في توجيهات بمجال الطب السريري، نُشِرت أواخر مايو الماضي، جرى الإعلان عمّا يمكن أن يكون التغيير الأكثر جذرية في علاج مرض السكري من النوع الثاني منذ قرن تقريبًا. وظهرت التوجيهات في مجلة دايابيتس كير (رعاية مرضى السكري ) Diabetes Care، الصادرة عن جمعية السكري الأمريكية، وقد أيدتها نحو 45 جمعية مهنية حول العالم، واقترحت اعتبار الإجراء الجراحي لإدخال تغيير على المعدة والأمعاء خيارًا قياسيًّا لعلاج المرضى الذي يناسبهم هذا الإجراء. ويأتي هذا التطوُّر عقب عدد من التجارب السريرية، التي بيّنت أن جراحة الجهاز الهضمي قادرة على تحسين مستويات السكر في الدم على نحو أكثر فاعلية من اتباع نظام حياتي معين أو التدخل الدوائي، حتى إنها تؤدي إلى اختفاء علامات المرض وأعراضه على المدى الطويل، ما يُعرف طبيًّا بسكون المرض remission.

كشخص عمِل في بحث طبيعة العلاقة بين جراحة الجهاز الهضمي وتوازن الجلوكوز، منذ أواخر تسعينيات القرن الماضي، شهدتُ بنفسي كيف استلزم الوصول لهذه النقطة تخلي العديد من العلماء المتخصصين في البحث السريري عن تصورات مسبقة طالما كانت سائدة. وفي الحقيقة، ظهرت هذه التوجيهات بعد ما يقرب من 100 عام من الملحوظات السريرية الأولى لإمكانية تحسين مرض السكري أو حتى حل المشكلة بعملية جراحية. إن وجود دليل يشير إلى أن بإمكان الجراحة تحفيز سكون المرض، الذي طالما اعتُبِر مرضًا يتعذر الشفاء منه، قد يعزز الدراسات التي تبحث في تحديد أسباب الإصابة بالسكري، وحتى تجديد الآمال لإيجاد علاج له. إلّا أنّ إحراز التقدُّم في المستقبل سيتطلب المزيد من التفكير الإبداعي وغير النمطي.

تحول سريري

تضاعف عدد البالغين المصابين بمرض السكري حول العالم أربع مرات، من 108 ملايين شخص في عام 1980 إلى 422 مليون شخص في عام 2014، ويعاني حوالي 90% منهم النوعَ الثاني من السكري –الذي أصبح سببًا رئيسيًّا للفشل الكلوي والعمى وتلف الأعصاب وبتر الأطراف والنوبات القلبية والسكتات الدماغية. وينجح أقل من 50% من الأشخاص المصابين بالنوع الثاني من السكري في ضبط مستويات السكر في الدم على نحوٍ كافٍ، عبر تغيير حميتهم الغذائية أو ممارسة الرياضة، أو عبر تعاطي الأدوية.

تشير جراحات السمنة أو إنقاص الوزن إلى العديد من الإجراءات. فعلى سبيل المثال، قد يلجأ الجراح إلى إزالة جزء من معدة الشخص أو تقسيم المعدة إلى جزأين، وتغيير مسار الأمعاء الدقيقة إلى الجزء الأعلى. ومنذ منتصف خمسينيات القرن الماضي، خضع الأشخاص ممن تخطى مؤشر كتلة أجسامهم (BMI) الـ40 لجراحة السمنة؛ لتحفيزهم على خسارة الوزن، وقد كان كثيرٌ منهم مصابًا أيضًا بالسكري، وتوصي التوجيهات الجديدة بأنّ يتم اعتبار مثل هذه الإجراءات (الجراحة الأيضية أو جراحة التمثيل الغذائي) خصيصًا لعلاج السكري لدى الأشخاص الذين لا يمكنهم السيطرة بشكل كاف على مستويات السكر في الدم باستخدام الوسائل الأخرى، ولمَن كان مؤشر كتلة أجسامهم أكبر من 30 (أو 27.5 للأشخاص من العرق الآسيوي). ولعل الأهم من ذلك، أنّ التوجيهات الجديدة تشير إلى أنّ القناة الهضمية المعدية المعوية تشكّل هدفًا بيولوجيًّا مناسبًا للتدخُّلات المصممة لعلاج السكري.

ويمكن القول إن هذه التوصيات تدل على التحوُّل الضخم عن النهج السائد في إدارة مرض السكري، منذ ظهور الإنسولين في عشرينيات القرن الماضي، وهي تستند إلى نتائج مجموعة كبيرة من الأبحاث والدراسات، تشمل 11 تجربة سريرية عشوائية، أجريت على مدى العقد الماضي. في هذه الدراسات، أُدرج معظم الأشخاص الذين عولجوا جراحيًّا (ما يصل إلى 80% منهم، في متابعة استمرت 5 سنوات بعد التجارب العشوائية) في واحدة من فئتين اثنتين، إمّا أن يدخل مرض السكري لديهم في حالة سكون واضحة، أو أن تستقر مستويات السكر في الدم عندهم باستخدام قدر أقل من الأدوية أو ممارسة الرياضة واتباع حمية غذائية محكومة السعرات الحرارية.

وعلى مستوى الدراسات غير العشوائية، والتي شملت أشخاصًا خضعوا للجراحة، وغيرهم ممن عولجوا بتدخلات قياسية، تبين أن الجراحة قد تقلل من الإصابة بالنوبات القلبية والسكتات الدماغية والوفيات الناجمة عن مرض السكري. كما أشارت عدة تحليلات اقتصادية إلى أن تكاليف الجراحة (تتراوح بين 20 ألف و25 ألف دولار أمريكي للجراحة الواحدة في الولايات المتحدة الأمريكية) يمكن استردادها في غضون عامين، من خلال خفض الإنفاق على الأدوية والرعاية الصحية.

إن تأثيرات الجراحة على مرض السكري كبيرة ومثيرة، وقد استغرق اكتشافها قرنًا من الزمن، منذ الملاحظات الأولى للتحسن الكبير للمرضى أو حدوث سكون السكري بعد العمليات الجراحية. وكانت إحدى العقبات الرئيسية، على ما يبدو، هي عدم وجود آلية مقبولة لشرح قدرة جراحة الجهاز الهضمي على علاج أعراض مرض السكري. فعلى مدى عقود، أجريت العديد من العمليات الجراحية –مثل استبدال الركبة ومفصل الورك، وإزالة الزائدة الدودية، أو حتى جراحات السمنة- دون الحاجة لتجارب سريرية عشوائية لتأكيد أنها أكثر فاعلية من الأساليب الأقل جورًا، ولكن يبدو بوضوح أن الجراحة تصلح ما تم كسره في تلك الحالات. ومع ذلك ، ففي حالة مرض السكري -وهو مرض مجموعي ينطوي على اختلالات وظيفية يشترك فيها البنكرياس والكبد والأنسجة العضلية والدهنية- كان من الأصعب بكثير تصوُّر ما بإمكان الجراحة إصلاحه، ولطالما اعتُبِرَ ’النموذج المرتكز على الدهون‘ adipocentric model عائقًا اصطلاحيًّا كبيرًا أمام تقبُّل فكرة استخدام العمليات الجراحية في علاج السكري. ويفترض هذا النموذج أن الدهون الزائدة تسبب الإصابة بمرض السكري، إما لأنها تؤدي إلى اضطراب عمل الكبد، أو تجعل الخلايا الأخرى مقاومة للإنسولين؛ لأنّ هذا النموذج يتوقع أن خفض الأنسجة الدهنية، بأي طريقة، بوسعه أن يخفف من أعراض مرض السكري، وقد أعطى فقدان الوزن بعد جراحة السمنة تفسيرًا مباشرًا للسكون المرتبط بالمرض. بالمثل، لقد كان غياب فهم الآلية -وعدم التوافق بين المشاهدات والتفكير النمطي السائد- هو ما أدى إلى تأخير وصف مسكّن الألم، الأسبرين، للأشخاص المصابين بمرض القلب في القرن العشرين، وعلى الرغم من أن المشاهدات السريرية في بداية خمسينيات القرن الماضي كشفت عن قدرة الأسبرين على منع الجلطات، إلّا أنّ التجارب واسعة النطاق لاختبار قدرة العقار على منع النوبات القلبية لم تبدأ سوى في سبعينيات القرن الماضي، بعد أن أثبتت التجارب قدرة الأسبرين على منع تجلط الدم.

ما نعلمه الآن هو أنّ التأثيرات الكبيرة للجراحة على السكري ليست فقط نتيجة لفقدان الوزن، إذ إن إحداث تغييرات على التركيب التشريحي للجهاز الهضمي يمكن أن يؤثر بشكل مباشر على توازن الجلوكوز. وعلى مدى العقد الماضي، توصلت الجهود المبذولة لتفسير هذه العلاقة إلى عدة آليات ممكنة. أولاها: أن الجراحة، على ما يبدو، تغيِّر كمية هرمونات الأمعاء وتوقيت إفرازها، بما يؤثر بدوره على إنتاج الإنسولين. كما تشير التجارب إلى أن الجراحة قد تزيد من إنتاج بعض أنواع الأحماض الصفراوية، التي تجعل الخلايا أكثر حساسية للإنسولين، أو تزيد من امتصاص خلايا الأمعاء نفسها للجلوكوز، وبالتالي تخفض مستويات السكر في الدم. إلى جانب ذلك، فإن التغيرات الناجمة عن العمليات الجراحية -مثل تغير تكوين ميكروبات الأمعاء، وكفاءة استشعار الأمعاء للمغذيات- بوسعها المساهمة أيضًا؛ إذ تستشعر الخلايا المبطِّنة للمعدة عناصر غذائية معينة، فترسل إشارات عصبية إلى مراكز الدماغ المعنية بتنظيم استقلاب الجلوكوز.

تغيير الفكر

تتطلب الاستفادة من هذه الأفكار الحديثة حول النوع الثاني من مرض السكري تحولًا في أسلوب التفكير، عبر طيف واسع من الرعاية الصحية والأبحاث.

إن ارتفاع تكاليف الجراحة والفريق الطبي المتخصص والمراكز الطبية، يجعل من الحل الجراحي لعلاج السكري من النوع الثاني حلًّا غير محتمَل للتصدي لهذا الوباء مستمر الانتشار؛ إذ ترتفع معدلات الإصابة بالسكري بسرعة في البلدان المنخفضة والمتوسطة الدخل، حيث يصعب توفير الجراحة لمعظم المرضى، ولكن إذا جرى التعامل مع الأمر بالشكل الصحيح، فإنّ إدراج العلاج الجراحي كأحد الخيارات، بوسعه أن يؤثر على الرعاية الصحية الخاصة بمرض السكري بشكل عام.

في الوقت الراهن، يُصاب الكثير من مرضى السكري والسمنة بخيبة أمل بعد محاولات العلاج المتتالية دون جدوى، لذا فإن مجرد المعرفة بالتحسن الممكن تحقيقه عبر الجراحة وحتى الوصول لسكون المرض، من شأنه أن يمنح بعضَ المرضى القوة. كذلك، لتحديد الأشخاص المناسبين للجراحة، يجب على مزودي الخدمات الصحية التأكد من أن الخيارات الأخرى قد باءت بالفشل، حتى يمكن تشجيع مزودي الخدمات الصحية والمرضى على التوجه إلى العلاجات التقليدية بمزيد من التصميم والحزم.

كما يجب أن يشكل التأييد الواسع للجراحة كخيار علاجي مصدر إلهام؛ من أجل البحث عن منهجيات جديدة في مجال البحوث، ويحاول الأطباء والباحثون بالفعل محاكاة تأثيرات جراحة الجهاز الهضمي باستخدام تدخلات أقل جورًا، على سبيل المثال، كشفت التجارب، التي أجريت في الأصل على الفئران، وكذلك العديد من الدراسات التي أجريت على البشر، أنّ حجب الإشارات المعوية الصادرة من الإثني عشر أو الأمعاء الدقيقة العلوية بوسعه تخفيف أعراض مرض السكري.

ويحقق أحد الأساليب ذلك عبر إدخال أنبوب إلى الأمعاء. صُمم هذا الأنبوب لمنع الاتصال بين المواد المغذية وبطانة الأمعاء الدقيقة العلوية ، ويحاكي هذا الأنبوب تأثيرات المجازة الجراحية surgical bypass، وقد تمت الموافقة على هذا الجهاز للاستخدام السريري في أوروبا وأستراليا. بينما يتضمن أسلوب آخر تمريرَ جهاز ملقّم ببالون عبر الفم إلى أسفل داخل الإثني عشر، حيث يُملَأ بماء ساخن لحرق (استئصال) البطانة الخلوية، ويجري حاليًّا التجهيز لتنفيذ تجربة سريرية على هذا الجهاز في أوروبا، كما تجري دراسة استخدام التدخلات الدوائية، التي تستهدف آليات الجهاز الهضمي المنظمة لعملية الاستقلاب (الأيض).

تشير قدرة جراحة الجهاز الهضمي في التأثير على توازن الجلوكوز وعكس الإصابة بداء السكري سريريًّا، إلى أنّه قد يكون بالإمكان تفسير المرض، ولو جزئيًّا، بأنّه ناجم عن خلل ما في الآليات التي تستخدمها الأمعاء لتنظيم عملية الاستقلاب. إن اختبار هذه الفرضية من شأنه أن يقدم رؤى حول سبل الوقاية من السكري وحتى تحقيق الشفاء منه.

على الرغم من النتائج المشجعة للتجارب السريرية والعمل البحثي على آليات الإشارات في مغذيات الأمعاء، لا يزال تغيير الصورة النمطية لمرض السكري، على أنه مرض مزمن لا شفاء منه وحالة ميؤوس منها ناجمة عن الدهون الزائدة، يتطلب بعض الخيال. وقد قال ألبرت أينشتاين ذات مرة إن الخيال أكثر أهمية من المعرفة. تكشف قصة الجراحة ومرض السكري مدى أهمية توفّر المطلبين معًا.

أُعيدَ إنتاج هذا المقال بإذن، ونُشر لأوّل مرة في 24 مايو 2016.