تُعد قدرة الموسيقى على إحداث مشاعر البهجة والسرور في نفوس معظم المستمعين أمرًا معروفًا، لكن الكيفية التي تجعل الأشخاص يشعرون بتلك المشاعر الإيجابية لا تزال محلًّا للبحث العلمي؛ إذ لا يعرف العلماء على وجه الدقة السبب وراء تلك المشاعر التي ترتبط بالاستماع إلى الموسيقى.

وكانت دراسات سابقة قد أظهرت أن الشعور بالمتعة المُصاحب للاستماع إلى الموسيقى قد يكون منبعه مجموعة من الدوائر العصبية الدماغية التي تشترك في تقييم الدماغ للحوافز والمكافآت، ويعني ذلك أن الموسيقى تقوم بتنشيط تلك الدوائر بطريقة تجعل الشخص يشعر بالسرور، تمامًا كما لو تلقَّى قطعةً من الشوكولاتة أو قُدم له طعامٌ جيد.

وفي دراسة نشرتها دورية "JNeurosci"، اليوم "الإثنين" 29 مارس، حاول الباحثون التأكد من تلك الفرضية ودراسة السبب وراء تحفيز الموسيقى لتلك الدوائر ورصد نشاطها في أثناء الاستماع إلى الموسيقى.

للتأكد من الفرضية، طبق الباحثون التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة على قشرة الفص الجبهي الظهرية اليسرى، كما استخدموا أيضًا التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي في 17 مشاركًا من الذكور والإناث.

وفي إطار سعى الباحثين لتحديد الدور السببي لهذه الدوائر العصبية باستخدام تحفيز الدماغ غير الجراحي الذي يعزز نشاط الخلايا العصبية في الدماغ من خلال محفزات دوائية أو كهربائية أو مغناطيسية، استمعت تلك المجموعة -وهي من محبي موسيقى البوب- ​​إلى مجموعة من أشهر الأغاني، في حين قام فريق البحث بقياس نشاط الدماغ باستخدام الرنين المغناطيسي الوظيفي، قبل الفحص، عمل الفريق بشكل غير مباشر على إثارة دائرة المكافأة في الدماغ أو تثبيطها عن طريق التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة.

من الناحية السلوكية، وجد الباحثون أن إثارة تلك الدوائر عززت من شعور المشاركين بالمتعة لدى الاستماع إلى الموسيقى، في حين أدى تثبيط الدائرة نفسها إلى تقليل أثر الموسيقى على النفس.

يقول إرنست ناس هيريرو -الباحث المتخصص في علم الأعصاب الإدراكي، والمشارك في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": تلك الدوائر مسؤولة بشكل سلوكي عن المشاعر الإيجابية المُصاحبة للاستماع إلى الموسيقى، وأبلغ المشاركون بشكل ذاتي عن "تزايُد شعورهم بالسرور والفرح بعد تحفيز الدوائر الدماغية".

وعلى الرغم من عدم وجود فوائد بيولوجية واضحة للاستماع، يحب البشر الموسيقى، وتسلط تقنيات التصوير العصبي الضوء على أوجه التشابه بين كيفية معالجة دوائر المكافأة في الدماغ للموسيقى والمكافآت الأخرى مثل الطعام والمال والكحول.

يضيف "هيريرو": كشفت نتائج الدراسة أن التفاعلات بين المناطق السمعية والمكافأة -أي تبادل النشاط- يدفعنا إلى الشعور بالسعادة عند الاستماع إلى الموسيقى، وتُشارك دوائر دماغية معينة في معالجة المكافأة، لكن لطالما ظن العلماء أن أنظمة المكافأة يتم تنشيطها مع الملذات ذات الصلة البيولوجية، مثل الطعام أو الجنس.

ويتابع: لم نكن نعرف هل كانت هذه الدوائر تسبب بالفعل المتعة التي قد نشهدها مع الاستماع للموسيقى أيضًا أم أنها كانت تستجيب فقط كنتيجة لتلك المتعة؟ وقد كشفت الدراسة وجود رابط سببي بين الموسيقى والدوائر الدماغية المسؤولة عن نظام المكافأة.

كما كشفت النتائج أيضًا أن الجوانب المجزية للموسيقى تعتمد على الاتصال بين نواة الدماغ المتكئة -وهي المنطقة المسؤولة عن نظام المكافأة- والمناطق القشرية عالية المستوى المشاركة في المعالجة السمعية المتقدمة، إجمالًا، تشير هذه النتائج إلى أن مشاركة تلك النواة وتفاعلاتها مع المناطق القشرية السمعية تدفعنا إلى الشعور بالسعادة عند الاستماع إلى الموسيقى.

وأظهرت مجموعة كبيرة من الأبحاث أن الموسيقى أداة فعالة لتعديل الحالة المزاجية وتنظيم العواطف وتقليل التوتر أو القلق أو الاكتئاب، كما أنها تساعد على خلق الروابط الاجتماعية وتقويتها؛ فعل سبيل المثال، أجرى بعض مؤلفي الدراسة الحالية دراسة منفصلة للتحقق من فائدة الاستماع للموسيقى في أثناء الموجة الأولى من جائحة كوفيد-19 من خلال جمع البيانات من أكثر من ألف فرد من البلدان الأكثر تضررًا آنذاك، وهي الولايات المتحدة الأمريكية وإسبانيا وإيطاليا، ومن بين الأنشطة المختلفة التي تم اختبارها، والتي شملت التمرين والطهي والقراءة والموسيقى، اختار الأشخاص الموسيقى في أغلب الأحيان باعتبارها أفضل نشاط للتعامل مع الضيق النفسي المرتبط بالإغلاق وأزمة كوفيد-19.

وبشكل ملحوظ، ارتبطت الساعات التي قضاها المشاركون في الأنشطة المتعلقة بالموسيقى في أثناء الإغلاق بانخفاض أعراض الاكتئاب، وتوسطت في هذا الارتباط قدرة الموسيقى على إثارة مشاعر قوية من المتعة، وتتفق نتائج الدراسة الحالية -التي استمرت لمدة خمس سنوات كاملة- مع نتائج الدراسة السابقة في أن الموسيقى هي وسيلة مهمة لتحسين الرفاهية.

وتُعد تلك الدراسات إضافةً إلى فهمنا لوظيفة الدماغ وكيف يتعامل مع المنبهات المعقدة والمجردة مثل الموسيقى، وقد يكون لها أيضًا آثار سريرية محتملة؛ إذ إن العديد من الاضطرابات العاطفية مثل الإدمان والاكتئاب تتميز بخلل في تنظيم دوائر المكافأة، ولذلك، فإن إظهار قدرة الموسيقى على تعديل نظام المكافآت يفتح آفاقًا جديدة للتدخلات المستندة إلى الموسيقى في المستقبل في المواقف التي قد تحتاج فيها هذه الدوائر إلى التنظيم، كعلاج الإدمان والاكتئاب.