ربما نعرف جميعًا شخصًا ذكيًّا، ومع ذلك يفاجئنا بارتكاب أفعال حمقاء. تتلذذ أسرتي بذكر المواقف التي ارتكبتُ فيها أخطاء غبية حقًّا على الرغم من كوني أستاذة جامعية. ماذا يعني أن تكون ذكيًّا أو ألمعيًّا؟ يُطلَق هذا اللفظ الدارج في استخدامنا اليومي على الشخص المثقف الذي يتخذ قرارات حكيمة، بيد أن هذا التعريف يتعارض مع الكيفيَّة التي تعودنا بها على قياس مستوى الذكاء. المقياس الأكثر شيوعًا لمستوى الذكاء هو اختبار "نسبة الذكاء"، الذي يشتهر أكثر باسم اختبار "الآي كيو"، ويتضمن أَحاجيَ إبصارية مكانية، ومسائل رياضية، وتَعرُّف الأنماط، وأسئلة عن المفردات، وأسئلة تعتمد على البحث البصري.

لا يمكن إنكار مميزات التمتع بالذكاء، فالأذكياء تزيد احتمالات حصولهم على درجات مرتفعة، وكذلك احتمالات تقدُّمهم أكثر في المراحل الدراسية. كما تزيد احتمالات نجاحهم على الصعيد المهني وتقل احتمالات تورطهم في المشكلات (مثل ارتكاب الجرائم) في فترة المراهقة. ورغم كل المميزات المصاحبة لصفة الذكاء، قد تندهش إذا عرفت أنه لا يمكن استخدامه في التنبؤ بالنتائج الأخرى المتعلقة بحياة الشخص، مثل الشعور بالسعادة على سبيل المثال. قد تظن أن الأداء الجيد في المدرسة أو العمل ربما يؤديان إلى شعور الشخص بقدر أعلى من الرضا عن حياته مقارنة بغيره، غير أن العديد من الدراسات التي أُجريت على نطاق واسع فشلت في الوصول إلى دليل يثبت أن نسبة الذكاء تؤثر على مدى رضا الشخص عن حياته أو طول عمره. يرى جروسمان وزملاؤه أن أغلب اختبارات الذكاء تفشل في قياس القدرة على اتخاذ القرارات الصحيحة على أرض الواقع، وكذا القدرة على التفاعل الجيد مع الآخرين. وبعبارة أخرى، قد يكون هذا هو السبب وراء إقدام "الأذكياء" على ارتكاب أفعال "حمقاء".

أما القدرة على التفكير النقدي، فقد ارتبطت بالسلامة الجسدية والنفسية وطول العمر. ومع أنه كثيرًا ما يحدث خلط بين الذكاء والتفكير النقدي، فإنهما شيئان مختلفان. إذ التفكير النقدي هو مجموعة من المهارات الإدراكية التي تساعدنا على التفكير بمنطقية وبأسلوب موجه نحو الهدف، والنزوع إلى استخدام هذه المهارات في الوقت المناسب. يتسم المفكرون النقديون بأنهم يشُّكّون تشككًا بَنَّاء؛ فهم يتمتعون بمرونة في التفكير ويريدون أدلة تدعم اعتقاداتهم ويميِّزون المحاولات المضلِّلة المستخدمة في إقناعهم بشيء ما. إذًا فالتفكير النقدي يعني التغلُّب على جميع أنواع التحيُّز الإدراكي ( مثل تحيُّز الإدراك المتأخر والانحياز التأكيدي للذات، وما إلى ذلك).

بإمكان التفكير النقدي توقُّع مجموعة كبيرة من الأحداث الحياتية. ففي سلسلة من الدراسات أُجريت في الولايات المتحدة وخارجها، اكتشفتُ أنا وزملائي أن المفكرين النقديين يمرون بقدر أقل من الأحداث السيئة في حياتهم مقارنةً بغيرهم. طلبنا من الناس ملء قائمة لخبرات الحياة وأن يخضعوا لتقييم للتفكير النقدي (تقييم هالبرن للتفكير النقدي). يقيس تقييم التفكير النقدي 5 مكونات لمهارات التحليل النقدي، تشمل الاستدلال اللفظي، وتحليل البراهين، واختبار الفرضيات، والاحتمال وعدم اليقين، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات. تشمل قائمة خبرات الحياة السلبية مجالات مختلفة للحياة، مثل المجال الأكاديمي (مثل: نسيت في إحدى المرات أن لديَّ امتحانًا)، والمجال الصحي (مثل: أُصبت بعدوى تنتقل بالاتصال الجنسي لأنني لم أكن أرتدي واقيًا ذكريًّا)، والمجال القانوني (أُلقي القبض عليَّ من قبل للقيادة تحت تأثير الكحول)، ومجال العلاقات الشخصية (خنت شريكي الرومانسي الذي ارتبطت بعلاقة عاطفية معه لأكثر من عام)، والمجال المادي (لديَّ ديون تتجاوز 5000 دولار على بطاقة الائتمان)، وما إلى ذلك. وكثيرًا ما وجدنا أن الذين يمارسون التفكير النقدي يمرون بعدد أقل من التجارب السلبية خلال حياتهم. وتُعَد هذه النتيجة مهمة نظرًا لوجود أدلة وفيرة على أن التفكير النقدي يمكن تَعلُّمَه وتطويره.

أيهما أفضل، أن تكون من المفكرين النقديين أم من الأذكياء؟ عقدتُ في بحثي الأخير مقارنةً بين التفكير النقدي والذكاء لمعرفة أيهما يصاحبه قدرٌ أقل من التجارب السلبية في الحياة. ووجدت أن الأشخاص الذين يتمتعون بدرجة مرتفعة من الذكاء أو التفكير النقدي، مروا بتجارب سلبية أقل خلال حياتهم، غير أن المفكرين النقديين أبلوا بلاءً حسنًا بدرجة أكبر.

يُعَدُّ الذكاء ورفع مستوياته من الموضوعات المثيرة التي تحظى بقدر كبير من الاهتمام، وحان الوقت لكي يتلقى التفكير النقدي قدرًا أكبر من ذلك الاهتمام. كتب كيث ستانوفيتش كتابًا كاملًا حول "ما تغفله اختبارات الذكاء" What Intelligence Tests Miss. عندما نصف شخصًا ما بالذكاء، فإن ما نعنيه هو قدرته على التفكير بمنطقية وعقلانية أكثر من كونه يتمتع بالمهارات المكانية والقدرة على حل مسائل رياضية. ناهيك بأن تحسين مستوى الذكاء أمر صعب؛ إذ يؤثر فيه العامل الوراثي تأثيرًا كبيرًا. أما التفكير النقدي فيمكن تحسينه بالتدريب، ويظل الشخص يتمتع بفوائده على مرّ الزمن. يستطيع أي شخص أن يحسِّن من مهاراته في التفكير النقدي، ونستطيع أن نجزم بأن فعل ذلك يُعَد أمرًا ذكيًّا.