في عالمنا المعاصر، نتعامل مع غرباء عنَّا بصورة يومية دون أن نسأل أنفسنا عن السبب الذي يدفعنا للتبرع بالدم لأناس لا نعرفهم، أو التبرع لمؤسسات خيرية لا نعرف ما هي محطة الوصول الأخيرة التي ستُوصِل إليها هذه التبرعات.

لكن دراسة حديثة أجراها فريق من الباحثين بجامعة "بنسلفانيا" الأمريكية ونشرتها دورية مجلة  "كارنت بيولوجي (Current Biology) اليوم "الخميس"، 20 سبتمبر، حاولت فك طلاسم "الرغبة في العطاء"، مشيرةً إلى أن "الطبيعة المرنة للتعاون البشري أشبه بالعدوى التي تنتقل بين البشر، فعندما يكون المرء كريمًا، فإنه قد يصيب مَن حوله بعدوى الكرم؛ إذ يصاب مَن حوله بالكرم ويصبحون اكثر تعاونًا وعطاءً".

أجرى الباحثون أطروحتهم على قبيلة "هادزا"، التي يعيش أفرادها حياةً بدائيةً على ضفاف بحيرة "إياس" شمال تنزانيا، ولا تربطهم أي علاقة بوسائل التكنولوجيا من كهرباء وهواتف أو سيارات، ويقضون معظم أوقاتهم في صيد حيوان "البابون"، الذي يُعَد وسيلتهم الوحيدة للحصول على الطعام، ما يعني أن اختيار الـ"هادزا" لم يكن عشوائيًّا باعتبارهم أحد أواخر الشعوب المتبقية على كوكب الأرض الذين يعيشون نمط حياة مماثلًا للطريقة التي عاش بها أسلافنا لملايين السنين.

يقول "كريستوفر سميث" -أستاذ علم النفس بجامعة بنسلفانيا والباحث الرئيسي في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة استمرت 6 سنوات، واخترنا إجراءها على أبناء قبيلة "هادزا" لبُعدهم عن مظاهر المدنية الحديثة، وتبيَّن من نتائج البحث أن استعداد الأفراد للمشاركة بسخاء يتوقف بشكل أقل على الفرد ويعتمد بصورة أكبر على المجموعة التي شاء قَدَره أن يعيش معها".

زار الباحثون 56 موقعًا يعيش فيها أبناء الـ"هازدا" لقياس مستويات التعاون بشكل دوري بين أبناء القبيلة، الذين يعيشون حياةً متقلبة جدًّا أقرب ما تكون إلى حياة "البدو".

يضيف "سميث" أن "الجماعات التي يعيش فيها أبناء القبيلة تتغير بشكل مستمر، وغالبًا ما يشعرون بالقلق من عدم وجود ما يكفي من الطعام لإطعام أنفسهم وعائلاتهم. ويواجهون حالة القلق تلك بمشاركة الطعام فيما بينهم داخل مخيماتهم؛ إذ يُعَد ذلك أحد أهم مستويات التعاون التي تساعدهم على ضمان البقاء في ظروف الحياة الصعبة التي تضمن لهم العيش على الكفاف. وهم يفعلون ذلك في عالمٍ خالٍ من مؤسسات الحكومة المركزية (مثل الشرطة والمحاكم) أو المعتقدات الخاصة بالعقاب".

خلال تلك الزيارات، طُلِب من حوالي 400 شخص من البالغين من جميع الأعمار ممارسة لعبة تعتمد على المشاركة. وفي العادة، فإن هذه اللعبة تعتمد على تَقاسُم الأموال لتحفيز السلوك التعاوني وقياس رغبة الفرد في تَقاسُم الأموال مع المجموعة أو الاحتفاظ بها لنفسه، لكن الباحثين استبدلوا بالأموال العسل؛ نظرًا لعدم استخدام أبناء القبيلة للمال في تعاملاتهم الشرائية.

يقول "سميث": أعتقد أن الطريقة التي تميز بها البحث هي أننا كنا قادرين على قياس التعاون مرارًا وتكرارًا بين الأفراد خلال فترة زمنية تمتد لست سنوات تَنقَّل فيها أبناء القبيلة بحرية بين المخيمات. إذ تقتصر الدراسات التي تُجرى في المختبرات على قياس التعاوُن عادةً في فترة زمنية واحدة فقط أو في مجموعات جرى إنشاؤها بشكل مصطنع. والمثير للدهشة أننا نجد أن أبناء القبيلة غيَّروا استعدادهم للتعاون من عام إلى عام لمضاهاة المخيمات التي كانوا ينتقلون إليها، بل والتحكم السلوكي في درجة التعاون. وانتهينا إلى أن المشاركة تحركها معايير وسلوك المجموعات وليس طبيعة الفرد فقط.

في بداية الدراسة، مُنح كل شخص أربع عبوات من العسل، بحيث يكون من حقه الاحتفاظ بها أو مشاركتها مع مَن حوله، ثم جرت زيادة الكمية إلى ثلاثة أضعافها، وأظهرت الدراسة أن سلوك الأفراد فيما يتعلق بالرغبة في العطاء اختلفت وفق طبيعة السلوك العام داخل المعسكر.

يشير "سميث" إلى أن الباحثين توقعوا "عدم تغيُّر سلوك الأفراد بتغيُّر الأشخاص الذين يشتركون في الإقامة معهم"، مضيفًا: "اكتشفنا أن الناس ليس لديهم ميل ثابت للتعاون، ويتأثرون بدلاً من ذلك بمَن حولهم؛ فإذا كان الشخص محاطًا بأشخاص أنانيين، فإنه يميل إلى التعامل معهم بالطريقة نفسها التي يعاملونه بها، ولو كان الشخص محاطًا بمجموعة من الكرماء، فإنه يتأثر بهم ويصبح أكثر عطاءً وتعاونًا، والعكس أيضًا صحيح؛ إذ يمكن لسلوك الفرد أن يؤثر فيمن حوله وأن ينقل لهم عدوى الكرم".