يستيقظ ليبدأ يومه بنصف سيجارة حشيش، إن أسعفه الوقت قبل نزوله من المنزل ليبدأ مهماته اليومية، أحمد سعيد، طالب جامعي يبلغ ثلاثة وعشرين ربيعًا، وبدأ تدخين الحشيش عندما كان في الخامسة عشرة.

وفق التقرير العالمي للمخدرات لعام 2020، فإن "أحمد" واحد من 192 مليون شخص استخدموا القنب (الحشيش) ومشتقاته خلال عام 2018، بما يعادل 3.9% من سكان العالم الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 عامًا، ليبقى القنب بذلك متربعًا بلا منازع على رأس قائمة المخدرات التي يجري تعاطيها حول العالم.

تقول ألفت علام، استشاري العلاج النفسي والإدمان: إن المخدرات نوعان: إما منشطات أو مثبطات، وتعتبر القنبيات cannabinoid من المثبطات؛ وذلك لأنها تسبب حالةً من الاسترخاء والهدوء، وتؤدي إلى بطء شديد في استقبال الأحداث والتعامل معها من قِبل الشخص المتعاطي.

ويوضح محمود الحبيبي -أستاذ الطب النفسي بكلية الطب، جامعة عين شمس في مصر- أن العرَض الأكثر ظهورًا لدى الأشخاص المتعاطين للقنبيات هو الانسحاب الاجتماعي، الذي قد يصل إلى ما نسميه متلازمة نقص الدافعية، وهي عدم الرغبة في أداء أي عمل، مع نقص في التركيز وفقد الاهتمام بالأنشطة الاجتماعية وأي أنشطة أخرى.

يشرح "الحبيبي" هذا قائلًا: "يظهر هذا واضحًا لدى الأشخاص الذين لديهم التزامات فيها نوع من أنواع التفاعل الاجتماعي، مثل الطلاب الذين يجب عليهم أن يعملوا على مشروع في مجموعات، ترى أن الشخص المتعاطي للحشيش أداؤه يتدهور مع الوقت".

ويضيف أنه في المراحل المتقدمة من اضطراب تعاطي القنب ينعزل الشخص بالكامل، لدرجة قد تصل إلى الرغبة في عدم مقابلته لأي شخص آخر في حياته غير الأشخاص الذين يساعدونه في الحصول على القنب، "مَن يشتكي غالبًا هم الأشخاص المحيطون بالمتعاطي، أسرته وأصدقاؤه".

من جانبه، يؤكد "أحمد" أن أفضل أوقات يومه هو منتصف الليل، حين تهدأ الضوضاء من حوله، فيشعل سيجارة حشيش أخرى، ويبدأ في مشاهدة أحد أفلامه المفضلة بمفرده داخل غرفته.

السر العلمي وراء هذا الشعور

إلى وقتنا هذا لم يكن من المعروف الآلية التي يتسبب بها تعاطي القنب في أعراض الانسحاب الاجتماعي. إلى أن كشفت نتائج دراسة جديدة نُشرت في دورية "نيتشر" Nature بتاريخ 8 يوليو 2020، أن الخلايا النجمية الموجودة بالمخ والمعروفة بتزويد الخلايا العصبية بالطاقة من خلال تحويل مادة الجلوكوز إلى لاكتات لتؤدي وظائفها بشكل سليم، لها دورٌ آخر مرتبط بسلوك الإنسان.

وجد الباحثون أن مادة رباعي هيدرو الكانبينول (THC)، وهي المادة الفعالة الأساسية في القنب وتسبب تأثيرات نفسية يبحث عنها متعاطو القنب، تُعطل عملية الأيض داخل الخلايا النجمية، مما يؤدي إلى تقليل إنتاج اللاكتات، التي يتم نقلها إلى الخلايا العصبية لتؤدي مهماتها.

هذه النتائج هي نتاج ما يقرب من عقد كامل من العمل الشاق. في عام 2012، اكتشف جيوفاني مارسيكانو -باحث في مركز ماجندي لعلم الأعصاب بجامعة بوردو في فرنسا- وفريقه اكتشافًا مذهلًا، إذ توصلوا إلى أن مستقبلات القنب ليست موجودةً فقط على غشاء الخلية، كما كان يُعتقد سابقًا. ولكن بعض هذه المستقبلات يقع أيضًا على غشاء الميتوكوندريا، وهي العضيات التي تقوم بتزويد الخلايا بالطاقة التي تحتاجها. تأتي هذه الدراسة الجديدة بعد أن حدد الفريق مستقبِلات القنب الموجودة على غشاء الميتوكوندريا داخل الخلايا النجمية.

من بين الوظائف الأخرى، تؤدي هذه الخلايا النجمية دورًا مهمًّا جدًّا في استقلاب الطاقة في الدماغ، إذ تلتقط الجلوكوز من الدم وتحوله إلى اللاكتات، والأخيرة بمنزلة "غذاء" للخلايا العصبية.

يشرح "مارسيكانو" -وهو باحث رئيسي بالدراسة- أن مادة رباعي هيدرو الكانابينول تقوم بتنشيط ما يُعرف بـ"مستقبلات الكانبينويد" في الميتوكوندريا، التي تثبط من عمل الميتوكوندريا وتقلل من إنتاجها لمركبات الأكسجين الفاعلة (ROS) ذات الدور الفعال في عملية تحلُّل السكر داخل الخلايا النجمية، ومنه تقليل اللاكتات المُنتَجة، هنا تدخل الخلية العصبية في حالة ما يسمى بإجهاد الطاقة الحيوي، "نعتقد أن هذا الإجهاد يقلل من عمل الخلايا العصبية، وبالتالي يقلل من التفاعلات الاجتماعية".

توصل الباحثون إلى هذه النتائج عن طريق ملاحظة سلوك الفئران بعد حقنها بمادة رباعي هيدرو الكانابينول ورصد تفاعُلها الاجتماعي من خلال عدة اختبارات، منها: وضع الفأر في حقل مفتوح ووضع اثنتين من الحاويات البلاستيكية في جانبين متقابلين من الحقل، إحداهما فيها فأر (المكان الاجتماعي) والأخرى فارغة (المكان غير الاجتماعي)، ثم تم وضع الفأر في منتصف الحقل لمدة خمس دقائق.

قاس الباحثون ما يسمونه بمُعامل التفاعل الاجتماعي، وهو الوقت الذي قضاه الفأر في المكان الاجتماعي مقسومًا على إجمالي الوقت الذي قضاه الفأر في المنطقتين، ووجدوا أن مُعامل التفاعل الاجتماعي للفئران التي جرى حقنها بمادة رباعي هيدرو كانبينول أقل بشكل ملحوظ مما هو لدى الفئران الطبيعية.

وللتأكد من دور اللاكتات في السلوك الاجتماعي، زرع الباحثون خلايا عصبية في المختبر ومعها خلايا نجمية عولجت بمادة رباعي الهيدرو كانبينول، وكذلك خلايا عصبية أخرى ومعها خلايا نجمية غير معالَجة كعينة ضابطة. بدأت الخلايا العصبية الأولى في الموت مسببةً أعراض الانسحاب الاجتماعي. وتم عكس هذا كله عند توصيل اللاكتات إلى الخلايا العصبية، سواءٌ في الخلايا المزروعة في المختبر، أو من خلال حَقن الفئران في التجارب الحقلية.

تطور فهمنا للخلايا النجمية

ظل الباحثون وقتًا طويلًا يعتقدون أن دور الخلايا النجمية -التي يصل عددها إلى خمسة أضعاف عدد الخلايا العصبية- ينحصر في إمداد الخلايا العصبية بالغذاء وإصلاح الأضرار التي تصيبها، إلى جانب الحفاظ على الحاجز الدموي الدماغي. أما هذه الدراسة فتكشف عن آلية جديدة، من خلالها تقوم الخلايا النجمية بتنظيم السلوك.

 يقول "مارسيكانو": هذه الدراسة توضح الأهمية الرئيسية لعمليات إنتاج الطاقة الحيوية وتأثيرها في السلوك، فالعديد من تصرفاتنا تُمليها علينا كمية الطاقة المتاحة في أدمغتنا وجودتها، موضحًا أن أقل تغيير في تلك المعايير له تأثير قوي على السلوك، "إن استعمال الطاقة ليس فقط من أجل استمرار الحياة، ولكنه طريقة جوهرية وأساسية، يستخدمها المخ لتوصيل الإشارات من أجل أداء مهماته".

تفتح الدراسة المجال لمزيد من البحث من أجل اكتشاف الآثار المحتملة لنتائجها على البشر. يرى "مارسيكانو" أن هناك أسئلة كثيرة مفتوحة، ويعطي مثالًا على ذلك قائلًا: ما هي الدوائر العصبية والنجمية التي تشارك في أعراض الانسحاب الاجتماعي؟ وهل يمكن استخدام هذه البيانات لتصميم الأدوية التي تستغل الخصائص العلاجية للقنب، مع تجنُّب آثارها الجانبية؟

علاج تعاطي القنب

حتى الآن لا يوجد علاج دوائي لتعاطي القنب، كما يوضح "الحبيبي"، فالعلاج نفسي فقط. ويضيف أن التحدي الذي يقابل الطبيب النفسي هنا هو تحديد إن كانت هناك مشكلة حقيقية تظهر على سلوكيات المتعاطي، أم أن المشكلة فقط في عدم رضا المحيطين به لأسباب اجتماعية أو دينية.

ولتحديد وجود اضطرابات التعاطي، يوضح "الحبيبي" أن "أهم نقطة يجب أن نبحث عنها هي عدم قدرة المتعاطي على التحكم، أي أن يكون القنب هو المتحكم في سلوكيات الشخص المتعاطي، وليس العكس".

وترى "علام" أن العلاج من تعاطي القنب تحكمه عدة عوامل: منها سن المتعاطي، ومقدار الجرعة التي يتعاطاها، ومن ثم يبدأ الطبيب بعمل خطة إستراتيجية لسحب مادة القنب من الجسم.

وبالرغم من أن أعراض انسحاب القنب غير قوية، إلا أنه يأخذ فترة طويلة في الجسم بعد التوقف عن التعاطي تبلغ ما بين شهر و45 يومًا، وهو ما يُعرف بفترة إزالة السموم (Detox)، ثم تأتي مرحلة إعادة التأهيل، التي تعتمد على المرحلة العمرية، وفق "علام".

تقول علام: "إذا كان المتعاطي في مرحلة المراهقة، وهي سن حب التجربة والمغامرة، فهو غالبًا ما يتعامل مع المخدر على أنه وسيلة دفاعية لعلاج مشكلاته، لذا يجب أن ننقذه قبل أن يتحول إلى متعاطٍ معتمد على المخدر، وذلك من خلال توجيهه وتعليمه بعض مهارات الحياة لمواجهة تلك المشكلات".

وتستكمل: علاقة كبار السن بالمخدر هي علاقة أكثر اعتمادية، وتأتي في محاولة من المتعاطي لعلاج اضطرابٍ ما في الشخصية، لذا على الطبيب النفسي أن يحدد نوع الاضطراب، والتعرُّف على معلومات أكثر حول ما يحيط بالمتعاطي، مثل حياته الاجتماعية، ودراسته، وظروف عمله، وعليه البدء في وضع خطة علاجية مناسبة له.

ويقول الحبيبي: "نبدأ في حل المشكلة من خلال علاج سلوكي، وتبديل طريقة تعامُل المريض مع الأمور من خلال اقتراح أنشطة لتسلية الوقت، وتوجيهه من خلال تعلُّم مهارة كيفية التعامل مع الأزمات، وإعادة تأهيله وتعليمه المهارات الاجتماعية المختلفة، والتي يفقدها في الطريق في أثناء رحلة تعاطيه القنب".

ثقافة تقبُّل القنب

لم يتجه "أحمد" يومًا لطلب العلاج، "لا أجد مشكلة في شرب الحشيش، أستطيع التوقف وقتما أشاء، وأستخدمه بكثرة عندما يكون لديَّ الكثير من المهمات التي يجب إنجازها في وقت قصير".

وتوضح "علام" أن المشكلة الحقيقية -في مجتمعاتنا العربية عامة، والمصرية بشكل أكثر تحديدًا- تكمن في ثقافة تقبُّل القنب، وتعامُل الأشخاص معه على أنه مادة للاحتفالات والمجاملات، وللاستعمال في اللقاءات الاجتماعية، ولا يتعاملون معه كمادة مخدرة؛ لتأثيره المهدئ، وهو ما يعطيه شكلًا إيجابيًّا.

هذا الشعور الإيجابي تجاه تعاطي القنب بدأ في الترسُّخ مع تقنين تعاطيه في بعض دول العالم، وآخرها لبنان في أبريل الماضي، وذلك لفوائده الطبية المُترقبة.

ولتعاطي القنب، قد تُستخدم الأوراق المجفَّفة والمفتَّتَة وزهرة نبتة القنَّب (الماريجوانا) في التدخين، وكذلك راتنج القنب، وهو الخلاصة المركَّزة لزهرة القنَّب ونبتتِه، وأيضًا زيت الحشيش الذي يمكن استخلاصه من أيِّ جزء من النبتة.

يرى "الحبيبي" أن الصورة التي تعطى عن القنب وفوائده تعمم على جميع أشكاله، "الحشيش المعروف في مصر مثلًا، هو عبارة عن عصارة بذور نبات القنب، يضعونها على مادة حاملة للزيت المستخلص، ثم يقطع ويباع. في هذه الحالة قد تضاف أي مادة مجهولة، لا –ولن- نعرفها؛ لأنه أمرٌ يحدث في السوق السوداء التي لا نعرف عنها أي شيء".    

ويوضح أن المجتمعات العلمية تقبل استخدام أي مادة عندما يثبت تأثيرها العلاجي من خلال إجراء الأبحاث العلمية التى تبرهن على صحة ذلك، ومثال ذلك استخدام مشتقات الأفيون مثل الترامادول، "لكن المشكلة تكمن في أن القنب أخذ دعايةً أكبر بكثير من الدراسات التي أُجريت عليه لإثبات فوائده الطبية، والتي قد يكون سببها سياسيًّا أو تجاريًّا، لكنه بالتأكيد ليس علميًّا".

ومن جانبها، تشدد "علام" على أن القنب يصنع نوعًا من الارتباط النفسي والكيميائي، مثله في ذلك مثل المخدرات الأخرى كالهيروين والكوكايين، "فعندما يصل الشخص إلى جرعة لا ترضيه أو تهدئه، تبدأ الخسائر الفادحة في الظهور، من خسائر مادية، وعلمية، واجتماعية".