"كل حائط هو باب"، ربما مثلت تلك العبارة العلاقة القوية بين صناع السينما وجمهورها من جهة والنقاد من جهة أخرى؛ فمع انطفاء أنوار قاعات السينما واتجاهها مباشرةً إلى تلك البقعة البيضاء الممتدة بعرض الحائط يجد الجميع (صناع وجمهور ونقاد) أنفسَهم أمام اختبار صعب: هل تكون الغلبة لصالح النقاد المبحرين في قصة الفيلم والسيناريو والحوار والإخراج وأدوات التمثيل؟ أم أن الغلبة ستكون للجمهور الباحث عن البهجة بعيدًا عن مسميات قد لا تشغل باله؟ خاصةً أن أفلامًا كثيرة حققت إيرادات ضخمة رغم تقليل النقاد من قيمتها الفنية، في حين كانت أفلام عظيمة -مجَّدها النقاد- سببًا وراء فلاس صُناعها بعدما استقبلها الجمهور بصافرات الاستهجان؟

يعود تاريخ السينما إلى الأخوين الفرنسيين "أوجست" و"لويس" لوميير اللذَين عرضا 10 أفلام في العاصمة الفرنسية "باريس" عام 1895، وبالرغم من أن مدة الفيلم الأول منها لم تزد على 46 ثانية، إلا أنه كان بداية لرحلة لم تنتهِ من صناعة السينما وعالمها الذى يجمع بين "الحقيقة" و"الخيال"، حتى إن أول فيلم روائي حمل عنوان "رحلة إلى القمر" رغم أن عرضه جاء قبل الصعود إلى القمر بأكثر من ستين عامًا.

وسرعان ما شقت صناعة السينما طريقها خلال ما عُرف بـ"العصر الصامت"، الذي امتد من 1911 وحتى 1926.. كان تشارلي تشابلن نجم هذا العصر، الذي اتسم باستخدام الحد الأدنى من المؤثرات الصوتية والمسارات الموسيقية دون وجود حوار.

وارتبط الانتشار الأوسع لصناعة السينما بنشأة استديوهات هوليوود في عام 1927، حيث تم تصوير وعرض فيلم "مغني الجاز"، وهو أول فيلم صوتي طويل تم صنعه والترويج له في الولايات المتحدة، وتوالت بعدها الأفلام الكوميدية وأفلام العصابات وعروض الخيال العلمي في الفترة من 1941 وحتى 1954، والتي عُرفت بـ"العصر الذهبي للسينما" وارتبطت بإعادة هيكلة هوليوود وصولًا إلى عصرنا الحالي.

في السياق، سلطت دراسة نشرتها مجلة "بروجكشنز" (Projections) الضوء على العوامل التي تجعل "الأفلام المبهجة" (Feel-Good Films) جذابةً للجمهور، على الرغم من تعامُل النقاد معها باعتبارها "أفلامًا عاطفية لا تتمتع بقيمة فكرية"، مشيرةً إلى أنه "بالإضافة إلى الفكاهة والنهايات السعيدة الكلاسيكية، يمكن التعرُّف على أفلام الشعور بالسعادة من خلال أنماط شخصيات يبحثون عن الحب الحقيقي، ويتعين عليهم إثبات ذواتهم ومحاربة الظروف المعاكسة التي تواجههم حتى يبلغوا هدفهم ويجدون لأنفسهم دورًا في المجتمع في النهاية".

الأفلام المبهجة

يُعد مصطلح "الأفلام المبهجة" أحد أكثر النماذج انتشارًا في الخطابات الشعبية حول السينما في السنوات الأخيرة، ويُقصد بها "الأفلام التي تمنح المشاهدين شعورًا بالسعادة"، بغض النظر عما تقدمه من محتوى.. وبالرغم من أن تلك الأفلام تتنوع بين الكوميديا الرومانسية والأفلام الرياضية والخيال العلمي، إلا أنها كثيرًا ما تُقابَل بتحيُّز النقاد ضدها.

ويربط كثيرون بين هذه النوعية من الأفلام وتنامي بعض التوجهات الاجتماعية والسياسية التي نشأت عن ثقافات اجتماعية وسياسية مختلفة أواخر الستينيات وأوائل السبعينيات من القرن الماضي، بما في ذلك "حركة الشعور بالرضا" و"حركة الهيبيز"، وظهور "علم النفس الشعبي" والاهتمام بتحقيق الذات، والسعي وراء المتعة الحسية (أي الشعور بالسعادة) باعتبارها غايةً في حد ذاتها، والتي كانت غالبًا دافعًا أساسيًّا بين الراديكاليين الشباب والمتطرفين على حدٍّ سواء.

فعلى سبيل المثال، اكتسبت فكرة تقدير الذات واحترامها أرضيةً سريعة في منتصف الستينيات من القرن الماضي، كما يتضح من المبيعات الهائلة لكتب المساعدة الذاتية التي روجها العديد من علماء النفس البارزين الذين تعاملوا مع احترام الذات باعتباره المحدد الأساسي للشعور بالسعادة وتحقيق الذات، ومنها كتاب عالِمة النفس الأمريكية "ميلدريد نيومان" و"برنارد بيركويتز" الذي نُشر عام 1971 تحت عنوان "كيف تكون أفضل صديق لذاتك؟"، الذي شدد على أهمية الفوائد الاجتماعية التي يجنيها الفرد حتى لو كانت على حساب الآخرين، وأن يؤدي الشخص الأشياء التي تجعله يشعر بالرضا عن نفسه بدلًا من الأشياء التي تجعله يشعر بالفزع، ما دفع إحدى شركات الإنتاج (Churchill Films) إلى إصدار سلسلة من الأفلام القصيرة تحت شعار "Feeling Good".

إقبال الجمهور

تكشف الدراسة أن السينما المبهجة تعتمد على تضمين عناصر الفكاهة، والنهاية السعيدة، والشخصيات الباحثة عن الحب الحقيقي، ومحاولة إثبات الذات، ومحاربة الظروف المعاكسة في إعداد ما يسمى fairy-tale أو "الحكاية الخرافية"، وهي جانب قصصي سردي يعتمد على شخصيات خيالية؛ إذ تسهم تلك العناصر "مجتمعةً" بشكل كبير في خلق "فيلم مبهج".

يوضح الباحثون أن الشعور بالرضا هو السبب الأساسي لإقبال الجمهور على هذه النوعية من الأفلام، وأنه بالنسبة لجمهور تلك النوعية من الأفلام يكون "من غير المنطقي محاولة البحث في أسئلة فلسفية كبرى"، مؤكدين في الوقت ذاته أن "هذه الأفلام يجب أن يتم تنفيذها بشكل جيد حتى يكون لها تأثيرها المقصود، وأن الفيلم السيئ سيئ مهما حدث".

سأل الباحثون في "معهد ماكس بلانك للجماليات التجريبية" حوالي 450 مشاركًا من ألمانيا والنمسا والمناطق الناطقة بالألمانية في بلجيكا وسويسرا عن الأفلام التي تُعد أمثلةً نموذجيةً للأفلام التي تُشعر الجمهور بالبهجة والسعادة، علاوةً على العوامل التي تجعلها في نهاية المطاف تبعث على الأمل.

وأشارت ردود المشاركين إلى أن الأفلام الرومانسية الكوميدية (الحبكات الفكاهية التي تركز على الأفكار الرومانسية) تنطوي على إمكانيات عالية بشكل خاص للارتقاء العاطفي، ومنها الفيلم البريطاني الكوميدي "الحب الحقيقي" (Love Actually)، والفيلم الكوميدي الرومانسي "امرأة جميلة" (Pretty Woman)، والفيلم الفرنسي "أميلي" (Amélie)، والفيلم الفرنسي "المنبوذون" (The Intouchables).

الجمهور والنقاد

يقول كيفان سرخوش -زميل ما بعد الدكتوراة في معهد ماكس بلانك للجماليات التجريبية، وأحد مؤلفي الدراسة الرئيسيين- في تصريحات لـ"للعلم": تمحور بحثنا حول الأفلام التي تُعتبر أفلامًا مبهجة من منظور الجمهور، في الواقع، فإن الأفلام الخفيفة المبهجة لا تتمتع بسمعة طيبة بين نقاد الأفلام، ويتم التعامل معها عادةً بازدراء من النقاد المحترفين الذين ينتقدون هذه الأفلام بسبب عاطفيتها المزعومة، وتلاعُبها العاطفي بالمشاهدين، وكون طرحها هزليًّا في كثير من الأحيان.

يضيف "سرخوش": في أغلب الأحيان، يفضل النقاد الأفلام الأكثر جديةً ويصفقون لها؛ لمزاياها الفنية، وأهميتها الاجتماعية والسياسية، ونهجها الفكري، ولكن ليس لرد الفعل العاطفي الذي تثيره في الجمهور، في المقابل، يبحث المشاهدون غالبًا عن أفلام معينة لمشاهدتها والتعرُّف على تجربتها العاطفية، إضافة إلى عامل الترفيه الذي تمنحه تلك النوعية من الأفلام لهم، وكذلك قدرتها على منحهم قدرًا من الاسترخاء.

الصفات الشكلية

يتابع "سرخوش": تقدم دراستنا وصفًا تفصيليًّا لكيفية تصوُّر مشاهدي الأفلام المبهجة لهذه الأفلام فيما يتعلق بحبكاتها وخصائصها الشكلية، وبالنسبة للمشاهدين المتعاطفين مع الأفلام التي تبعث على الشعور بالبهجة، فإن الجمع بين الكوميديا ​​الخفيفة والدراما المؤثرة عاطفيًّا يمكن اعتباره السمة الرئيسية للأفلام التي تُشعرك بالسعادة.

ويتابع: تُظهر النتائج التي توصلنا إليها أن المشاهدين يبحثون عن هذه الأفلام ويشاهدونها للحصول على مكافآتهم المتأصلة، في حين أن نقاد الأفلام المحترفين غالبًا ما ينظرون إلى هذه الأفلام باعتبارها سطحيةً وعاطفية، وتقدم دراستنا دليلًا على أن المشاعر العاطفية من وجهة نظر المشاهدين ليست ورديةً تمامًا، وأنهم لا يعتبرون هذه الأفلام هزلية، كما يبدو أن الأفلام التي تعطي شعورًا بالرضا أكثر تعقيدًا من حيث المهارة الفنية وجوانبها العاطفية في نظر الجمهور المحب لها.

ويشدد الباحثون على أن مصطلح "أفلام مبهجة" يُستخدم بشكل متكرر من قِبَل الجماهير غير الخبراء، مضيفين أن "تلك النوعية من الأفلام لديها قوة كبيرة في التقاط تجارب الجمهور وتمثيلها على نطاق أوسع، ومع ذلك، لم يكن هناك سوى القليل من الدراسات السابقة التي حاولت تقديم وصف مفاهيمي لهذه التسمية من منظور الجمهور واستنادًا إلى الأدلة التجريبية، لذلك قررنا إجراء مسح استكشافي لتجارب المستهلكين العاديين التي تم الإبلاغ عنها ذاتيًّا لمثل هذه الأفلام".

 مبهج أم سطحي؟

من جهته، يتفق أمير العمري -الناقد السينمائي، ورئيس مهرجان القاهرة السينمائي الدولي السابق- مع الرأي القائل بأن "هذه النوعية من الأفلام يجب النظر إليها بجدية، ويجب ألا يتم استبعادها من دائرة النقد باعتبارها عاطفية أو تشوبها السذاجة".

يقول "العمري" في تصريحات لـ"للعلم": يلقى هذا النوع من الأفلام صدى لدى الجمهور في العالم بسبب البُعد الإنساني المشترك الذي يقرب بين الثقافات والأجناس والأعراق، والمهم أن يكون الفيلم جيد الصنع، وألا يتصف بالسطحية في معالجة موضوعه، وأن تكون الشخصيات التي نشاهدها مرسومةً بصدق وليست سطحية.

ويتابع: على المستوى الشخصي، تعجبني بعض الأفلام التي تنتمي إلى هذه النوعية مثل فيلمي "لا تزال أليس" (Still Alice)، و"داني كولينز" (Danny Collins)، لكن ربما حقق هذان الفيلمان نجاحًا ووصولًا إلى الجمهور بسبب قوة أداء الممثلة والممثل، لذا لا يصح التعميم بالقول بأن النقاد يرفضون هذه النوعية من الأفلام، الشيء المهم في هذا السياق هو القيمة الإنسانية والسياق السينمائي الجيد والشخصيات المقنعة، أما الأفلام الساذجة التي تلوي عنق الأشياء للوصول إلى النهاية السعيدة فهي لا تثير اهتمام الناقد بطبيعة الحال.

اختلاف التلقِّي

بدوره، يرى الناقد الفني حسام الخولي أن "السينما في الأساس هي فن ترفيهي هدفه الجمهور في المقام الأول، وفيما يخص الأفلام التي وصفتها الدراسة بالمبهجة، أعتقد أن منتجي هذا النوع من الأفلام يهدفون إلى تسلية الجمهور وجني الأرباح، وهذه أهداف مشروعة تمامًا".

يقول "الخولي" لـ"للعلم": عملية التلقِّي تختلف، وستظل تختلف لدى الجمهور عنها لدى النقاد، لكن هذا لا يعني أن النقاد يتخذون موقفًا مسبقًا من الأفلام المبهجة أو ذات النهايات السعيدة والحبكات البسيطة، ولدينا في مصر نماذج عديدة لأفلام أثنى عليها النقاد ولم تنجح في دُور العرض، والعكس صحيح.

الأفلام المؤثرة

في المقابل، خلصت دراسة أجراها باحثون من جامعة ولاية أوهايو الأمريكية إلى أن مشاهدة الأفلام ذات المغزى- أو تلك التي نطلق عليها "مؤثرة"- يمكن أن تُشعرنا بمزيد من الاستعداد للتعامل مع تحديات الحياة، وأن تحث المشاهدين على أن يكونوا أشخاصًا أفضل.

أنشأ الباحثون قائمتين من 20 فيلمًا من أفلام هوليوود، واحدة ضمت الأفلام ذات المغزى، والأخرى قائمة بالأفلام الأقل جدية، وجميعها صُنع بعد عام 1985 وبتقييمات عالية من المشاهدين، وشملت الدراسة 1098 بالغًا تم التواصل معهم عبر الإنترنت.

تم اختيار المشاركين عشوائيًّا ليتلقَّوا إما قائمة الأفلام ذات المغزى أو قائمة الأفلام الأقل جدية، وطُلب منهم الإشارة إلى الأفلام التي اختاروا أن يشاهدونها، ثم تم اختيار أحد الأفلام التي شاهدوها من قبل بشكل عشوائي لكل مشارك، وطرح الاستطلاع مجموعةً متنوعةً من الأسئلة حول كيفية تفاعُل كل مشارك مع الفيلم المختار له أو لها.

طلب الباحثون من المشاركين اختيار ما يصل إلى ثلاث قيم من قائمة من 16 قيمة رأوها ممثَّلة في الفيلم طُلب منهم تذكُّرها، تضمنت بعض هذه القيم "الإنجاز" و"النجاح الشخصي" و"الحب والألفة" و"الشجاعة"، ثم قام المشاركون بتقييم الأهمية الشخصية لكل قيمة.

وجد الباحثون أنه عندما تذكر المشاركون مشاهدة أفلام ذات مغزى مثل فيلم "الخلاص من شاوشانك" (The Shawshank Redemption)، أبلغوا عن مجموعة متنوعة من ردود الفعل الإيجابية، مثل كونهم أكثر قدرةً على قبول الحالة الإنسانية وفهم مشكلات الحياة.

ووفق الباحثين، فإن المشاركين الذين يتذكرون هذه الأفلام ذكروا أن مشاهدتها تركت لديهم شعورًا بأن "التجارب السعيدة والحزينة تعطي معنى لحياتنا، وأن المكاسب والخسائر جزء من الحياة، وغيرها من العبارات الأخرى المماثلة".

وأوضح الباحثون أن "العناصر الأساسية لهذه الأفلام كانت مؤثرة، وخلقت لدى الجمهور مزيجًا من السعادة والحزن، ما جعل مداها العاطفي واقعيًّا وعزز من قدرتها على شعور المشاهدين بالإلهام، والأفلام المؤثرة كان لديها درجة أكبر من هذه التأثيرات الإيجابية مقارنةً بالأفلام الأخرى".

لكن نتائج الدراسة شددت في الوقت ذاته على أن "هذا لا يعني أن الناس لا يستطيعون إيجاد معنى في الأفلام التي يُقصد منها أن تكون مسليةً أكثر من كونها ذات مغزى".