مع بداية جائحة كوفيد-19، وما فرضته من تباعد اجتماعي، وجدت سارة عبد الحفيظ وقت فراغ أكبر مما اعتادت في السابق، فقررت إعداد المخبوزات والحلوى في المنزل لشغل وقتها من ناحية واستجابةً لطلبات أبنائها المستمرة، تقول "سارة" إنها أقبلت على الأمر وأبدعت فيه بصورة غير مسبوقة، وفق وصفها، وبالأخص في المخبوزات، وتضحك كلما تذكرت كمية الدقيق التي استخدمتها منذ بداية إجراءات التباعد الاجتماعي، ومن أجل تحسين جودة ما تصنعه أقبلت على استخدام محسِّنات الخبز.

هل تعرفين مكوِّنات محسِّن الخبز الذي تستخدمينه؟

سؤال احتارت "سارة" في الإجابة عنه، فهي لم تفكر في الأمر من قبل، وقالت: "تصورت أنها مثل المواد الرافعة الأخرى التي تؤدي إلى ارتفاع مستوى الخبز أو الكيك،  ولم أفكر في البحث عن محتواها، فقد اشتريتها من خلال إحدى الصفحات على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، بعد ما قرأته من استحسان لدورها في تحسين المنتج، وهو الأمر الذي أكده العطار أيضًا، وفق قولها، ولكن مؤخرًا انتابني الفزع بعد معرفتي بحظر مادة برومات البوتاسيوم المستخدمة في تحسين الخبز، على الفور رميت ما لديَّ من مخزون، وما يرعبني حقًّا أنني لا أعرف هل قد استخدمتها بالفعل أم لا؛ لأنني كنت أشتريها في كيس غير مدون عليه المكونات.

الغرامة والحبس عقوبة الاستخدام

في منتصف شهر فبراير الماضي، أصدرت الحكومة المصرية قرارًا بحظر استخدام مادة برومات البوتاسيوم في إنتاج المخبوزات، بسبب آثارها الصحية الضارة، ونشرت الجريدة الرسمية قرار وزارة التموين والتجارة الداخلية رقم 31 لسنة 2021، ونص القرار على معاقبة مستخدميها ممن يخالفون القرار الجديد، وهو ما أثار التساؤلات حول هذه المادة وآثارها الصحية المتوقعة.

"استخدام برومات البوتاسيوم في إنتاج الخبز البلدي".. شائعة نفاها المركز الإعلامي لمجلس الوزراء في بيان صدر يوم 18 فبراير الماضي، للرد على ما تم تداوله في هذا الشأن عبر مواقع التواصل الاجتماعي، نقلًا عن وزارة التموين والتجارة الداخلية.

وتضمَّن قرار وزارة التموين المنشور في الجريدة الرسمية بتاريخ 13 مارس 2021 أنه يحظر على أصحاب المخابز السياحية والبلدية ومحال الحلوى استخدام مادة برومات البوتاسيوم في إنتاج المعجنات والمخبوزات، وأن مَن يخالف القرار يُعاقب وفقًا لما نصت عليه المادة 5 من قانون رقم 281 لعام 1994، على أن يتم ضبط المادة وإعدامها.

قال حسين منصور -رئيس مجلس إدارة الهيئة القومية لسلامة الغذاء في مصر- في تصريحاته لـ"للعلم": إن برومات البوتاسيوم مادة خطرة، وتم منعها بناءً على الأبحاث الدولية المنشورة عن أثرها الصحي الضار الذي ربما يكون مسرطنًا، وبناء عليه تم تطبيق القرار في مصر، ومضيفًا أن  الهدف من القرار تشديد عقوبة استخدامها.

وفق القانون تتولى هيئة سلامة الغذاء في مصر متابعة تنفيذ القرارات الصادرة بخصوص حظر بعض المواد الضارة، من خلال حملات التفتيش والجولات الميدانية على الأسواق، التي يتم من خلالها سحب عينات من المواد الغذائية وتحليلها داخل المعامل المتخصصة؛ للتأكد من خلوها من المواد الضارة أو وجودها بالكميات المسموح بها وفق القانون المنظم لهذه الأمور.

ويعاقب قانون الغش التجاري الصادر عام 1979 كل مَن يضع مادة محظورة أو مواد بكميات أكبر من المسموح به في السلع الغذائية بالحبس لمدة سنة واحدة، وغرامة تقدر بحوالي 10 آلاف جنيه أو بإحدى العقوبتين، وفي حالة تكرار المخالفة تُضاعف العقوبة لتصل إلى الحبس لمدة ثلاث سنوات، وغرامة تصل إلى 50 ألف جنيه.

ما هي برومات البوتاسيوم؟

وفق هناء سالم ، مدرس في قسم بيولوجيا الفم بكلية طب الأسنان جامعة المنيا، تعتبرمادة برومات البوتاسيوم عاملًا مؤكسدًا قويًّا، مما يجعلها تُستخدم في صناعات مختلفة، وأكثر استخداماتها شيوعًا في المخبوزات، ويرجع ذلك إلى أنها تعتبر محسِّنَ دقيق قويًّا يُسَرِّع من عملية التخمر، ويقوي العجين ويجعله كثيفًا، ويسمح بارتفاع أعلى للخبز أو الكيك ويُكسبه اللون الذهبي المستحب، موضحةً أنه يُشار إليها في المكونات بالرموز KBrO3  E924، ولكن  يجب الأخذ في الاعتبار أن بعض الشركات لا تكتب جميع الإضافات المستخدمة، وتضيف: أما بالنسبة للجهات الرقابية فيمكنها الكشف عن وجود هذه المادة في الدقيق أو الخبز بتحليل عينات منها، وهناك طرق مختلفة مثل استخدام مقياس الطيف الضوئي الذي يمكنه تحليل المواد ومعرفة مكوناتها.

هناء سالم ، مدرس في قسم بيولوجيا الفم بكلية طب الأسنان جامعة المنيا  Credit: Hanaa Salem 

وأوضحت "سالم" أن الضرر المتوقع لمادة برومات البوتاسيوم هي احتمالات التسبب في زيادة حدوث السرطانات، علاوةً على أمراض أخرى منها الفشل الكلوي والعقم.

يُشار إلى أن برومات البوتاسيوم تُستخدم أيضًا في إنتاج معجون السمك والجبن والبيرة، ويتم استخدامها أيضًا في الصناعات الدوائية ومستحضرات التجميل، وتنتج أيضًا كمنتج ثانوي لتطهير المياه المحتوية على مركبات البروميد عن طريق المعالجة بالأوزون.

تاريخ المنع

وفق البحث المنشور في جورنال أوف رادييشن ريسيرش آند أبلايد ساينس تم تصنيف مادة برومات البوتاسيوم على أنها  مادة مسرطنة من خلال الوكالة الدولية للبحوث على السرطان  IRAC   عام 1987، ثم بدأت المنظمات المعنية بالصحة في عدة دول في حظر استخدامها، وفي إنجلترا تم حظرها عام 1990، كما تم منعها في الصين عام 2005، أما في الهند فقد تم حظرها عام 2016، وفي عدة دول منها اليابان وإسبانيا والدنمارك تم حظرها من قائمة إضافات الطعام المسموحة، ومع ذلك فهي ما زالت تستخدم ولم يتم حظرها في الولايات المتحدة الأمريكية، ولاية كاليفورنيا هي الولاية الأمريكية الوحيدة التي اتخذت تدابير لتحذير السكان من المخاطر المرتبطة بمادة برومات البوتاسيوم، إذ وُضعت في قائمة التحذيرات، والمنتجات التي يُشترط أن تحمل تحذيرًا صحيًّا على ملصقاتها.

تقول "سالم": إنه رغمًا عن حظر استخدام برومات البوتاسيوم في بعض الدول، ما زال بعض أصحاب المخابز يلجأ إلى استخدامها بطرق غير شرعية، وترجع شعبيتها واستخدامها المستمر إلى حقيقة أنها رخيصة وربما كانت من أكثر العوامل المؤكسدة فاعلية، وتحسن من خصائص الخبز.

مادة مسرطنة على المدى الطويل

"التأثير السرطاني لبرومات البوتاسيوم على ذكور الجرذان البيضاء"، كان هذا عنوان الدراسة البحثية التي أعدها باحثون من جامعة المنيا المصرية، ونُشرت في إحدى الدوريات العالمية المعنية ببحوث الإشعاع والعلوم التطبيقية، عام 2019، وتناولت الأثر الصحي لتناول هذه المادة، موضحةً في نتائجها أن لها تأثيرًا مسرطنًا على المدى الطويل.

قالت هناء سالم، المؤلف الرئيسي للدراسة: إن نتائج الدراسة أظهرت أن تناول مادة برومات البوتاسيوم بشكل يومي له تأثير مسرطن على لسان الفئران البيضاء (نوع من فئران التجارب)، يزداد مع زيادة الجرعة ومدة الاستخدام، وجرى التوصل إلى هذه النتيجة عبر فحص أنسجة اللسان تحت الميكروسكوب.

وأضافت: نتج عن استخدام برومات البوتاسيوم ضمور حليمات اللسان، كما ظهر تأثيرها المسرطن الذي ازداد بزيادة جرعة برومات البوتاسيوم ومدة تناولها، مؤكدةً أن البحث أوصى بحظر استخدام  مادة برومات البوتاسيوم  كمحسِّن للدقيق، خاصةً في المخابز ومحلات الحلوى؛ لأنه يصعب تطبيق الجرعات الآمنة، كما أوصى البحث أيضًا شركات المواد الغذائية بضرورة إدراج اسم برومات البوتاسيوم بوضوح في المكونات في حالة استخدامه.

ولكن هل مجرد تناوُل الإنسان مادة برومات البوتاسيوم يعرِّضه للإصابة بمرض السرطان؟

هذا التساؤل أجاب عنه أحمد سعيد، رئيس شعبة التغذية في المركز القومي المصري للبحوث، قائلًا: "لا يمكننا تأكيد أنه يسبب الإصابة بمرض السرطان، ولكن هناك عوامل متعددة من المحتمل أن تؤدي إلى حدوث الإصابة، وإذا كان الشخص يتمتع بمناعة جيدة  فقد لا يصاب بأي أمراض من هذا النوع حتى مع وجود هذه العوامل، ولكن من المحتمل مع تكرار التعرُّض لها أن تكون مسرطنة، لذا ما ينبغي التشديد عليه هو أن مادة برومات البوتاسيوم ضارة على المدى البعيد.

جولة في الأسواق

مراسلة "للعلم" قامت بجولة في عدد من محلات السوبر ماركت والعطارة والمخابز البلدية والغربية في بعض أحياء القاهرة، حيث وجدت أن المنتجات مثل المخبوزات وخلطات الكيك الجاهزة وتوابل الدجاج المقلي والتي تتكون بالأساس من الدقيق أو البقسماط المطحون والتوابل مدون عليها غالبًا عبارة (مضاف إليها محسنات خبز مسموح بها) من دون تحديد نوع المحسنات المستخدمة، وقد تُكتب أسماء مواد: برومات الكالسيوم وبروبيونات الكالسيوم، وبالبحث تبين أنها مواد حافظة تضاف إلى الخبز والمعجنات.

بالقرب من محطة مترو سعد زغلول في السيدة زينب، يوجد سوق غير رسمي تتراص فيه البضائع على الرصيف، ومن ضمنها سلع غذائية بعضها مستورد، واللافت للانتباه خلال الجولة أن بعضها غير مدون عليه باللغة العربية مكونات المنتج.

وفي اثنين من محلات العطارة، وجدنا أن محسِّن الخبز يباع في شكل بودرة بيضاء غير معروف بالتحديد مكوناتها ولا الجهة التي تم الاستيراد منها، وعند سؤال العطار أفاد أنها مواد مثل النشا والخميرة تحسِّن من جودة المخبوزات، وبالسؤال في أكثر من فرن للخبز البلدي لم تكن مادة برومات البوتاسيوم معروفة لديهم، وكانت الإجابة دائمًا أنهم يستخدمون الخميرة فقط، وبالنسبة للمخبوزات الغربية كان الرد ذاته بأنهم لا يستخدمون سوى مواد الخميرة والبيكنج باودر وبيكربونات الصوديوم.

وسائل التواصل الاجتماعي خارج الرقابة

عند البحث عبر موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، من خلال مجموعات وصفحات تبيع خامات الحلوى والمخبوزات تم التواصل معها، تفاوتت الأسعار بشكل كبير، وذكر بعضهم أنها مستوردة من ألمانيا وهولندا، ورفض أغلبهم تحديد جهة الاستيراد واكتفوا بالرد بأنها من أفضل الأنواع المستخدمة في تحسين جودة الخبز من وجهة نظرهم.

من جانبه، حذر أحمد سعيد -رئيس شعبة التغذية بالمركز القومي للبحوث- من باعة الرصيف وما يعرضونه من بضاعة مستوردة وعروض مغرية مع عدم  وجود ملصق مكتوب عليه باللغة العربية يوضح المكونات والحساسية المحتملة لأيٍّ من مكونات المنتج الغذائي، قائلًا إن أغلبها يدخل إلى مصر بطرق غير شرعية، وبعضها يتم إعادة تعبئته وتغليفه، وهو ما يؤكد أهمية زيادة مجهودات كلٍّ من هيئة الرقابة على الصادرات والواردات وهيئة سلامة الغذاء، ويجب التأكد من تصريح وزارة الصحة باستخدام المنتج، وينصح "سعيد" بضرورة قراءة المكونات المكتوبة على المنتج ومراجعتها جيدًا قبل استخدامه، كما طالب بتكاتف أجهزة الدولة المختلفة مع العلميين.

وحذر رئيس شعبة التغذية في المركز القومي للبحوث من خطورة تداول منتجات محسنات الخبز مجهولة المصدر من دون ذكر مكوناتها ومصدر استيرادها، مؤكدًا أهمية قراءة المكونات جيدًا، والآثار الجانبية المحتملة، وهو ما يتطلب المزيد من الرقابة من أجهزة الدولة المعنية بذلك، مؤكدًا أنه ليست كل محسنات الخبز ضارة، والدولة تحدد مواصفات المنتجات المسموح باستخدامها، ويجب التأكد من موافقة وزارة الصحة على المنتج قبل استخدامه.

من جانبها، أكدت سعاد الديب -رئيس الاتحاد النوعي لجمعيات حماية المستهلك- أنه يجب على المستهلك التمسك بحقه في معرفة مكونات المنتج، وعبرت عن رفضها التام للشراء عبر مواقع التواصل الاجتماعي؛ لأنها تضيع حق المستهلك في ضمان وجود رقابة من الدولة على جودة السلعة، وأيضًا تضيع حق المستهلك في الاسترجاع، ولا توجد فاتورة ضريبية تضمن حق المستهلك، وأضافت قائلةً: "أحذر دائمًا من هذه العروض؛ لأنها قد تكون على سلع مهربة أو أوشكت صلاحيتها على الانتهاء".

قال حسن الفندي -عضو غرفة الصناعات الغذائية في اتحاد الصناعات- لـ"للعلم": إن منع استخدام مواد مثل مادة برومات البوتاسيوم ليس القرار الأول من نوعه، فقد سبقه منع نوع من الألوان كان يُستخدم سابقًا في صناعة الحلوى وتم التنبيه على صناع الحلوى والمخبوزات بوقف استخدامه، وتتم المتابعة من خلال الجهات الرقابية، والقرار يهدف إلى تحديث المواصفات وتم وفقًا لما جاء من مستجدات في الأبحاث العلمية.

وأشار "الفندي" إلى خطورة الاقتصاد الموازي المتمثل في البيع والشراء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بالتحديد بيع الخامات أو المخبوزات والحلويات؛ لأنها لا تخضع لمراقبة من الدولة ولا ضمان لاتباعها المواصفات الصحية والفنية، والمستهلك عليه دور مهم في ضمان سلامة الغذاء؛ لأنه في النهاية يدفع الثمن من صحته.

وأضاف "الفندي" أن المادة الحافظة للمخبوزات تُضاف من خلال مواصفات دقيقة ويصعب أن يكون لدى الأفراد المعرفة الجيدة بشروط استخدامها، تبقى الرقابة المشددة هي السبيل الأهم لضمان المنع التام لاستخدام مادة برومات البوتاسيوم من أجل درء مخاطرها المتعددة.