لماذا ينام الفأر فترةً قد تزيد خمس مرات عن عدد ساعات نوم الفيل؟ ولماذا ينام الأطفال فترةً أطول من البالغين؟ وهل يرتبط حجم مخ الكائنات بفترات نومها؟ ومتى بالضبط تسمو إحدى مهمات النوم أو وظائفه على غيرها من المهمات والوظائف؟

تلك التساؤلات المفتوحة حاولت الإجابة عنها دراسة نشرتها دورية "ساينس أدفانسيس" (Science Advances)، وأجراها باحثون في معهد "سانتا في" الأمريكي.

صمم الباحثون نموذجًا كميًّا، هو الأول من نوعه، باستخدام بيانات من البشر والثدييات الأخرى، لمعرفة أسباب تبايُن أوقات النوم عبر الأنواع المختلفة وفي مراحل النمو المختلفة، ومدى علاقة النوم بزيادة حجم الدماغ، كما أجروا تحليلًا إحصائيًّا لـ60 دراسة تتناول النوم.

يقول فان سافاج -أستاذ الأحياء في جامعة كاليفورنيا والأستاذ الزائر بمعهد "سانتا في"، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": أزعم أن النوم ربما يخدم وظائف متعددة، منها إجراء بعض الإصلاحات العصبية وإعادة التنظيم العصبي خلال مراحل النوم المختلفة، ولكن ما الذي يُكسب إحدى مهمات النوم أولويةً على حساب مهمة أخرى؟ وكيف يتغير ذلك مع تقدُّم العمر أو تغيُّر حجم الدماغ؟ ولماذا؟ أعتقد أن هذه طريقة مختلفة لطرح الأسئلة، وتمثل اتجاهًا مهمًّا لفهم وظيفة النوم في المستقبل. وإذا كانت الدراسات السابقة قد عكفت على البحث عن الاختلافات في وقت النوم في الثدييات، فإن هذا البحث يربط العلاقات التطورية بين الأنواع وتطور الكائن الحي مع تقدم العمر في إطار موحد.

تنقسم أوقات النوم إلى نوعين: نوم "حركة العين السريعة" (REM) وهو نوع يرتبط بالأحلام وترسيخ الذكريات وتعزيز الدوائر الدماغية والتعلم، والثاني هو نوم "حركة العين غير السريعة" (NREM)، الذي يعيد الجسم في أثنائه إصلاح أنسجته وبناء العظام والعضلات وتقوية جهازه المناعي.

في أثناء نوم حركة العين السريعة يعمل المخ على تقوية الوصلات العصبية التي تعزز ترسيخ القدرة على أداء وظائف مثل التعلُّم وترسيخ الذكريات، أما خلال "نوم حركة العين غير السريعة"، فيعمل المخ على إصلاح الضرر العصبي الذي تتعرض له الجينات والخلايا العصبية والبروتينات.

يضيف "سافاج": رغم أن هناك سجالًا علميًّا كبيرًا دار حول مدى نقص عدد ساعات النوم أو زيادتها مع تقدُّم العمر أو حجم الدماغ أو حجم الجسم، ولكن لم تجرِ مناقشة ما هو معدل هذه الزيادة أو النقصان. وتُظهر نظرياتنا الرياضية أن الطريقة الصحيحة لرسم البيانات وتحليلها هي في الواقع النظر إلى النسبة المئوية لإجمالي وقت النوم المخصص لنوم حركة العين السريعة، والنظر في العلاقة بين وقت النوم ووقت الاستيقاظ. اتضح أن نوم حركة العين السريعة مسؤول بشكل أساسي عن إعادة التنظيم/التعلم الذي يهيمن على التطور المبكر للكائنات، في حين يتولى نوم حركة العين غير السريعة عملية الإصلاح اليومي التي لا تتوقف طوال الحياة.

لاحظ الباحثون أن نوم "حركة العين السريعة" يتراجع مع تقدم العمر، وأن هذا التراجع يبدأ في سن الـ2.4 عامًا؛ إذ يحدث تغيُّر مفاجئ في طبيعة النوم، الذي يتحول من نوم "حركة العين السريعة" المسؤول عن إعادة التنظيم إلى نوم "حركة العين غير السريعة" المسؤول عن عمليات الإصلاح اليومي للأنسجة والعضلات وتقوية الجهاز المناعي؛ إذ تتراجع نسبة ساعات نوم "حركة العين السريعة" من 50% في مرحلة ما بعد الولادة إلى حوالي 25% عند بلوغ سن العاشرة، وإلى ما بين 10 إلى 15% عند بلوغ سن الـ50.

يقول "سافاج": من ناحية أخرى، تُظهر القياسات الأولية للحيوانات الأخرى قيد النمو (الأرانب والجرذان وخنازير غينيا) أوجه تشابه مع نوم الإنسان، ولكن من السابق لأوانه القول ما إذا كانت جميع صغار الثدييات تتبع التحوُّل الحاد نفسه أم لا.

ويتابع: نود الحصول على مزيد من البيانات حول أنواع أخرى من الكائنات، حتى خارج الثدييات وربما قبل الولادة. بالإضافة إلى ذلك، نود التفكير في النماذج التي تتعامل صراحةً مع كيفية "تنافُس" وظائف النوم المختلفة على وقت النوم. وسيكون من الجيد التعمُّق أكثر في علم الأعصاب وجانب التعلُّم منه، وتفاصيل ما يحدث مع نمو الدماغ ومع حدوث هذا الانتقال بين أنماط النوم.