحريري. وفي هذا الصيف سيشاهد زوار ريف جنوب إنجلترا ومضات زرقاء متقزحة؛ حيث تتحرك اليعاسيب ذات العيون الحمراء بسرعة عبر البِرَك.

بين كل هذه الأحداث قاسم مشترك، ألا وهو أن موقعها أصبح يميل إلى الشمال أكثر مما كان عليه قبل عشرين عامًا.

هذا الأمر لا يتعلق بأوروبا فقط. فالدببة القطبية تتحرك أيضًا. وأشجار المظلات تزحف شمالًا عبر الولايات المتحدة، وتتراجع الطيور الاستوائية في جبال غينيا الجديدة صعودًا. أما أشجار الكويفر التي تشتهر بها أفريقيا الجنوبية والتي تقوم بالتبريد من خلال جذوعها المجوفة فهي أيضًا تهرب من الحرارة وتبتعد عن خط الاستواء. ففي جميع أنحاء العالم تتحرك الأنواع من مواطنها الطبيعية.

تشير أصابع الاتهام إلى التغيُّرات المناخية. فأينما تصبح المناطق حارة أو جافة جدًّا يتناقص عدد سكان الحياة البرية. ولكن على الجانب الآخر يظهر بعض الأنواع في أماكن يشير تاريخها إلى أنها كانت باردة جدًّا أو رطبة جدًّا.

نسمع كثيرًا الآن عن التدهور المخيف للأنواع النباتية والحيوانية. فعلى سبيل المثال، يعاني الضفدع البرانسي على قمم جبال الحدود الإسبانية الفرنسية، فهو غير قادر على الانتقال إلى أجواء أكثر برودة، وتهلك أفراخه بطريق ماجلان في العواصف التي يسببها التغيُّر المناخي. أما علجوم كوستاريكا الذهبي، الذي يتمتع بلون برتقالي زاهٍ ومذهل، فيُعتقد أن سبب انقراضه يعود إلى عوامل كثيرة، من بينها الطقس الأكثر دفئًا وجفافًا.

إذًا لماذا يهدد التغيُّر المناخي بعض الأنواع في حين تتمكن أنواع أخرى، مثل الدنيس والبلشون الصغير والعنكبوت الزنبور، من النجاة؟

نشرتُ أنا وزملائي بحثًا محاولين الإجابة عن هذا السؤال. أراد فريقنا -الذي تقوده الباحثة ألبا استرادا- فهم لماذا تنهار بعض الأنواع في وجه التغيُّرات المناخية في حين تتمكن أنواع أخرى من استعمار مواطن جديدة بعيدة.

إن استعمار مواطن جديدة قد يجنِّب بعض الأنواع الانقراض، وقد يجعل بعض الأنواع أكثر نجاحًا مما كانت عليه قبل التغيُّرات المناخية. وإذا توقعنا أي الأنواع يستطيع استعمار أماكن جديدة أو لا يستطيع فقد نستطيع أن نقرر أي الأنواع أكثر احتياجًا للصون والحماية.

إلى أي مدى تستطيع الحيوانات المنفردة أو بذور النباتات التحرُّك؟ كان يُظَنُّ طويلًا أن هذا العامل هو الأكثر أهمية. فمثلًا من المحتمل أن يكون العنكبوت الزنبور قد انتشر بسرعة باستخدام تكنيك استثنائي، ألا وهو الطيران: إطلاق خيوط رقيقة من الحرير في الهواء والطفو فوقها لعدة كيلومترات.

ولكن اتضح أن هناك خصائص أخرى قد أصبحت شديدة الأهمية، مثل سرعة تكاثر النباتات والحيوانات، وجودة تنافسها على الموارد مع أنواع أخرى، وأنواع الطعام الذي يمكنها أكله، أو الموطن الذي تستطيع العيش فيه.

وثمرة هذا أننا قد نكون قادرين على التنبؤ بالحيوانات التي ستصمد في مواجهة التغيرات المناخية. يوجد فأر الخشب في أوروبا القارية وحتى الطرف الجنوبي للنرويج والسويد. وعندما يتغير المناخ فنعتقد أن هذا الفأر سيتجه شمالًا للنرويج والسويد وفنلندا؛ لأنه يستطيع التكاثر بسرعة، والعيش في مواطن كثيرة، والاقتيات على أغذية متنوعة، ويستطيع أفراده السفر لمسافات طويلة.

ومن ناحية أخرى، لنفكر في سنجاب الأرض الأوروبي. يعيش هذا القارض الصغير حاليًّا في الجنوب الشرقي لأوروبا، ولكن أجزاء أخرى من القارة ستصبح مناسبة له حين يصبح الطقس أكثر دفئًا. على الرغم من ذلك فإننا نعتقد أنه قد يبقى حيث هو لأنه يستطيع العيش في الأراضي العشبية فقط، والتغيُّرات المناخية لن تحول المزارع والغابات فجأة إلى مروج.

من المشجع أن نعرف أن بعض الأنواع تبلو بلاءً حسنًا تحت ظروف التغيُّرات المناخية، وأنه بإمكان محبي الحياة البرية بجنوب أوروبا التطلع لرؤية بعض النباتات والحيوانات الغريبة في ريفهم. وعلى الرغم من ذلك فإن هناك بعض المنغصات. فأسماك الدنيس تلتهم المحار المحلي، وقد تكون بذلك تستنفد الغذاء اللازم للأسماك المحلية. أيضًا اليعاسيب الصغيرة ذات العيون الحُمر تبدو جيدة، ولكنها قد تصبح منتشرة للغاية حول البرك البريطانية متغلبة على الأنواع المحلية. أما الطيور المختلفة التي استعمرت المملكة المتحدة قادمة من أماكن أكثر دفئًا فيبدو أن الحفاظ على الأراضي الرطبة قد ساعدها.

هل يمكن للطرق التي نستخدمها لحماية الحياة البرية أن تساعد على انتشار بعض الأنواع الخطيرة؟ هناك أسباب مقنعة للترحيب بالقادمين الجدد، وأيضًا للقلق من الدمار الذي قد يتسببون فيه. ومرة أخرى توجه لنا التغيرات المناخية أسئلة صعبة عن الحفاظ على البيئة.

 

يتلقى الباحث ريجان إيرلي تمويلًا من ERA-NetBiodivERsA مع الممول القومي FCT من خلال مشروع BIODIVERSA/0003/2011. تم نشر هذا المقال في The Conversation