لا شك أن لدغات نحل العسل تسبب آلامًا لمن يتعرض لها، ولكن ثمة سبب وجيه لهذا؛ فهذا النوع من الكائنات يعرف كيف يقاتل. ولكن اتضح أن هذه الكائنات المـُلَقِّحة ذات اللونين الأسود والأصفر ضعيفة، لا سيما أمام مركبات النيونيكوتينويد، وهو مبيد حشري شائع الاستخدام لمكافحة الآفات التي تتغذى على المحاصيل الزراعية. تتناول دراستان جديدتان، نُشِرتا في مجلة "ساينس" Science في شهر يونيو 2017، هذه القضية من خلال دراسة أعداد ضخمة من النحل في مناطق مختلفة على مدار أشهر متتالية. وتضيف النتائج التي توصلت إليها الدراستان ثقلًا كبيرًا إلى الزعم القائل بأن مركبات النيونيكوتينويد تضر جماعات النحل.

يقول عمرو زايد -عالِم الحشرات بجامعة يورك في تورنتو، الذي يدرس الحشرات الاجتماعية، والمؤلف المساعد لإحدى الدراستين الجديدتين-: "آمل أن تساعد دراستي على حسم هذا الجدال". على الرغم من أن نحل العسل ليس الهدف المقصود لمركبات النيونيكوتينويد، فإن أي دليل يشير إلى تأثُّر هذه الحشرات الصامدة بالمادة الكيميائية يعني أن الأنواع الأخرى الأقل قدرة على التكيُّف قد تكون في مأزق حقيقي أيضًا. يهدف المبيد الحشري إلى القضاء على الحشرات التي تتغذى على محاصيل الحبوب، لذا تغلف هذه المواد حبوب الذرة بالكامل تقريبًا ونحو 50% من بذور فول الصويا في الولايات المتحدة. وتقول شيلا كولا -عالِمة البيئة بجامعة يورك أيضًا، والتي لم تشارك في هذا البحث-: "من الصعب -إن لم يكن مستحيلًا- العثور على ذُرة غير معالجة بمركبات النيونيكوتينويد".

لم تنطوِ معظم الأبحاث السابقة التي أجريت لدراسة العلاقة بين النحل ومبيدات الآفات سوى على إطعام هذه المواد الكيميائية لأعداد قليلة من النحل داخل المختبرات، أو ملاحظة مجموعة قليلة في الطبيعة لمدة لا تتجاوز بضعة أسابيع. ويرى زايد أن دراسات مستقلة كهذه لا تجمع القدر الكافي من الأدلة حول الطبيعة الحقيقية لسلوك نحل العسل. وتتفق كولا في الرأي مع زايد، ولهذا فإنها تثني على حجم العينة المستخدمة في دراسة جامعة يورك، وكذا طول فترة الدراسة.

قسَّم زايد وزملاؤه خلال تجاربهم 55 مستعمرة نحل بين خمسة مناحل قريبة من حقول الذرة، وستة مناحل على مسافة بعيدة للغاية عنها، حتى إن النحل لم يكن يبحث عن الغذاء في أي مكان قريب من تلك المحاصيل. ومن بداية شهر مايو وحتى شهر سبتمبر عام 2014، لم يتدخل الباحثون بأي شكل سوى لالتقاط عينات من حبوب اللقاح والرحيق من خلايا النحل كل بضعة أسابيع.

وقد كشف التحليل الكيميائي للعينات أن مركبات النيونيكوتينويد كانت الأكثر تهديدًا بين كل مبيدات الآفات التي عُثِرَ عليها في عينات الرحيق. وكان الكلوثيانيدين على وجه التحديد، أكثر مركبات النيونيكوتينويد توافُرًا. وأما كيفية وصوله إلى العينات، فقد توصل الباحثون إلى أن أقل من 2% من جميع مركبات النيونيكوتينويد التي عُثِرَ عليها في خلايا النحل جاءت من الذرة وفول الصويا، أما الغالبية العظمى فكان مصدرها ما يطلق عليه زايد الأزهار "صديقة النحل" -مثل زهور عصا الذهب، والصفصاف، والنفل- التي غالبًا ما تنمو في محيط حقول تلك المحاصيل. وفي حقيقة الأمر، كان النحل يلتقط حبوب اللقاح التي تحتوي على الكلوثيانيدين من النباتات المزروعة في المناطق المجاورة، قبل وبعد زرع البذور بوقت طويل، مما يعني أن المركب الكيميائي يتخلل المناطق المحيطة ويلوثها لفترة أطول بكثير من موسم الزراعة.

وفي الدراسة الثانية، التي قادتها عدة مؤسسات بحثية في ألمانيا والمجر والمملكة المتحدة، ربى الباحثون نحلًا في بيئات زراعية ملوثة بمبيدات الآفات. ويقول ريتشارد شور -من مركز البيئة والهيدرولوجيا في إنجلترا- خلال مؤتمر صحفي: "هذا في الواقع ما يفعله المزارعون في المعتاد، لذا من المهم دراسته". وضع الباحثون 33 مستعمرة نحل في مناطق اختبار تجعلها معرَّضة إما لنباتات بذور السلجم المعالجة بمركبات النيونيكوتينويد، أو لمحاصيل غير معالجة بمبيدات الآفات. وقد قيَّمت الفرق البحثية أعداد النحل الباقية على قيد الحياة مرتين: الأولى عندما كانت المحاصيل في مرحلة الإزهار، والثانية بعد فصل الشتاء. وقد توصل الباحثون إلى أن الكلوثيانيدين قد أصاب النحل بأضرار بالغة هذه المرة أيضًا. فعلى مدار فصل الشتاء، مات 25% من النحل في المجر، وكل النحل الذي تُرك في بريطانيا تقريبًا، كما وجهت مركبات النيونيكوتينويد ضربة موجعة أيضًا إلى جماعات النحل تلك خلال موسم إزهار المحاصيل. وعلى النقيض، فإن النحل في ألمانيا لم يخرج من فصل الشتاء غير متأثر بأي أضرار فحسب، بل إن أعداده تزايدت بالرغم من استخدام مركبات النيونيكوتينويد خلال موسم إزهار نباتات السلجم. وعلى الرغم من أن الباحثين غير متأكدين من السبب وراء الأداء المتميز للنحل الألماني، فقد لاحظوا أيضًا أن هذا النحل قد استهلك أقل من ثلث حبوب لقاح نباتات السلجم التي استهلكها نظيره في الدول الأخرى.

توقفت الدراسة الأوروبية عند مرحلة التجارب الميدانية، غير أن زايد وفريقه أخذوا دراستهم إلى مرحلة أبعد. فقد أطعم الفريق البحثي مجموعة مختارة من النحل حبوب لقاح مضافًا إليها كلوثيانيدين بمستويات مشابِهة للموجود في بيئته الطبيعية، ثم وضعوا أجهزة تتبُّع على ظهور النحل الذي أُطعم هذه المادة. ويقول زايد عن الكيماويات محل الدراسة: "لم نكن في حاجة إلى التخمين. فقد لاحظنا بشكل أساسي ما تتعرض له مستعمرات النحل الحقيقية في محاصيل الذرة، وعكسنا ذلك في اختباراتنا".

وقد أثمر هذا العمل الذي لا يعتمد على تخمينات عن الوصول إلى نتائج دقيقة. فقد كانت فترة حياة النحل الذي تناول حبوب اللقاح الملوثة أقصر منها لدى نظيره الذي لم يتناول حبوبًا ملوثة بالمبيدات بنسبة 23%، كما أنه كان يستغرق مدة أطول في رحلاته للبحث عن الغذاء بمقدار 45 دقيقة، مما يشير إلى أن النحل كان يعاني ليتذكر مكان الخلية. كما أن هذا النحل كان أسوأ من أقرانه في التعرف على الأفراد المصابين بأمراض والتخلص منهم في الخلية، وهي مهمة أساسية للحفاظ على صحة الخلية بأكملها. ويشرح زايد أن التأثير النهائي لهذه المركبات هو تدهور بطيء في أسراب النحل على مدار أسابيع.

الكثير من الملحوظات التي توصل إليها زايد وفريقه كان قد جرى توثيقه بالفعل من قِبَل باحثين آخرين، من بينهم كريستيان كروبك، عالِم الحشرات بجامعة بوردو، الذي نشر العام الماضي دراسات حول ظهور مركبات النيونيكوتينويد على النباتات التي تنمو بالقرب من تلك المحاصيل. ومع تزايد الأدلة، يقول كروبك إن السؤال التالي الذي يجب أن نطرحه هو: ماذا بإمكاننا أن نفعل؟ ثم يجيب قائلًا: "في الوقت الحالي، لا يسعنا القيام بالكثير".

وقد حظر الاتحاد الأوروبي استخدام مركبات النيونيكوتينويد على نباتات معينة في عام 2013، كما أطلقت للتو وكالة حماية البيئة الأمريكية تحقيقًا لن تظهر نتائجه قبل عام 2018 حول الضرر الذي تُحدثه هذه المركبات. وكانت ولاية ميريلاند أول ولاية أمريكية تعلن حظر استخدام المواد الكيميائية، وسيدخل الحظر حيز التنفيذ بدءًا من العام القادم، رغم أنه يستثني المزارعين. ولكن قد لا يكون المزارعون في حاجة إلى مبيدات الآفات بالدرجة التي يتصورونها. فقد قدَّر جون توكر -عالِم الحشرات بجامعة ولاية بنسلفانيا، الذي نشر بحثًا بالتعاون مع أحد طلاب الدراسات العليا تحت إشرافه حول مدى انتشار مركبات النيونيكوتينويد في الزراعة الأمريكية- نسبة الحقول التي تحتاج بالفعل إلى المواد الكيميائية بأنها تبلغ 10% فقط. ويقول توكر: "لقد بحثنا في حقول غير معالَجة عن الآفات التي تهدف هذه المبيدات إلى مكافحتها، لكننا وجدنا صعوبة في العثور عليها".

بيد أن زايد يقر بأن نحل العسل ليس بالنوع الأمثل لدراسة آثار مبيدات الآفات على الحشرات بوجه عام. ويقول: "تُعَد مستعمرات النحل إحدى أعاجيب الانتخاب الطبيعي"، إذ غالبًا ما تصعِّد من نشاط الخلية استجابةً للتعرض لأحد عوامل الضغط البيئي. ويتفق كروبك معه في الرأي، قائلًا: إن هذه القدرة الفطرية على التكيف قد تفسر سبب زيادة أعداد النحل في ألمانيا في الدراسة الأوروبية عقب التعرض للمواد الكيماوية السامة. كما درس البحث نفسه كيفية تعامُل أنواع أخرى من النحل مع المبيد الحشري، ورصد آثارًا متضاربة على الجماعات المختلفة. وفي الولايات المتحدة، تتغذى العديد من أنواع النحل الأقل تكيفًا على النباتات التي تنمو في المناطق المحيطة بتلك المحاصيل التي تنتهي إليها مركبات النيونيكوتينويد. ويشير ذلك إلى أن الأنواع الأضعف من الحشرات ربما تعاني هي الأخرى من التعرض لهذه المواد الكيماوية. وتقول كولا: "ربما كانت هذه النتيجة أسوأ الأخبار التي وردت في تلك الورقة البحثية".

وعلى الرغم من الآمال التي يعقدها زايد، فإن الجدل المثار حول مركبات النيونيكوتينويد سيستمر على الأرجح. ويفسر كروبك ذلك بأنه في العلم يستحيل الوصول إلى إجماع تام للآراء، وهذا ليس بالضرورة الغرض من الدراستين الكندية والأوروبية. ومع ذلك، ووفق كروبك، فإن إثبات الافتراض القائل بأن مبيدات الآفات لا تسبب ضررًا لحشرات غير تلك التي تستهدفها "يزداد صعوبةً في ظل وجود أبحاث كهذه".