لماذا لا يُجدي العلاج الكيميائي في أغلب الأحيان مع الأورام السرطانية؟.. ولماذا نُفاجَأ بأن شخصًا يقال إنه شُفي من الأورام، نكتشف بعد ذلك تجدُّد إصابته بها؟ كما حدث مع المطربة الفلسطينية "ريم البنا" التي قيل إنها انتصرت على السرطان الذي هاجمها في 2009، ليهاجمها من جديد في 2016، وتتوقف عن الغناء إلى أن توفيت في مارس 2018.

هذه الأسئلة شغلت تفكير فريق بحثي، تقوده "نجوى البدري"، مدير مركز التميز لأبحاث الخلايا الجذعية بمدينة زويل للأبحاث العلمية، فحاولوا الإجابة عنها من خلال فهم ما يحدث في البيئة المحيطة بخلايا الأورام السرطانية، ليكتشفوا من خلال البحث الذي عملوا عليه، وجرى نشره في دورية أبحاث الخلايا الجذعية (Stem Cell Research & Therapy) أن الخلايا السرطانية تؤثر على الخلايا السليمة القريبة منها، عبر إفرازات معينة، لتحولها إلى ما يشبه الخلايا السرطانية الجذعية (CSCs)، التى تصبح أكثر شراسةً في مقاومة العلاج.

وينجح الأطباء غالبًا في تقليص حجم الأورام، مستخدمين في ذلك طرقًا مختلفةً للعلاج، لكن ينتكس الكثير من المرضى، إذ تنمو الأورام من جديد.

وكان الباحثون في السابق يعتقدون أن ذلك ربما يعود إلى فشل طرق العلاج المستخدمة في القضاء على كامل الورم؛ إذ تتبقى نسبة قليلة من الخلايا السرطانية التي تحفز على نمو الورم مرةً ثانية، وهو ما يُعرف الآن بالخلايا الجذعية السرطانية، وفق عدد من الأبحاث العلمية الحديثة.

ووفق نتائج الدراسة الأخيرة، يؤدي هذا النوع من الخلايا أدوارًا مختلفة في تعديل تطور الورم، ونموه، وما يُعرف أيضًا بالنقائل السرطانية التي تنبثق عن الورم الأصلي وتنتقل إلى أعضاء الجسم الأخرى. ويتم تجنيد هذا النوع من الخلايا في موقع الورم، ويكون لها دور بيئي دقيق ومهم في عمليات تعديل تطور الورم ومدى الاستجابة للدواء.

ويرى الباحثون أنه ينبغي أن تُستهدف هذه الخلايا، بالإضافة إلى الخلايا السرطانية، للقضاء على الورم إلى الأبد.

اختبر الفريق البحثي -الذي يتألَّف من باحثين من عدة جامعات مصرية هي: مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، ومركز الكلى والمسالك البولية التابع لجامعة المنصورة، وقسم الحيوان في كلية العلوم بجامعة عين شمس- هذا التأثير للخلية السرطانية من خلال اختبارات معملية وُضعت فيها خلايا سرطانية أُخِذت من سرطانات الكبد والثدي وعنق الرحم مع خلايا سليمة، ليكتشفوا بعد 5 أيام أن الخلية العادية اكتسبت مواصفات الخلية الجذعية السرطانية.

صعوبة الاستجابة للعلاج

تتميز الخلايا الجذعية الجنينية بتعدُّد استعمالاتها، وقد عُزلت من الفئران أول مرة قبل عشرين عامًا. ينشأ هذا النوع من الخلايا في المراحل المبكرة من عمر الجنين، وتحديدًا الجزء الذي يتطور، في وقت لاحق، ليشكل ثلاث طبقات بدئية germ layers مميزة، تعطي في نهاية الأمر مختلف أنسجة الجسم.

وتحتفظ الخلايا الجذعية الجنينية بهذه القدرة الكامنة على إنتاج كل أنماط الخلايا في الجسم، وهو ما يُعرف بتعدُّد القدرات.

وكما تتميز الخلايا الجذعية العادية بقدرتها على الانقسام لتجديد نفسها، فإن الخلايا الجذعية السرطانية لها الخاصية نفسها، بما يجعل مقاومتها صعبةً واستجابتَها للعلاج محدودة، كما تؤكد البدري.

استدل الفريق البحثي على وجود الطبقات الثلاث الدالة على وجود الخلايا الجذعية السرطانية، وهي الإكتوديرم ectoderm، والميزوديرم mesoderm، الإندوديرم endoderm، ضمن الكرات الورمية وفي الخلايا السرطانية، تشدد البدري على الأمر بقولها: "هذا يدعم حقيقة تَحوُّلها إلى خلية جذعية سرطانية".

وتضيف في تصريحات خاصة لـ"للعلم"، أن هناك عدة شواهد أخرى جرى رصدها في البحث، تأكَّد لنا من خلالها حقيقة تأثُّر الخلايا السليمة المجاورة للخلايا السرطانية وتحوُّلها إلى خلايا تشبه الخلايا الجذعية السرطانية"، وتستطرد بأن أول هذه الشواهد هو رصدنا للجينات (الجذعية) oct4،sox2 ، nanog و(السرطانية)KRAS, HER2, CDK4,TP53 BRCA2, E2F3, APC, SMAD7, ABCB1، وكذلك (الجذعية السرطانية) ALDH1, ABCG2, CD90, NESTIN, PTEN, EpCam CD44+ , CD24-، في الخلايا التي كانت سليمة قبل أن توضع مع الخلايا السرطانية.

ووفق الدراسة، هناك أدلة قوية على أن الإفراط في التعبير عن جينات الخلايا الجذعية الجنينية يحدث في سرطانات الإنسان، وهو ذو صلة بتكوين الورم، وتكرار حدوثه، بعد العلاج الكيميائي أو العلاج الإشعاعي.

وتؤكد البدري أن ذلك سيكون مفيدًا في تعديل بروتوكلات العلاج، بحيث لا تركز فقط على الخلية المصابة، بل تشمل أيضًا البيئة المحيطة، وتضيف أن رصد جينات الجذعية السرطانية سيكون مهمًّا أيضًا في تصميم علاج يستهدف تلك الجينات، ولا ينتقل إلى الخلايا الجذعية السليمة، وهو نقطة مهمة تميز بها بحثنا عن الأبحاث السابقة.

ومن الشواهد الأخرى التي رصدها الفريق البحثي وتتحدث عنها البدري، هو زيادة الجينات السرطانية السابق ذكرها، وكذلك زيادة انتشار هذه الخلايا وتغلغلها في وجود ما يُعرف بـ"العامل الخلوي" TGF-β)) في الخلايا التي كانت سليمةً قبل أن تُوضع مع الخلايا السرطانية.

وتقول: "هذه العوامل التي وُجدت ترفع من قدرة الخلايا على تشكيل كرات ورمية، وهذه من صفات الخلايا الجذعية السرطانية".

كلمة السر

"خالد شحاتة" -أستاذ علاج الأورام بجامعة المنوفية- يعُدُّ هذا البحث استكمالًا لجهود عالمية بدأت قبل سنوات في محاولة لتفسير لماذا ينجح الأطباء في تقليص حجم الأورام باستخدام طرق مختلفة للعلاج، لكن فرحتهم بشفاء مرضاهم لا تدوم طويلًا، إذ تحدث للمرضى انتكاسة في كثير من الأحيان، وتنمو الأورام من جديد.

ويشير شحاتة -في تصريحات خاصة لـ"للعلم"- إلى دراسة دولية أجريت على سرطان الجلد في الفئران عام 2012، وخلص الباحثون فيها إلى أن الخلايا الجذعية السرطانية هي المسؤولة عن نمو الأورام، كما توصلوا إلى أهمية البيئة المجاورة للخلايا السرطانية في انتشارها وتوغلها.

 ولكنه يؤكد أن البحث الجديد الذي قادته "البدري" هو الأول الذي يُظهر الإسهام المباشر للخلايا السرطانية، من خلال إفراز عوامل قابلة للذوبان، تقوم بتغيير الخلايا السليمة، إلى خلايا شبيهة بالخلايا الجذعية السرطانية.

لكن شحاتة يتمنى أن يستكمل الفريق البحثي أبحاثه في محاولة لمعرفة المزيد عن هذه العوامل القابلة للذوبان، مؤكدًا أن ذلك ربما يساعد في حل المشكلة التي أشار إليها الفريق البحثي السابق، وهو أن الخلايا الجذعية السرطانية مشابهة جدًّا للخلايا الجذعية السليمة المسؤولة عن نمو أنسجة الجسم وتَجدُّدها، ومن ثَم قد يؤدي أي علاج يستهدف هذه الخلايا إلى تدمير الأنسجة السليمة.

ما تمناه شحاتة، يعكف عليه بالفعل الفريق البحثي، إذ يستكملون حاليًّا أبحاثهم لمعرفة طبيعة الإفرازات التي تصدرها الخلية السرطانية لتُحدث تغييرًا على المستوى الجزيئي في الخلايا السليمة المحيطة بها، فتحوِّلها إلى خلايا جذعية سرطانية، وفق تصريح البدري لنا.