منذ 40 عامًا، وُلد أول طفل أنابيب في العالم داخل أروقة مستشفى أولدهام الملكية بالمملكة المتحدة، معلنًا بداية ثورة تقنية جديدة في علاج العقم، وتسهيل ولادة ملايين الأطفال حول العالم.

وقد استُحدثت تلك التقنية لعلاج العديد من مشكلات العقم المعروفة لدى النساء والرجال، مثل انسداد قناتي فالوب، وبطانة الرحم المهاجرة، واختلال عملية التبويض، وفشل المبيض المبكر، والأورام الليفية الرحمية لدى المرأة، وقلة عدد الحيوانات المنوية أو ضعف حركتها لدى الرجل.

ومن أشهر التقنيات المساعِدة على الإنجاب، التلقيح الصناعي (IVF)، وهي دورة يتم خلالها إعطاء هرمونات منشطة لعملية التبويض لدى المرأة وجمع البويضات الناتجة عن ذلك وتلقيح إحداها بالسائل المنوي للرجل، لتُنقل بعد ذلك بويضة ملقحة أو أكثر إلى رحم الأم ليستكمل الحمل دورته المعتادة.

ولكن لوحظ ارتفاع احتمالية الحمل المتعدد بأكثر من جنين عند اللجوء لتلك التقنية، ما يتسبب بدوره في مخاطر عدة، مثل وفيات الجنين، والإجهاض، والولادة المبكرة، وانخفاض الوزن عند الولادة.

وكان من المتعارف عليه منذ بعض الوقت أنه من الأفضل نقل جنين واحد إلى رحم المرأة في أثناء عمليات الإنجاب المساعدة (ART) بدلًا من نقل العديد من الأجنة؛ من أجل تجنُّب هذه المخاطر. ومع ذلك، وُجد أنه حتى عند إجراء عملية نقل جنين واحد (SET)، لا تزال بعض النساء يحملن بتوأمين أو حتى ثلاثة توائم.

قام باحثون من كلية الطب جامعة جونتيندو باليابان بنشر دراسة حديثة في دورية هيومان ريبرودكشن human reproduction، تُعَد الأكبر من نوعها، لتحليل معدل الانقسام الخلقي للأجنة بعد نقل جنين مفرد إلى رحم الأم، وذلك بعد رصد 992,232 حالة حمل مسجلة من خلال الجمعية اليابانية لطب النساء والتوليد، جرى نقل جنين مفرد لها، في الفترة بين عامي 2007 و2014؛ لتحليل معدل انتشار الانقسام الجنيني المؤدي إلى ولادة التوائم، والعوامل المؤدية إليه.

في هذه الدراسة ، قام الباحثون بتحديد حالات الحمل الناجمة عن الانقسام الحقيقي للزيجوت، والتي تجاوز فيها عدد الأجنة عدد الأكياس الحمليّة. وينتج الزيجوت أو البويضة المُلقّحة عندما يقوم الحيوان المنوي بتخصيب بويضة المرأة، ويحتوي على كل المعلومات الوراثية من كلا الوالدين لتشكيل فرد جديد. وسرعان ما يبدأ في الانقسام وتقسم إلى خلايا أخرى كثيرة تسمى القسيم الأريمي blastomeres، والتي تشكل الجنين في نهاية المطاف.

وتحدث عملية الانقسام الجنيني بين اليومين الثاني والسادس، عندما ينقسم الزيجوت عادةً إلى قسمين، ثم يتطور كلٌّ منهما إلى جنين، مما يؤدي إلى توائم متماثلة (أو ثلاثة توائم إذا قسمت إلى ثلاثة). وتُعرف هذه التوائم باسم "أحادي الزيجوت" سواء كانوا توأمين أو ثلاثة.

قد يكون من الصعب تحديد ما إذا كان الحمل المتعدد قد حدث بعد الانقسام الحقيقي للزيجوت أو كنتيجة لنقل جنين مفرد إلى جانب حدوث اتصال جنسي، مما يؤدي إلى إخصاب بويضة أخرى في الوقت نفسه. والطريقة الوحيدة للتأكد هي استخدام الموجات فوق الصوتية لمعرفة ما إذا كان هناك كيس حمل واحد أو أكثر وكشف الجنين أو الأجنة عبر ضربات القلب.

لماذا اليابان؟

تشتهر اليابان بارتفاع معدل دورات التلقيح الصناعي مقارنةً بباقي دول العالم. ففي عام 2015، سجلت اليابان أنه بين كل 20 طفل يُولد، هناك طفل واحد جاء إلى العالم باستخدام إحدى التقنيات المساعدة على الإنجاب (ART).

وفي عام 2008، أوصت الجمعية اليابانية لطب النساء والتوليد باستخدام تقنية نقل جنين مفرد خلال دورة التلقيح الصناعي، عوضًا عن نقل عدة أجنة، وذلك للحد من احتمالات حدوث حمل متعدد الأجنة.

يشير "أوسامو إيشيهارا" -رئيس قسم طب النساء والتوليد بجامعة سايتاما الطبية باليابان، وباحث مستقل عن الدراسة- إلى هذا الإجراء بأنه من أفضل الإجراءات التي يجب اتباعها في المستقبل عند استخدام وسائل الإخصاب المساعد، معلِّلًا ذلك لـ"للعلم" بأنه "عندما انتقلت اليابان إلى زراعة جنين مفرد في التلقيح الصناعي، انخفضت مضاعفات الحمل والولادة بوضوح؛ وذلك لانخفاض معدلات الحمل متعدد الأجنة".

وأوضحت الدراسة أنه مع ازدياد عدد حالات نقل جنين مفرد خلال دورات التلقيح الصناعي من 52.5% في عام 2007 ليصل إلى 80.1% في 2015، انخفض معدل حدوث الحمل المتعدد إلى 3.2% بعد أن كان 10.7% من إجمالي حالات الحمل باستخدام وسائل الإخصاب المساعدة.

ولتحسين فرص الحمل عند نقل جنين مفرد، استخدم الخبراء عددًا من تقنيات تطويع الأجنة، ومنها، إذابة الأجنة المجمدة، والتي يُستخدم خلالها أجنة مجمدة تم تلقيحها والاحتفاظ بها في حال أراد الأبوان إجراء تلقيح صناعي للإنجاب مرة أخرى، وكذلك تقنية زراعة الجنين في مرحلة الكيسة الأرمية، وهي نقل الجنين إلى رحم الأم عند اليوم الخامس من التلقيح الصناعي، وثَقب جدار الجنين لمساعدته في الانغراس ببطانة رحم الأم بسهولة. يقول "كيجي كيورودا"، مدير قسم أبحاث الزرع والمناظير بمركز أبحاث طب الإخصاب والزرع بعيادة سوجياما باليابان، وباحث رئيس بالدراسة: "تلك الأساليب مهمة لاختيار أكثر الأجنة ملاءمةً لنقلها إلى رحم الأم وزيادة فرص الحمل باستخدام جنين مفرد".

لا يزال السبب مجهولًا

في هذا الإطار، أشارت دراسات سابقة إلى أن تلك التقنيات قد تكون من الأسباب الرئيسية لحدوث الحمل المتعدد بعد نقل جنين مفرد إلى رحم الأم في عمليات الإخصاب المساعدة.

لكن الدراسة الأخيرة، التى نحن بصددها، تُظهر أن السبب الحقيقي لا يزال مجهولًا؛ فقد وجد الباحثون أن الحمل المتعدد بعد نقل الجنين في التلقيح الصناعي لا يحدث فقط عند انقسام الجنين المفرد، بل ينتج أيضًا عند حدوث جماع بين الزوجين في وقت نقل الجنين المفرد إلى الرحم، متسببًا في حمل متعدد الأجنة. كما أظهرت الدراسة أنه في حين زادت معدلات استخدام تقنيات تطويع الأجنة على مستوى العالم، لم تزدد معدلات الحمل المتعدد في المقابل بذات النسبة.

وتُظهر الدراسة أن معدل انتشار حالات الحمل متعددة الأجنة بعد نقل جنين مفرد شكل 1.6% من إجمالي حالات الحمل باستخدام الوسائل المساعدة/ منها 1.56% توائم ثنائية و0.04% توائم ثلاثية متطابقة. ويُعَد هذا المعدل أعلى من معدلات الحمل بتوائم متطابقة في حالات الحمل الطبيعي، التي تشكل نسبةً تتراوح بين 0.4 و0.45% من حالات الحمل عالميًّا. يعلق "كيورودا" على ذلك قائلًا: "قد يكون اختيار الأجنة باستخدام اختبار تحليل الصور الزمني المتقطع باستخدام الكمبيوتر، ونقل الجنين في مرحلة الانقسام، أحد الحلول لتقليل مخاطر انقسام الأجنة والحمل المتعدد".

وتشير الدراسة إلى أنه يجب على الأطباء أن يفكروا فيما إذا كان عليهم تقديم المشورة للأزواج حول الزيادة الصغيرة في احتمالية حدوث حمل متعدد، والذي قد يرتبط بوسائل تطويع الأجنة. كما أوضحت الدراسة أن عدم وجود وسيلة للتحقق من صحة البيانات المقدمة من العيادات في نظام التسجيل الحالي في اليابان قد شكل تحديًا كبيرًا لهم عند إجراء الدراسة.

وتشمل القيود التى واجهت القائمين على الدراسة للتحقق من كافة البيانات، حقيقة أن بيانات سجلات اليابان لعمليات الإخصاب المساعدة فيما يتعلق بنقل أجنة مجمدة جرت إذابتها لم تتضمن معلومات عن طرق التحفيز المبيضي والإخصاب، كما لم يجرِ تضمين المعلومات المتعلقة بثقب جدار الجنين لمساعدته على الالتصاق بجدار الرحم بسهولة أكبر، في السجل حتى عام 2010؛ إذ لم يكن لدى الباحثين أي وسيلة للتحقق من صحة ما إذا كانت المعلومات المقدمة إلى السجل صحيحة، والدراسة الأخيرة هي للمراقبة، وبالتالي لا يمكن إثبات أن إجراءات وسائل الإخصاب المساعدة تتسبب في انقسام الأجنة.

وعند سؤال "إيشيهارا" عن كيفية إصلاح ذلك داخل نظام التسجيل الياباني لعمليات الإخصاب المساعدة، رد على "للعلم" قائلًا: "هذا سؤال صعب للغاية"، موضحًا أنه ما من نظام تسجيل لديه طريقة للتحقق المطلق من البيانات.

وأضاف: "لقد سمعت العديد من القصص عن خداع البيانات لسجلات ART في العديد من البلدان، حيث يتم فتح بيانات العيادات الخاصة للجمهور"، مؤكدًا أن السجل الياباني لحالات الإخصاب المساعد لا ينشر بيانات العيادات الفردية على الإطلاق، مما يسهم في تقنين تقديم بيانات مغلوطة.