ستيفن إم. روث، الأستاذ في قسم علم حركة الجسم في جامعة ميريلاند، يشرح لنا هذا الأمر

حين تمارس أجسامنا التمارين الرياضية، نبدأ في التنفس بوتيرة أسرع، محاولين نقل المزيد من الأكسجين إلى عضلاتنا العاملة؛ إذ يفضل الجسم توليد معظم طاقته مستعينًا بالطرق «الهوائية»، أي من خلال استنشاق الأكسجين.
ومع ذلك، تقتضي بعض الحالات -كالفرار من حيوان يجرى وراءك، أو حملك وزنًا ثقيلًا- إنتاجَ الطاقة بسرعة أكبر من تلك التي تستطيع بها أجسامنا الحصول على الأكسجين بشكل مناسب.

 في هذه الحالات، تنتج العضلات العاملة الطاقة بشكل يُعرف بأنه «لا هوائي»، وتأتي هذه الطاقة من الجلوكوز، عن طريق عملية تحلُّل الجلوكوز glycolysis، وهى عملية يتفكك "أو يتأيَّض" فيها الجلوكوز ليتحول إلى مادة تسمى البيروفات pyruvate عبر سلسلة من الخطوات.

وعندما يكون لدى الجسم قدر وفير من الأكسجين، تنتقل البيروفات إلى مسار هوائي لكي تتفكك أكثر، مولدةً المزيد من الطاقة، لكن عندما يكون الأكسجين محدودًا، يحوّل الجسم البيروفات بشكل مؤقت إلى مادة تسمى اللاكتات، وهي مادة حمضية في طبيعتها، تساعد على تفكك الجلوكوز، وبالتالي يستمر إنتاج الطاقة.

 ويمكن أن تواصل العضلات العاملة هذا النوع من الإنتاج اللاهوائي للطاقة، بمعدلات مرتفعة لمدة تتراوح من دقيقة إلى ثلاث دقائق، تتراكم خلالها مادة اللاكتات لتصل إلى مستويات عالية في الجسم. وتمثل زيادة حموضة خلايا العضلات أحد الآثار الجانبية لمستويات اللاكتات العالية، جنبًا إلى جنب مع اضطراب مركبات أيضية أخرى . فأداء المسارات الأيضية ذاتها التي تسمح بتفكك الجلوكوز إلى طاقة يضعف في البيئة الحمضية.

وظاهريًّا، قد يبدو أن عملية إنتاج إحدى العضلات العاملة شيئًا يعمل على خفض قدرتها على القيام بمزيد من العمل هي نتيجة عكسية، ولكن في حقيقة الأمر، فإن هذه العملية بمنزلة آلية دفاع طبيعية للجسم؛ فهي تمنع حدوث تلف دائم في أثناء بذل هذا الجهد الشاق، من خلال إبطاء النظم الأساسية الضرورية للحفاظ على تقلص العضلات. وفور أن تنخفض سرعة الجسم، يبدأ توفر الأكسجين، وتتحول اللاكتات مرة أخرى إلى بيروفات، مما يتيح استمرار عملية التمثيل الغذائي الهوائية، وتوفر الطاقة اللازمة لتعافي الجسم من هذا الجهد الشاق.

وخلافًا للرأي السائد، فإن تراكم اللاكتات، أو ما يُعرف بحمض اللاكتيك، ليس مسؤولًا عن ألم العضلات في الأيام التي تعقب ممارسة التمرينات الشاقة، بل على العكس، إن إنتاج اللاكتات والمركبات الأيضية الأخرى في أثناء ممارسة المجهود الشاق يؤدي إلى الإحساس بالحرق، الذي غالبًا ما يكون الشعور به في العضلات النشطة.

وعلى الرغم من عدم وضوح أي المركبات الأيضية تحديدًا هو المسؤول عن ذلك، يدفعنا هذا الإحساس -الذي غالبًا ما يكون مؤلمًا- إلى التوقف عن إجهاد الجسم، ومن ثم بدء إجباره على فترة تَعافٍ، يتخلّص خلالها من اللاكتات والمركبات الأيضية الأخرى.

واكتشف الباحثون، الذين فحصوا مستويات اللاكتات بعد ممارسة التمرينات، ارتباطًا محدودًا له بدرجة ألم العضلات الذي يكون الشعور به بعد أيام قليلة. ويتسم الألم العضلي المتأخر، أو DOMS كما يطلق عليه أخصائيو الفسيولوجيا البدنية، بالألم الحاد في العضلات في بعض الأحيان، فضلًا عن فقدان القوة ومجال الحركة range of motion، وعادةً ما يصل إلى ذروته بعد 24 إلى 72 ساعة من ممارسة التمرينات الشاقة.

 ورغم أن السبب الدقيق وراء الألم العضلي المتأخر DOMS لا يزال مجهولاً، تشير معظم الأبحاث إلى وجود تلف فعلي في خلايا العضلات، وإطلاق متصاعد من مختلف المركبات الأيضية في الأنسجة المحيطة بخلايا العضلات. وتؤدي ردود الفعل هذه على التمرينات الشاقة إلى استجابة تصحيحية مصحوبة بالتهابات، تُسفر عن حدوث تورم وألم يبلغ ذروته بعد مرور يوم أو يومين من العمل الشاق، ويتلاشى بعد بضعة أيام، وفق شدة التلف.

في الواقع، يبدو هذا النوع من تقلص العضلات وكأنه العامل الرئيسي في حدوث الألم العضلي المتأخر DOMS. عند تمدُّد عضلة مقابل حمل وزن ما ثقيل -تخيل أن ذراعيك المثنيين يحاولان الإمساك بوزن ثقيل جدًّا- يسمى تقلص العضلة حينئذٍ بالتقلص اللامركزي.

وبعبارة أخرى، تنقبض العضلة بشكل نشط، في محاولة لتقصير طولها، غير أن تلك العملية تبوء بالفشل، وقد تبين أن تلك التقلصات اللامركزية ينتج عنها تلف في خلايا العضلات أكبر من ذلك الذي يحدث مع التقلصات النمطية متحدة المركز، والتي تقصر العضلة خلالها بنجاح في أثناء الانقباض ضد الحِمل ، ومن ثم، فإن التمرينات التي تنطوي على الكثير من التقلصات اللامركزية -مثل الركض على المنحدرات- سينتج عنها ألم عضلي متأخر أشد، حتى وإن لم يكن هناك أي إحساس ملحوظ بالحرَق في العضلات خلال التمرين.

ونظرًا لأن الألم العضلي المتأخر، الناتج عن ممارسة التمرينات الشاقة، أمرٌ شائع للغاية ، يبحث أخصائيو الفسيولوجيا البدنية عن الدور المحتمل للأدوية المضادة للالتهابات وغيرها من المكملات الأخرى، للوقاية من هذه الآلام العضلية وعلاجها، غير أنه لا توصيات نهائية في الوقت الراهن. ورغم أن الأدوية المضادة للالتهابات تبدو وكأنها تخفف من ألم العضلات -وهذا شيء جيد- إلا أنها يمكن أن تحد من قدرة العضلة على علاج التلف، وهو الأمر الذي قد تترتب عليه آثار سلبية على وظائف العضلة في الأسابيع التالية لممارسة الأحداث الشاقة.