أكدت دراسة أجراها باحثون بجامعة "جورج ميسون" الأمريكية ونشرتها دورية "بلوس وان"، أن سكان وسط أمريكا، الذين ينتمون إلى حضارة "المايا"، كانوا يصطادون الحيوانات المفترسة ويتَّجرون بها لأغراض رمزية وروحانية، ما سمح لتلك الحيوانات بأداء دور مهم في تشكيل حضارتهم.

عمل الباحثون على تحليل عينات أثرية للحيوانات المفترسة من خمسة مواقع كانت تُمارَس فيها طقوس حضارة "المايا" في مدينة "كوبان" الأثرية (426 إلى 822 ميلادية)، والتي كانت تقع غرب هندوراس.

وركزت تحاليل النظائر على عظام وأسنان نمور وقطط برية وغزلان وبوم وتماسيح ونوع من الطيور يطلق عليه "أبو ملعقة"، بهدف تحديد النظام الغذائي والأصل الجغرافي لهذه الحيوانات.

تقول "ناوا سوجياما" -الأستاذ المساعد بقسم علم الاجتماع وعلم الإنسانيات بجامعة "جورج ميسون" بولاية فيرجينيا الأمريكية، والباحثة الرئيسية في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الحضارات القديمة في وسط أمريكا استخدمت النمور وسيلةً لإظهار القوة والنفوذ، كما استخدمتها أيضًا من أجل طقوس تتعلق بتقديم الأضحية للآلهة أو الاستفادة من جلودها في تصنيع منتجات حِرَفية".

وتوضح "سوجياما" أن عادة استغلال الحيوانات المفترسة تعود إلى حضارة "تيوتيهواكان" (Teotihuacan)، وهي حضارة اكتسبت اسمها من مدينة أثرية قديمة تقع قرب مكسيكو سيتي في وسط المكسيك كانت تُعرف أيضًا باسم "تيوتيواكان"، مشيرةً إلى أن الاكتشافات الأثرية الخاصة بإستراتيجيات التعامل مع الحيوانات لم تنل حقها من الدراسة على مدى العصور نتيجة ندرة الحيوانات المستأنسة في العالم الجديد مقارنة بالتأثير المدمر للماشية الأوروبية التي انتشرت بعد 1500 ميلادية".

وتضيف أن "تحليل النظائر يعتمد على فرضية أن عظام الشخص تكشف عن الطعام الذي استهلكه والمياه التي شربها. فعلى سبيل المثال، تخبرنا نظائر الكربون عن نوع المصادر النباتية لغذاء الشخص، أما نظائر الأكسجين فتخبرنا عن المناخ ومصادر المياه التي استهلكها، وبالتالي تحدد المكان الذي عاش فيه، ومن هنا رجحت مستويات نظائر الأكسجين التي وُجدت في عينات من الغزلان والقطط البرية أن بعض الحيوانات والمنتجات الجلدية التي استُخدمت في طقوس هذه الحضارات كان مصدرها مناطق بعيدة في وادي كوبان؛ إذ أظهرت نتائج تحليل النظائر للنمور في هذه المنطقة أنها كانت تستهلك طعامًا عبارة عن ديوك رومي تتغذى على الذرة، وأن هذه الحيوانات تم جلبها من مناطق بعيدة عن وادى "كوبان"، وتختلف فيها نوعية المياه، وذلك من خلال شبكات التجارة الموسعة التي كانت تربط هذه المنطقة بباقي مناطق وسط أمريكا".