فجّرت دراسة مصرية أُجريت حول فاعلية عقار "إيفرمكتين" (Ivermectin) في علاج مرض "كوفيد-19" الذي يسببه فيروس كورونا المستجد، جدلًا واسعًا بين الأوساط العلمية حول العالم، بعدما أعلنت منصّة "ريسيرش سكوير" (Research Square) سحبها، بسبب مخاوف جدية بشأن دقة محتوى الدراسة وسلامة النتائج.

الدراسة التي أجراها باحثون بجامعة بنها، بقيادة أحمد الجزار، أستاذ الأمراض الصدرية وعميد كلية طب بنها الأسبق، ورئيس تحرير مجلة جامعة بنها الطبية، على 600 شخص، أفادت أن مرضى عولجوا بالمستشفى من "كوفيد-19" وتلقوا عقار "إيفرمكتين" مبكرًا أبلغوا عن تعافيهم، وأن هناك تحسُّنًا كبيرًا وتراجُعًا في معدل الوفيات بالمجموعات المعالَجة بالعقار، بلغت نسبته 90%، مقارنةً ببروتوكول وزارة الصحة المصرية لعلاج المرض.

و"إيفرمكتين" هو عقار مُدرج بقائمة أدوية أساسية عالمية لعلاج العديد من الأمراض الطفيلية، يُستخدم في علاج داء كلابية الذنب (العمى النهري) وداء الأسطوانيات وأمراض أخرى تسببها الديدان المنقولة بالتربة، كما يُستخدم لعلاج الجرب، وفق موقع منظمة الصحة العالمية.

وحتى اللحظة، لا توصي منظمة الصحة العالمية باستخدام "إيفرمكتين" لعلاج "كوفيد-19"؛ إذ قصرت استخدامه على التجارب السريرية فقط، في حين ذكرت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) أنها لم تعتمد هذا الدواء كعلاج أو للوقاية من "كوفيد-19"، مضيفةً أنه ليس مضادًّا للفيروسات، وأن تناوُل جرعات كبيرة منه أمرٌ خطير، وأكدت معاهد الصحة الوطنية الأمريكية أنه لا توجد بيانات كافية للتوصية باستخدامه في علاج "كوفيد-19".

"للعلم" تكشف عبر هذا التحقيق أسباب أزمة سحب الدراسة وأبعادها وتداعياتها، وما ورد فيها من نتائج، ولماذا أثيرت هذه الضجة الكبيرة حولها، وما الدروس المستفادة من تلك الأزمة.

بداية الحكاية

ورغم أن الدراسة منشورة على منصة "ريسيرش سكوير" منذ شهر نوفمبر 2020، لكن المنصّة أعلنت سحبها في 14 يوليو 2021، بعد جدل كبير أُثير حول نتائجها، وأضافت المنصّة أن "هذه المخاوف هي الآن قيد التحقيق الرسمي"، وتهتم المنصة بعرض الأبحاث العلمية التى لا تزال في مرحلة ما قبل النشر في المجلات المتخصصة، ما يعني أن الدراسة لم تخضع بعدُ للمراجعة والتدقيق من قِبل الباحثين الأقران.

واتخذت المنصّة قرارها بعدما قدّم إليها طالب ماجستير بريطاني يُدعى جاك لورنس مجموعةً من الأدلة العلمية تتعلق في مجملها بأن مقدمة الورقة البحثية بأكملها منسوخة من مصادر مختلفة، كما أن فريق الدراسة استخدم قاموس المرادفات اللغوية لتغيير بعض الكلمات لتبدو وكأنها أصلية، بالإضافة إلى أن ما لا يقل عن 70 من سجلات المرضى هي نسخ واضحة لسجلات مرضى آخرين، بمعنى أنه يتم تكرار نسخ سجلات المرضى أكثر من مرة، لزيادة حجم العينة المشاركة في الدراسة، ليتوالى عشرات الباحثين حول العالم لمناقشة النتائج المثيرة للجدل.

وردّ "الجزار" بأن هذه الضجّة مفتعلة وغير منطقية؛ لأن البحث لم يُنشر بعدُ في مجلة علمية، كما أن "ريسيرش سكوير" منصّة متخصصة لاستطلاع آراء المجتمع العلمي، والباحث له حق الرد والتصويب ونشر بحثه أو عدم نشره، وفق قوله.

وعن المبالغة في نتائج البحث حول فاعلية "إيفرمكتين" في علاج "كوفيد-19"، أضاف في حديث لـ"للعلم" أن النتيجة التى انتهى إليها البحث غير مُبالَغ فيها، وخصوصًا عند استخدام العلاج مع الحالات المكتشَفة مبكرًا مع بداية المرض، مشددًا على أنه في بداية التجارب المعملية على حيوانات التجارب التي أُجريت في الفترة من يناير 2020 حتى 14 مارس 2020، كانت النتائج 99.8% بعد أول 24 ساعة من تلقي العلاج، وبذلك حصل العقار على موافقة (FDA) في مارس 2020 لاستخدامه في التجارب المعملية، قبل إجراء تجارب سريرية على البشر.

وحول مقدّمة البحث، قال "الجزار": "إنه من المعروف علميًّا أن مقدمة البحث تحتوي على آراء مَن سبقونا من الباحثين، ولا بد في نهاية الفقرة من ذكر اسم صاحبها في المراجع الخاصة بالبحث، بحيث لا تتعدى نسبة الاقتباس من الباحث الواحد 15%، وهذا أيضًا ينطبق على بحثنا"، نافيًا أن يكون قد استخدم قاموس المرادفات اللغوية لتغيير بعض الكلمات في البحث، متهمًا "لورنس" باستخدام بيانات لا تخص الدراسة، مشيرًا إلى تلك البيانات التي يُسمح بإرسالها فقط إلى المجلة العلمية التي تتولى نشر البحث بناءً على طلب من الناشر.

أسباب سحب البحث

من جانبه، أوضح رامي كرم عزيز -مدير وحدة أبحاث الميكروبيولوچيا والمناعة في مستشفى 57357- الموقف الرسمي للمنصّة حول هذا الأمر؛ إذ كان قد ناقشه مؤخرًا مع رئيسة تحرير "ريسيرش سكوير"، ميشيل أفيسار-وايتنج، ، بصفته (عزيز) عضوًا للمجلس الاستشاري للمنصّة، مؤكدًا أن "ريسيرش سكوير" ليست مجلة علمية، ولكنها منصة مخصصة للأبحاث ما قبل النشر، مهمتها مشاركة المخطوطات العلمية ومناقشتها ومتابعة مراجعة الأقران لها قبل الموافقة على نشرها في المجلات العلمية.

وأضاف في حديث لـ"للعلم" أن "ريسيرش سكوير" شريك لمؤسسة "سبرنجر نيتشر" (Springer-Nature) وجميع المجلات الخاصة بها، إذ يعرض على جميع المؤلفين إيداع أوراقهم في أثناء المراجعة، حتى لو تم رفضها لاحقًا، وتوفر المنصة جميع إصدارات ما قبل الطباعة في أثناء تطورها".

وعن أسباب سحب البحث من المنصّة، قال "عزيز": إن الباحث الذي فجر القضية وكان قد حصل على نسخة من البحث، تواصل مع منصة "ريسيرش سكوير"، وكانت حججه جادة ومفصّلة، لذلك قرر مكتب تحرير المنصّة سحب نسخة البحث التمهيدية لحين التحقيق في الأمر؛ لأنه لا يمكن للمنصّة إصدار "حكم" على الفور بشأن البحث قبل إجراء تحقيق مستقل، موضحًا أن "ريسيرش سكوير" ليست ناشرًا أو مجلة يمكنها مخاطبة الجامعة رسميًّا للتحقيق في قضية أخلاقية بشأن البحث.

وحول مدى تكرار تلك الواقعة، أشار "عزيز" إلى أنه نادرًا ما يُسحب بحثٌ منشورٌ على "ريسيرش سكوير"؛ لأن المنصّة -بحكم تعريفها- تنشر الأبحاث قيد التنفيذ والبيانات قيد المراجعة، ومع ذلك، عندما يتعلق الأمر بمنتج بحثي يؤثر القرار بشأنه في صحة الإنسان وحياته، فإن سحب البحث هو الإجراء الأكثر أمانًا بحيث لا يُستخدم أحد استنتاجات الأبحاث ما قبل الطباعة في الممارسة السريرية، وهي في حد ذاتها ممارسة خطأ للغاية؛ لأنها تتعارض مع الجوهر، والأدلة العلمية التي تتطلب مراجعة الأقران.

لماذا حدثت الضجّة؟

نادرًا ما تحوز مسودة بحثية غير مُحكّمة كل هذا الاهتمام، ولكن الموقف مختلف مع هذه الدراسة لعدة أسباب، وفقًا لـ"إسلام حسين"، الباحث المتخصص في علم الفيروسات، وكبير الباحثين في شركة ميكروبيوتكس، المتخصصة في تطوير الأدوية المضادة للميكروبات.

وأضاف لـ"للعلم" أن أحد أبرز الأسباب هو أننا ما زلنا نعيش في أسوأ جائحة فيروسية عرفها البشر في تاريخهم الحديث، ما دفع العديد من الناس للتعلق بأي أمل، وهذه المرة يأتيهم الأمل في هيئة علاج مزعوم متوافر ورخيص السعر، ووفق النتائج التي يدعيها مؤلف الدراسة، فإن "إيفرمكتين" يأتي بنتائج سحرية تتعدى نسبة نجاح 90٪.

وتابع أن هناك جدلًا محتدمًا في الكواليس العلمية والسياسية حول "إيفرمكتين"؛ لأن أغلب الدراسات السريرية التي أُجريت عليه صغيرة الحجم نسبيًّا، ولم تأتِ بنتائج إيجابية واضحة، الأمر الذي دفع الهيئات الصحية -كمنظمة الصحة العالمية ومراكز بحوث الصحة الوطنية الأمريكية- إلى عدم التصريح باستخدام هذا الدواء خارج نطاق التجارب السريرية، كما أن الشركة المنتجة نفسها (أكبر مستفيد من بيع الدواء) لم توصِ باستخدامه في علاج مرضى "كوفيد-19".

ورأى "حسين" أنه عندما تأتينا دراسة إيجابية النتيجة أُجريت على عدد كبير نسبيًّا من المرضى، بالتأكيد سيكون لها تأثيرٌ كبيرٌ وصل إلى درجة الاستشهاد بها في أوراق علمية عديدة مُحكّمة منشورة في دوريات علمية مرموقة، مشيرًا إلى أنه لو تم تجاهل دراسة "الجزار" والاكتفاء بكل الدراسات الأخرى التي لم تُظهر فاعليةً كبيرةً للعقار، بالتأكيد لن يكون هناك أي مشجِّع لاستخدامه.

وبالإضافة إلى النواحي العلمية، هناك زاوية سياسية أخرى زادت الجدل الدائر حول هذا الدواء، وفقًا لـ"حسين" وهي أن هناك حركات مناهضة للقاحات استخدمت الضجة المثارة حول فاعلية "إيفرمكتين" لتضليل الناس وتشجيعهم على عدم تلقِّي التطعيم بحجة توافر "علاج ناجع"؛ إذًا نحن أمام حالة فريدة من نوعها لا يجب التعامل معها على أنها مجرد مسودة علمية غير مُحكّمة، إذ تعامل عدد كبير من الأطباء مع "إيفرمكتين" بقدر كبير من الحماس وتبنوه بقوة في بروتوكولاتهم العلاجية لمرضى "كوفيد-19"، وبُني هذا الحماس الزائد على دراسات تجريبية معملية أفادت بأن العقار له تأثيرٌ مثبطٌ لدورة تناسُخ فيروس كورونا في المزارع الخلوية، وبطبيعة الحال لكونه دواءً قديمًا ومتوافرًا بأسعار في المتناول، كان هذا مسوِّغًا كافيًا بالنسبة لهم دفعهم لوصفه في كل روشتة تقريبًا.

"عزيز" وافقه الرأي، مؤكدًا أن خطورة هذه الدراسة بالتحديد تكمن في أنّها تؤثر على الپروتوكولات المتّبعة بالفعل لعلاج "كوڤيد-19"، ومن المؤسف أنّ بعض الجهات الصحية في عدة بلدان قد استندت إليها لإضافة العقار المذكور إلى خطط علاج مرضاها، وإن كان هذا الدواء ليست له أضرار كبيرة، وهو بالفعل معتمد لعلاج الطفيليات، إلا أنّ الجرعات المقترحة لعلاج "كوڤيد-19" جرعات أكبر كثيرًا مما اعتمدته الجهات الرقابية حول العالم، أضف إلى ذلك أنّ أيّ دواء يُظنّ أنّه "يعالج" المرض بالقضاء على الڤيروس أو التقليل من تكاثره يجب أن يُستخدم في الأيام القليلة الأولى منذ وقوع الإصابة، وعادةً لا يعرف الشخص أنّه إيجابي إلا بعد مرور تلك الأيام.

وبدوره ألقى "عزيز" الضوء على خطر آخر يمكن أن ينجم عن استخدام هذا العقار أو غيره دون أدلة دامغة، هو أنّه يعطي طمأنينةً وهميةً للمريض والطبيب على السواء، وربما يستبدل بأدوية أخرى أكثر فاعليةً لأنها مرتفعة الثمن أو صعبة المنال مثل الأجسام المضادة المتاحة حاليًّا للعلاج المبكر.

ونوَّه بأن هذه الواقعة يجب ألا تمنع الباحثين من وضع أبحاثهم على منصّات ما قبل النشر "Preprints"؛ لأن هذه المنصات ببساطة تمكِّن الشخص من متابعة جميع الإصدارات المبكرة والبيانات المتاحة والتعليقات المفتوحة من قِبل عدد كبير من العلماء والأطباء.

الطب المبني على الدليل

هناك بُعد آخر، وهو أن فريق البحث ذكر أن الدراسة تنتمي إلى الدراسات العشوائية المحكومة (Randomised Control Trial)، وهي نوع مهم وحاسم من الدراسات في الطب؛ لأنها توفر الدليل الأكثر موثوقيةً على فاعلية التدخلات العلاجية.

يقول محمد سعيد الشيمي، أستاذ جراحة المسالك البولية بكلية طب قصر العيني جامعة القاهرة، المحرر والمُحكّم في أكثر من 70 مجلةً دوليةً مصنّفة في "سكوبس" و"ويب أوف ساينس" (web of science): "لكي تُستخدم أي طريقة علاجية أو تشخيصية جديدة لا بد أن تُثبت بالدليل العلمي عبر دراسات مختلفة، تهدف إلى إثبات فاعلية الدواء وعدم وجود آثار جانبية قد تمثل خطرًا على حياة المرضى.

ويضيف لـ"للعلم": رغم أن إحدى أبرز فوائد منصّات "Preprints" سرعة عرض أفكار البحث على المجتمع العلمي، وسرعة التفاعل معها وتدقيقها، لكن مشكلاتها أن بعض المستخدمين يمكن أن يستخدم المحتوى ويستشهد به، وهو ما تحقق في البحث "الجزار"؛ إذ استشهد كثيرٌ من الأبحاث المرجعية ذات التحليل البعدي (Meta-analysis) بالبحث، وخلصت إلى نتائج حول فوائد "إيفرمكتين" في علاج "كوفيد-19".

وتابع أن الأبحاث العلمية تنقسم من حيث قوتها كدليل علمي إلى عدة أقسام، يأتي في مقدمتها أبحاث الـ(Meta-analysis) وكذلك الدراسات العشوائية المحكومة، التي لا بد لها من اشتراطات قوية يجب تحقيقها، حتى نستطيع أن نأمن لنتائجها ونستخدمها في الممارسات الطبية، وهذه الاشتراطات تم جمعها في مصطلح (CONSORT)، وتُطبقها الآن جميع المجلات العلمية وترفض أي دراسة لا تحقق هذه الشروط.

أما الدراسات المرجعية، وفقًا لـ"الشيمي"، فإنها في الأغلب تعتمد على تجميع نتائج الدراسات العشوائية المحكمة وتحليلها، ولكن أيضًا لا يتم ضم هذه الدراسات إلى التحليل البعدي إلا بعد أن يتم تقييم كل دراسة على حدة ومعرفة مدى تطبيقها لشروط (CONSORT) والتي تبلغ تقريبًا 25 شرطًا.

وعن مدى مطابقة نتائج دراسة "الجزار" لشروط (CONSORT)، قال "الشيمي" إنها لم تحقق أغلب الشروط المطلوبة للدراسات العشوائية المحكمة، وهذا ما يفسر عدم نشرها في أي مجلة علمية رصينة لمدة تقارب العام، رغم أننا في فترة يتسابق فيها كل العالم للدراسات حول علاج "كوفيد-19".

وأوضح أن الدراسة لم تذكر على سبيل المثال طريقة تحديد حجم العينة (عدد المرضى) (Sample size)، ولا طريقة اختيار المرضى عشوائيًّا لإحدى المجموعات الست (Method of randomisation)، كما لم تحدد طريقة عمل التوزيع العشوائي الطبقي (Stratified randomisation) وتقسيم المرضى وفق أعراض المرض بين خفيفة وشديدة قبل التوزيع على المجموعات، بالإضافة إلى عدم تحديد كيفية الحفاظ على سرية التوزيع لإحدى المجموعات إلى حين انضمام المريض إلى الدراسة (Concealment)، كما لم تذكر إذا كان المريض أو الطبيب يعرفان نوع العلاج عند التقييم (Blinding)، كما لم تحدد الدراسة الفترة الزمنية بين بداية الأعراض وبداية العلاج، وكذلك الفترة الزمنية بين التشخيص بتحليل (PCR) وبداية العلاج، وهذه النقطة مؤثرة في النتائج تأثيرًا بالغًا، وفق قوله.

صراع شركات الأدوية

"الجزار" ذكر في معرض رده على الانتقادات الموجهة إلى بحثه، أن ذلك يُعد "تشهيرًا وحلقة جديدة في سلسلة حرب شركات الدواء العالمية، وأنه جرى تسييس الموضوع، وتصويره على أنه يخص مَن يحاربون اللقاحات والعلاجات الموثوق بها حول العالم".

لكن "الشيمي" قال إنه لا يجوز تصوير الموضوع على أنه صراع لشركات الأدوية، لأنه لا تزال هناك عشرات الأبحاث الضعيفة على "ريسيرش سكوير" تؤيد استخدام "إيفرمكتين" ولم يتم سحبها، وفي الوقت نفسه هناك أبحاث قوية منشورة في مجلات علمية دولية قوية تبين عدم جدوى ذلك العقار.

وأشار إلى أنه جرى سحب دراسة مرجعية أجرت تحليلًا بعديًّا لعدد من الدراسات التي تؤيد استخدام "إيفرمكتين" من مجلة (Frontiers in Pharmacology)، وهي مجلة علمية دولية قوية، وعلّلت المجلة ذلك باعتماد الدراسة على مجموعة من الدراسات الضعيفة في الدليل العلمي، ما يجعل الاستنتاج النهائي غير صحيح، وكان من الدراسات التي استشهد بها فريق الدراسة المسحوبة، بحث "الجزار".

في حين ذكر "حسين" أن دراسة "الجزار" تلقت اتهامات قوية تستند إلى دلائل واضحة ومحددة يعرفها جيدًا العاملون في مجال البحث العلمي، تراوحت بين انتحال فقرات كاملة، وعدم وضوح بروتوكول التجربة، وتزوير بعض النتائج، وخرق للنظم الأخلاقية التي تُقنّن التجارب على البشر، لذلك ننتظر من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في مصر تفسيرات بخصوص بروتوكول الدراسة ومطابقته للقواعد المتعارف عليها في التجارب الإكلينيكية، مشددًا على أن أي سيناريو آخر للتعامل مع هذه الأزمة سيُلقي بظلال كثيفة تضر بسمعة الباحثين المصريين وتؤثر سلبيًّا على فرصهم في النشر الدولي، والدراسة بالخارج أو التعاون مع الهيئات البحثية الدولية.

تحقيق مستقل

محمد الشناوي، مستشار وزير التعليم العالي والبحث العلمي المصري للعلاقات والاتفاقيات الدولية، قال: إن الوزير خالد عبد الغفار يتابع الأمر، وتم تكليف لجنة أخلاقيات البحث العلمي في المجلس الأعلى للجامعات، وهي جهة مستقلة، بعد أن حصلت على نسخة من البحث، للتحقيق ومراجعة ما نُشر عنه وملابساته وخلفياته، والتأكد من صحة ما تم نشره عن الورقة، رغم أن هذا البحث لم يُنشر بعد في مجلة علمية، ولم يخضع للمراجعة العلمية.

وأضاف لـ"للعلم"، أنه يجب تأكيد أن الوزارة تحقق في القضية؛ لأن الأمر هنا يتعلق بسُمعة البحث العلمي في مصر، خاصةً بعد النجاح الذي تحقق هذا العام، باحتلال مصر المرتبة الأولى على مستوى أفريقيا في النشر العلمي الدولي.

"الشناوي" تابع أن الوزارة شكّلت من قِبل لجنة للتنسيق بين الناشرين الذين ينجزون أبحاثًا حول "كوفيد-19"، على مستوى الجامعات المصرية والمراكز البحثية، لتقديم المساعدة، والتشبيك بين مختلف الباحثين لتوحيد الجهود والارتقاء بجودة الأبحاث المنشورة عن المرض، وأن هذه اللجنة ما زالت قائمة، وأن ثمرة جهودها ظهرت في ورقتين بحثيتين جرى نشرهما حول اللقاح المصري المضاد لـ"كوفيد-19".

وأشار إلى أن الوزارة لا تراجع المحتوى البحثي الذي تنجزه الفرق بمختلف تخصصاتها في مصر، لأن ذلك لا يحدث في أي دولة حول العالم، فهذه مهمة المجلات العلمية المحكمة التي تدقق في تفاصيل الأبحاث التي تقبلها للنشر، لكنها تضع أسسًا تتفق مع أخلاقيات وآداب البحث العلمي والملكية الفكرية، وتتدخل فقط للتحقيق في حال وجود مخالفة كالبحث المذكور، وتعلن النتائج بعد انتهاء التحقيق.

قصة مُكرّرة

الجدل المثار حول "إيفرمكتين" هو قصة مكرّرة، وفقًا لـ"الشيمي"، تعيد إلى الأذهان جدلًا أثير في بداية أزمة كورونا حول عقار "هيدروكسي كلوروكوين" الذي يُستخدم لعلاج الملاريا، إذ سارع بعض الأطباء إلى وصفه للمرضى معتمدين على دراسات ضعيفة لا ترقى لتكون دليلًا علميًّا، بل أصبح بعض الأطباء يعتمدون على ملحوظاتهم في علاج المرضى، فلو أعطى العقار لـ100 مريض، وتم شفاء 85 منهم، فإنه يستنتج أن العقار مفيد بنسبة 85%، وهذا مخالف للواقع؛ إذ إن هذه النسبة مساوية لنسبة الشفاء دون تعاطي أي علاج.

وتابع: "بعدها توالت الأبحاث التي تم نشرها في أقوى المجلات العلمية، التي تنفي أي فائدة لـ"هيدروكسي كلوروكوين" في علاج "كوفيد-19"، لكن ظل بعض الأطباء على عنادهم ويدعون أن نتائج هذه الدراسات غير صحيحة، وأنها تأتي ضمن صراعات شركات الأدوية، بل وصل الأمر إلى اتهام هيئة الغذاء والدواء الأمريكية بالفساد، وكذلك اتهام منظمة الصحة العالمية بالفساد، كل ذلك لإصرار البعض على وصف الدواء وإنكار الأدلة العلمية، والقصة ذاتها تتكرر الآن مع "إيفرمكتين".

"حسين" وافقه الرأي، مضيفًا أنه من المعروف في الدوائر العلمية عن الخصائص الدوائية لعقار "إيفرمكتين" أنه لكي يؤتي التأثير العلاجي المرجو منه لمرضى كورونا، يجب أن يُستخدم بتركيزات عالية، قد تؤدي إلى آثار جانبية غير محسوبة، لذلك لا يجب أن نتعامل معه بمنطق إن لم ينفع فلن يضر، نحن في حاجة ماسة إلى كل لقاح أو دواء فعال، ونأمل بالطبع أن يكون لعقار "إيفرمكتين" تأثيرٌ إكلينيكيٌّ جيد، ولكن النتائج المتاحة حتى الآن لا ترجح كفة استخدامه، وهناك دراسة كبيرة تُجريها حاليًّا جامعة أكسفورد لتقييم فاعلية "إيفرمكتين"، ونأمل أن تأتي بنتيجة تحسم هذا الجدل.

دروس مستفادة

أحمد مصطفى -أستاذ المعلوماتية الحيوية وعلم الجينوم في الجامعة الأمريكية بالقاهرة- رأى أن الجدل العالمي الذي أُثير حول بحث "الجزار" سيكون له آثارٌ سلبية من المحتمل أن تستمر مدةً من الوقت.

وأضاف لـ"للعلم"، أن "الواقعة ستؤثر على مصداقية الباحثين المصريين التي سوف تتراجع، سنبذل المزيد من النضالات لنشر دراساتنا في المجلات الدولية، ناهيك بالتحيز الموجود بالفعل من قِبل بعض المحررين والمراجعين ضد الباحثين من المنطقة العربية، وتابع أنه مع واقعة كهذه وحالات أخرى مماثلة، من المتوقع أن يزداد الوضع سوءًا، ومن المتوقع أيضًا أن تُحجم مجموعات دولية عن إقامة تعاون مع الباحثين المصريين".

لكن في الوقت ذاته، أكد "مصطفى" أن هناك دروسًا مستفادةً من الأزمة، أولها ضرورة أن يكون هناك تفهمٌ وتقديرٌ لأهمية وجود محللي بيانات وإحصائيين مدربين جيدًا على متن الدراسات الطبية، بالإضافة إلى إدراك مدى جدية الامتثال للوائح لجنة الأخلاقيات المستقلة (IRB) -وهي نوعٌ من اللجان تهتم بأخلاقيات الأبحاث عن طريق مراجعة الأساليب والطرائق المستخدمة في بحثٍ ما، لتضمن كون تلك الأبحاث أخلاقية- وعلى القدر نفسه من الأهمية، سيتم إيلاء الاهتمام لأهمية التعلم واعتماد الأدوات والتقنيات التي تعزز البيانات المفتوحة (open science)، عبر وضع البحث العلمي والبيانات في متناول جميع مستويات المجتمع.

جريمة أخلاقية

من جانبه، رأى سامح سيد سعد -مدير برنامج بيولوجيا الأورام في مستشفى سرطان الأطفال 57357- أنه إذا كانت السرقة جريمةً تعاقب عليها جميع القوانين، فإن توصيف السرقة هو سلب الممتلكات المادية للغير بعلمه أو في غفلة منه، وبشكل مباشر تندرج السرقات للمحتويات العلمية تحت بنود السرقات التي لا يعاقب عليها القانون الجنائي، على الرغم من ضررها الواضح.

وأضاف لـ"للعلم": "بالإضافة إلى الجريمة الأخلاقية المتعلقة بسرقة مجهود الغير وإبداعاته المعرفية دون ذكر المصدر، أعتقد أن تلك السرقات تقوض مبدأ البحث عن الحقيقة الذي يكرسه المنهج العلمي؛ فكيف لباحث يحاول أن يخبرنا بالجديد عن الكون وهو غير قادر على بذل الجهد اليسير لكتابة جمل جديدة تعبر عن اكتشافاته أو تمهد للحديث عنها؟ كيف إذًا للمتلقي أن يثق بالمحتوي العلمي إذا كان وصف ذلك المحتوى يحدث عن طريق السرقة؟".

وتابع "سعد" أن هذا السلوك لا يعبر فقط عن ثقافة اتخاذ أقصر الطرق لدى الباحث، بل يضرب في أسس المحتوى العلمي وسلامته، وهو أسوأ طريقة لإعداد أجيال من الباحثين الجدد.

واختتم حديثه: "أود أن أضيف نقطة مهمة، وهي أن أي بحث أو مقال يوضع في نطاق النشر أو القراءة المفتوحة، سواء كان محكمًا بواسطة الأقران أو غير محكم، لا بد أن يراعي أسس البحث العلمي وأخلاقياته، وأن يتضمن معلومات وصياغات محققة بلا اقتباسات مسروقة وبلا غش علمي، وإذا كان الناس ينظرون إلى الباحثين العلميين بقدر من التبجيل والثقة، فالأحرى بنا أن لا نخون تلك الثقة؛ حتى لا نفقدها".