منذ العقد الماضي، توافد العلماء على "تويتر" وغيره من منصات التواصل الاجتماعي عبر الإنترنت لمشاركة أبحاثهم والتواصل مع زملائهم والتفاعل مع الجمهور.

وأدى التبنِّي الحماسي لوسائل التواصل الاجتماعي من قِبَل بعض الباحثين إلى تغيير كبير في كيفية نشر الأبحاث العلمية وعرضها على العامة، مما دفع البعض في المجتمع العلمي إلى اعتبار وسائل التواصل الاجتماعي أداةً حيويةً للمشاركة العامة والتواصل العلمي.

وتقول دراسة علمية نشرتها دورية "بلوس بيولوجي" (PLOS Biology): إن "مشاركة الأوراق العلمية على وسائل التواصل الاجتماعي لها آثار إيجابية كبيرة؛ إذ تعطي عملية النشر بياناتٍ فوريةً حول مَن يهتم بالورقة البحثية، وهو الأمر الذي من شأنه توفير أدلة حول الآثار المحتملة لتلك الورقة. كما تتيح تلك البيانات للعلماء عمل تقييمات أفضل لكيفية فهم الجمهور لأبحاثهم، مما قد يساعدهم على اجتذاب تمويلات وإيجاد فرص عمل وإنشاء تعاونات بحثية مستقبلية، كما أن له بضعة آثار سلبية".

يقول "جديديا كارلسون" -زميل ما بعد الدكتوراة في علم الجينوم بجامعة واشنطن، ومؤلف الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن العلماء يسعون إلى إجراء البحوث التي من شأنها التأثير بشكل إيجابي على العالم، وقد يكون ذلك من خلال إحداث تأثير على المستوى الاقتصادي أو البيئي أو الطبي أو الثقافي، أو حتى مجرد تطوير معرفتنا بالعالم الطبيعي".

ويضيف أن "توقُّع ذلك التأثير وقياسه يُعد جانبًا مهمًّا من كيفية تقييم البحث الأكاديمي، لكن القيام بذلك القياس صعبٌ للغاية، وقد يستغرق سنوات كاملة".

تؤكد تلك الدراسة أن مشاركة الأبحاث العلمية على وسائل التواصل الاجتماعي توفر ثروةً من المعلومات حول تلقِّي الجمهور لموضوع البحث العلمي واستهلاكه وتفسيره من قِبَل المجتمعات العلمية وغير العلمية. فعبر الانتباه إلى التصورات العامة لمنشورات العلماء، يُمكن للباحثين معرفة ما إذا كانت أبحاثهم تحفز التفكير الأكاديمي والإيجابي أم لا، وكذلك معرفة شعور الجمهور العام حيال أبحاثهم.

كما يمكنهم أيضًا إدراك أنماط الاهتمام السلبية المحتملة من المجموعات التي تسيء تفسير عملهم بطرق ضارة، إما عن قصد أو عن غير قصد، وهو الأمر الذي سيمكِّنهم من وضع إستراتيجيات لتغيير لغتهم أو رسائلهم للتخفيف من هذه الآثار.

في تلك الدراسة، جمع الباحثون أكثر من 330 ألف منشور على تويتر عن 1800 بحث منشور على منصة "بايوأركيف" -التي ينشر عليها الباحثون نسخًا أولية من الأبحاث العلمية- لاستنتاج الطريقة التي يتعامل بها المجتمع العلمي والعامة مع الأبحاث التي تُنشر على تلك المنصة.

تقول الدراسة إن هناك بعض الأنماط المثيرة -والمزعجة في بعض الأحيان- للنشر على وسائل التواصل الاجتماعي، ولا سيما تويتر.

الباحثان اللذان أعدا تلك الدراسة استفادا من المعلومات المُضمنة في وسائل التواصل الاجتماعي عن المستخدمين؛ إذ إن كل مستخدم في شبكة اجتماعية يميل إلى التواصل مع مستخدمين آخرين يشتركون في خصائص مماثلة (مثل المهنة أو العمر أو العرق أو الهوايات أو الموقع الجغرافي). وبالتالي تمكَّن الباحثون من وصف الجمهور الإجمالي لكل ورقة بحثية على حدة، عن طريق تطبيق نظرية الخصائص المماثلة.

فبدلًا من تصنيف الأشخاص إلى مجموعات مثل "العلماء" و"غير العلماء"، أجرى الباحثان تقسيمات أكثر دقة، فالعلماء مثلًا جرى تقسيمهم بدقة إلى تخصصاتهم البحثية المحددة (مثل التطور، وعلم الأحياء، والمعلوماتية الحيوية)، بغض النظر عما إذا كانوا قد ذكروا هذه التخصصات الفرعية في سيرتهم الذاتية على تويتر. كما جرى تقسيم الفئة الأوسع من "غير العلماء" تلقائيًّا إلى مجموعات متعددة، مثل دعاة الصحة العقلية ومحبي الكلاب ومطوري ألعاب الفيديو والنباتيين ومستثمري البيتكوين والصحفيين والجماعات الدينية والدوائر السياسية.

يقول "كارلسون": بالنسبة للعلماء، تُعَد وسائل التواصل الاجتماعي سلاحًا ذا حدين؛ إذ إنها تمكِّننا من التواصل بعضنا مع بعض، ومشاركة أبحاثنا على نطاق واسع والانخراط مع الجمهور، ولكنها توفر أيضًا فرصةً للآخرين لإساءة تفسير بحوثنا واختلاسها لتعزيز نظريات المؤامرة والعنصرية والتمييز على أساس الجنس.

ويتابع: مشاركة الأبحاث تتيح لنا استخراج بيانات الوسائط الاجتماعية لفهم هذه الاتجاهات، ووضع إستراتيجيات للتواصل بشكل أكثر فاعليةً وسرعةً لتحديد الآثار الإيجابية والسلبية المحتملة لأبحاثنا.

بدأت تلك الدراسة عام 2018، وفق ما يقول "كارلسون"، الذي يُشير إلى كونه "باحثًا ناشطًا إلى حدٍّ ما على تويتر"، وهو ما دعاه لمحاولة فهم الكيفية التي يُمكن أن تؤثر بها وسائل التواصل الاجتماعي، ليس فقط على البحث العلمي، ولكن على العلماء أنفسهم.

ويأمل "كارلسون" أن تثير الدراسة محادثات بين العلماء حول كيفية التواصل بشكل أفضل مع الجمهور حول أبحاثهم، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بشكل أكثر فاعليةً كأداة لتحسين المعرفة العلمية بين عامة الناس.