يتابع العالَم باهتمام الأخبار اليومية حول تطوير لقاح لفيروس كورونا الجديد، الذي تحول إلى جائحة عالمية منذ مارس الماضي، مسببًا ما يزيد على 33 مليون إصابة وأكثر من مليون حالة وفاة عالميًّا، وفقًا للإحصائيات الصادرة في 29 سبتمبر 2020.

ومن ثم بدأ العلماء في سباق مع الزمن لاحتواء الأزمة، ومحاولة تطوير لقاح لتحصين سكان العالم ضد فيروس سارس-كوف-2، ووفقًا للقائمة المُعدَّة من قِبَل منظمة الصحة العالمية، يوجد الآن 40 لقاحًا مرشحًا في مرحلة التقييم الإكلينيكي.

وقد بدأت المؤسسات العالمية والعلماء في الالتفات إلى مشكلة أخرى سوف تواجه العالم عند تطوير وإنتاج اللقاح، وهي التوزيع العادل والمنصف له على جميع سكان العالم.

في تصريح لمنظمة الصحة العالمية لمجلة "للعلم"، أفادت المنظمة بأن: "الطريقة الوحيدة للخروج من هذا الوباء، هي ضمان الوصول العادل إلى لقاح/لقاحات لكوفيد-19 آمنة وفعالة".

وفي محاولة لتحقيق ذلك الغرض على أرض الواقع، قام 19 باحثًا من خبراء الصحة من حول العالم، بتطوير نموذج جديد للتوزيع المنصف للقاح كوفيد-19، أطلقوا عليه "نموذج الأولوية العادلة"، ونشروا ما توصلوا إليه في دورية ساينس Science في 3 سبتمبر 2020.

ويوجه باحثو الدراسة نتائجهم إلى ثلاث مجموعات بعينها، وهي: مرفق الإتاحة العالمية للقاح كوفيد-19 كوفاكس (COVAX)، والشركات المنتجة للقاحات كوفيد-19، وحكومات الدول.

إلا أن هذا النموذج ليس الأول من نوعه، فهناك مخططان آخران جرى طرحهما من أجل توزيع عادل للقاح كوفيد-19، ولكن مؤلفي الدراسة وصفوهما بأنهما "نماذج معيبة".

ويتفق إسلام عنان -المدير التنفيذي لشركة أكسايت للأبحاث في مجال الرعاية الصحية، ومحاضر اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة- مع رأي مؤلفي الدراسة بأن النموذجين المتاحين الآن يفتقران إلى الإنصاف، وأن معاملة البلدان ذات الدخل المرتفع والبلدان المنخفضة إلى المتوسطة الدخل على أساس عدد السكان أو عدد العاملين في مجال الرعاية الصحية "أمرٌ غير عادل".

نموذج الأولوية العادلة

بنى الباحثون نموذح الأولوية العادلة على ثلاثة مبادئ أساسية، وهي: نفع الناس وإفادتهم والحد من الضرر، وإعطاء الأولوية لمَن هم في حاجة إلى الرعاية، ومنح كل الأفراد اهتمامًا أخلاقيًّا عادلًا ومن دون تمييز.

ويعترف الباحثون بأن تلك المعايير ستضمن توزيع اللقاح بكميات غير متساوية على دول العالم، ولكن بشكل عادل، أي وفقًا لاحتياجات كل دولة، وذلك من خلال تخفيف الآثار السلبية المباشرة وغير المباشرة للمرض، مثل حالات الوفاة التي يسببها المرض، وبخاصة حالات الموت المبكرة، والمشكلات الصحية التي يخلقها بسبب إجهاد أنظمة الرعاية الصحية، والضرر الاقتصادي الواقع على دول العالم بسبب الجائحة.

ويوضح الباحثون أن تطبيق نموذج الأولوية العادلة سوف يتم على ثلاث مراحل: المرحلة الأولى تحديد الدول المهددة بمعدلات موت مبكر مرتفعة بين سكانها، وهو مقياس شائع الاستخدام عالميًّا، إذ يجري استخدام مقياس السنوات المتوقع فقدها في حياة الفرد (SEYLL) ومقارنته بمرجعية قياسية، ومتوسط العمر المتوقع للشخص في كل سن، مُقدَّرًا على أساس أدنى معدلات الوفيات المرتبطة بهذه السن، والتي جرت ملاحظتها في أي مكان في العالم.

أما المرحلة الثانية فهي محاولة قياس التأثير الاقتصادي العام في الدولة عند توفير اللقاح، وكذلك الانخفاض المتوقع في شدة الفقر لكل جرعة لقاح.

والمرحلة الثالثة يحكمها معيار الحد من انتقال العدوى، لذا فالدول ذات المعدلات الأعلى لانتقال الفيروس في البداية لها الأولوية، ولكن يجب أن تتلقى جميع الدول معدلاتٍ كافيةً من اللقاح لوقف انتقال العدوى، الذي يُتوقع أن يتطلب تحصين المناعة لنسبة من السكان تتراوح بين 60 إلى 70٪.

بعد الانتهاء من توزيع اللقاح على دول العالم، يتوقع الباحثون أن تعمل الدول بعد ذلك على تخصيص اللقاح داخليًّا للأفراد، مع التركيز في البداية على المجالات التي يمكن فيها تقليل الوفيات المبكرة.

إلا أن التخصيص المناسب للقاح داخل كل دولة والحاجة إلى بنى تحتية أو ضمانات محددة للتوزيع العادل سيعتمد كثيرًا على خصائص أي لقاح يظهر، كما يقول دانيال هاليداي، مدرس الفلسفة، جامعة ميلبورن بأستراليا، وباحث مشارك في الدراسة، فبالإضافة إلى المشكلات التي ستظهر في حالة الحاجة إلى جرعات متعددة، قد تكون هناك أيضًا مشكلات ناتجة عن الحاجة إلى التخزين البارد والاعتبارات اللوجستية الأخرى، ويكمل: "تم تصميم إطار عملنا لتوفير إرشادات أخلاقية لأي نوع يظهر من اللقاحات، ولكن بالتأكيد سيتعين فعل المزيد بمجرد معرفة السمات المحددة للقاح".

في العالم العربي، يتم تنظيم اللقاحات من قِبَل الحكومات، على سبيل المثال، حصلت مصر على تغطية تطعيم وطنية قوية لأكثر من 90٪ من السكان، وفقًا لتقرير المكتب الإقليمي لشرق المتوسط التابع لمنظمة الصحة العالمية 2020 للقاحات المدرجة في القائمة الإلزامية، وذلك لوجود إدارة قوية لعمليات التخطيط والإنتاج والتصدير وسلسلة التوريد، وفق "عنان".

 ولكن في بعض دول شمال إفريقيا، هناك نقصٌ في الإمداد -مثل لقاحات الإنفلونزا- مما أدى إلى تعطيل العدالة في الوصول وأخذ اللقاح في السنوات السابقة، كما يوضح "عنان": "في رأيي نحن بحاجة إلى إرشادات جديدة خاصة بلقاح كوفيد-19، وذلك من خلال عملية واضحة وقوية بشأن كيفية التعامل مع سلسلة التوريد والوصول إلى اللقاحات".

نماذج غير عادلة

هناك نموذجان آخران مطروحان من أجل توزيع لقاح كوفيد-19، أحدهما قدمته منظمة الصحة العالمية، ويعتمد على توزيع اللقاح بالتناسب مع عدد السكان، وذلك على مرحلتين؛ إذ ستبدأ المرحلة الأولى بتوزيع اللقاح بنسبة 3% من الكثافة السكانية لكل بلد، وتستمر حتى ضمان تغطية 20٪ من السكان في معظم البلدان.

 وأفادت المنظمة في تصريح لمجلة "للعلم": "سيغطي هذا معظم الفئات المعرضة للخطر"، أما في المرحلة الثانية، فسيتم النظر إلى البلدان المهددة والضعيفة، "سيتم حجز مخزون مؤقت يبلغ حوالي 5٪ من إجمالي عدد الجرعات المتاحة لبناء مخزون؛ للمساعدة في مواجهة تفشِّي الأمراض الحادة، أو للأغراض الإنسانية، مثل تطعيم اللاجئين".

وقد تبنَّى هذا النموذج مرفق الإتاحة العالمية للقاح كوفيد-19 (COVAX)، الذي يقوده كلٌّ من منظمة الصحة العالمية، ومؤسسة جافي، وهو اتحاد عالمي للقاحات، والتحالف من أجل الابتكار في مجال التأهب للأوبئة (CEPI)، ويهدف إلى إتاحة ملياري جرعة من لقاح كوفيد-19 بنهاية عام 2021.

وتدرك مؤسسة جافي أن مبادرة كوفاكس ستعمل في بيئة محدودة الإمداد لبعض الوقت، لذا يقول المتحدث الرسمي باسم جافي لمجلة "للعلم": "يلزم اتباع منهجية متسقة لتحديد كيفية تخصيص إمدادات اللقاح المتاحة للمشاركين في المرفق والممولين لأنفسهم، وكذلك الاقتصادات المؤهلة للانضمام إلى مرفق الإتاحة العالمية للقاح كوفيد-19 والتزام جافي المسبق بالسوق (COVAX-AMC)".

وCOVAX_AMC، هو التزام المرفق بدعم السكان المعرضين لمخاطر عالية في البلدان منخفضة الدخل، والبلدان ذات الدخل المتوسط الأدنى.

وتضمّ مبادرة كوفاكس تسعة لقاحات جرى ترشيحها ودعمها من الائتلاف المعني بابتكارات التأهب لمواجهة الأوبئة (CEPI)، بالإضافة إلى تسعة لقاحات أخرى مرشحة ما زالت في طور التقييم، في حين تُجرى محادثات مع منتجين آخرين لا يتلقون حاليًّا أي تمويل لأنشطتهم المتعلقة بالبحث والتطوير، مما يتيح لمرفق كوفاكس محفظةً واسعةً ومتنوعةً من اللقاحات المضادة لكوفيد-19.

ويوضح المتحدث الرسمي باسم جافي أن إطار تخصيص اللقاح الذي تعمل منظمة الصحة العالمية على تطويره حاليًّا، هو أساس لقرارات التخصيص، ولكنه سيخضع لمراجعة دورية، "سيخضع إطار التخصيص لمراجعة دورية من قِبَل المشاركين الممولين ذاتيًّا والاقتصادات المؤهلة لـCOVAX AMC، وفقًا للسياسات الوطنية المصوغة على أساس الاحتياجات والسياق".

وتذهب نتائج الدراسة إلى أن توزيع اللقاح بالتناسب مع عدد السكان لا يأخذ في الاعتبار الاحتياجات المختلفة لكل بلد، وتعطي مثلًا لذلك بتوزيع مضادات فيروسات النسخ العكسي على المصابين بفيروس نقص المناعة (HIV) بناءً على عدد السكان في كل دولة بغض النظر عما تتحمله الدول من أعباء تتسبب في الفيروس بها، واصفين ذلك بأنه سيكون "أمرًا غير أخلاقي".

أما النموذج الثاني فيقترح توزيع اللقاح وفقًا لعدد العاملين في الرعاية الصحية في الخطوط الأمامية في مواجهة كوفيد-19 ونسبة السكان فوق 65 عامًا، وعدد الأشخاص المصابين بأمراض مصاحِبة في الدولة.

وترى الدراسة أن هذا الطرح يخصص لقاحًا أقل للبلاد المتضررة بالفعل من ضعف النظم الصحية وقصر متوسط الأعمار، إذ إن الدول منخفضة ومتوسطة الدخل لديها عدد من السكان الأكبر سنًّا وكذلك من العاملين في مجال الرعاية الصحية للفرد أقل مما لدى الدول ذات الدخل المرتفع، التي لديها أنظمة رعاية صحية قوية تضمن عددًا أكبر من العاملين بها، وذات متوسط أعمار مرتفع لسكانها.

يقول "عنان" إن هناك العديد من المتغيرات التي تؤدي دورًا في معدل الوفيات من كوفيد-19 ودرجة انتشاره، ويجب وضعها في الاعتبار، مثل المستوى الاقتصادى ومعدلات الفقر وقوة نظام الرعاية الصحية.

ويشير إلى أن معظم القرارات في الرعاية الصحية وفي الصناعات الأخرى الآن تعتمد على تحليل القرار متعدد المعايير وليس المعيار الواحد، للتأكد من أننا أخذنا كل تلك المتغيرات في الحسبان، "وهو أمرٌ غير موجود في النموذجين المطروحين سابقًا".

التحيز الوطني يهدد التوزيع العادل

انضمت إلى مرفق الإتاحة العالمية للقاح كوفيد-19 (COVAX) 172 دولة من حول العالم، 80 منها من الدول عالية الدخل، ستعمل على التشارك مع 92 دولة متوسطة أو منخفضة الدخل.

ولا تزال منظمة الصحة العالمية في حوار مع الدول الأعضاء، لتطوير إطار عالمي لتخصيص اللقاحات وأدوات كوفيد-19 الأخرى، من علاج وتشخيص إلى آخره، بناءً على مبادئ الوصول العادل والمنصف. وتقول المنظمة لمجلة "للعلم": "يجري الانتهاء من مسودة هذا الإطار".

إلا أن أكبر دولة في العالم لم تنضم إلى ذلك المرفق حتى الآن، فإدارة الولايات المتحدة الأمريكية لها رأي مخالف للرأي الذي تتبناه COVAX.

خلال حلقة نقاشية في شهر يونيو الماضي، قارن بيتر ماركس، أحد كبار المسؤولين في إدارة الغذاء والدواء الأمريكية، التخصيص العالمي للقاحات كوفيد-19 بأقنعة الأكسجين التي تسقط عند انحفاض الضغط داخل الطائرة، قائلًا: "أنت تضع القناع لنفسك أولًا، ثم تساعد الآخرين في أسرع وقت ممكن"، في إشارة إلى أن الولايات المتحدة ستوفر اللقاح لمواطنيها أولًا قبل أن تشاركه مع العالم.

يرى "عنان" أنه في حالة تبنِّي الدول للتحيز الوطني فسيؤدي ذلك إلى تعطيل وتدمير، ليس فقط للنموذج الذي تقترحه الدراسة في جوهره، بل للنموذجين الآخرَين أيضًا.

ويوضح: "بلد مثل الولايات المتحدة وحدها إذا استمرت في هذا الاتجاه، فسيؤدي ذلك إلى نقص كبير في اللقاح؛ لكونها دولة يبلغ عدد سكانها 328 مليون نسمة. لذلك إذا واجه العالم دولتين أو ثلاث دول تتبنى التوجه ذاته، فلا أعتقد أن أي نموذج مطروح سيتم تطبيقه".

أما "هاليداي" فيرى أن المشكلة التي يطرحها التحيز الوطني في توزيع اللقاح سيعتمد بشكل كبيرعلى نوع اللقاح الذي سوف نحصل عليه، موضحًا: "على سبيل المثال، إذا كانت الجرعات المتعددة مطلوبةً خلال فترة زمنية معينة، فقد نرى دولًا تخزن اللقاح".

 ويضيف: "ما نحتاج إليه هو تعاون عالمي، واعتراف من الدول بأن وجود مستويات عالية من العدوى في بلدان أخرى هو أمر سيئ، حتى للبلدان التي ربما قامت بحماية سكانها".

يقول "عنان": "لقد رأينا جميعًا أن شخصًا مصابًا من الصين قد تَسبَّب في جائحة في العالم بأسره مع ملايين الإصابات وخسارة تريليونات الدولارات، العالم متصل، وتطعيم بعض دول العالم وتجاهُل بعضها الآخر في ضوء العولمة وحركة الرحلات الجوية الكثيفة بين البلدان سيكرر الانتشار نفسه ورد الفعل المتسلسل مرارًا وتكرارًا؛ لأن اللقاح على الأرجح سيُنتج مناعةً قصيرة المدى، وسيتعين علينا إعادة التطعيم أو الحصول على جرعات معزَّزة، وبالتالي فإن التفاعل التسلسلي لكوفيد-19 لن ينتهي أبدًا".