كشفت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة موناش الأسترالية أن الملوثات الدقيقة الناتجة عن حرائق الغابات تُعد أحد أسباب زيادة معدلات الوفيات.

استهدف الباحثون، في الدراسة التي نشرتها دورية "ذا لانسيت بلانتري هيلث" (The Lancet Planetary Health)، تقييم تأثير التعرض قصير المدى للجسيمات الدقيقة العالقة التي تنبعث في الهواء نتيجة الحرائق على الوفيات الناجمة عن أمراض الجهاز التنفسي والقلب والأوعية الدموية.

وأوضحت الدراسة أن "الجسيمات الدقيقة التي يبلغ قطرها أقل من 2.5 ميكرون، والمعروفة باسم (PM2.5)، تمثل أحد أخطر العوامل البيئية المساهمة في الإصابة بأمراض القلب والرئة".

استندت الدراسة إلى تقييم أسباب حدوث أكثر من 65.6 مليون حالة وفاة، على مدار 16 عامًا، خلال الفترة من بداية 2000 وحتى نهاية 2016، في 749 مدينة تمثل 43 دولة ومنطقة حول العالم، ومن ضمنها الوفيات الناجمة عن التعرض للعوالق الدقيقة (PM2.5) بتركيزات مختلفة.

وأشار الباحثون إلى أن أكثر من 33 ألفًا و500 حالة وفاة تحدث سنويًّا، لأسباب تتعلق مباشرةً بالملوثات الناتجة عن حرائق الغابات، في 749 مدينةً شملتها الدراسة.

وأظهرت البيانات أن البلدان التي سجلت أكبر عدد من الوفيات الناجمة عن استنشاق جسيمات (PM2.5) الدقيقة، المتصاعدة مع دخان حرائق الغابات، تشمل اليابان بمعدل أكثر من 7000 آلاف حالة وفاة سنويًّا في 47 مدينة يابانية، وتايلاند بمعدل 5300 حالة وفاة في 62 مدينة، وجنوب أفريقيا بأكثر من 5200 حالة في 52 مدينة، والولايات المتحدة الأمريكية بمعدل يقارب 3200 حالة في 210 مدن، والمكسيك بأكثر من 3000 حالة في 10 مدن، ثم الصين بمعدل أكثر من 1200 حالة وفاة في 15 مدينة.

وشهدت السنوات الأخيرة اندلاع عدد كبير من حرائق الغابات، خلَّفت دمارًا واسع النطاق، يتمثل في تدمير 45 مليون هكتار خلال موسم حرائق الغابات في أستراليا 2019/ 2020، واحتراق أكثر من 1.2 مليون فدان في أنحاء كاليفورنيا منذ بداية 2019، فضلًا عن انبعاث كميات قياسية من ثاني أكسيد الكربون، نتيجة أكثر من 190 حريقًا في الغابات بمختلف أنحاء سيبيريا، تتجاوز كميات الانبعاثات الناتجة عن بقية حرائق الغابات في العالم مجتمعة.

يقول يومينج جو –أستاذ الصحة البيئية العالمية والإحصاء الحيوي في كلية الصحة العامة والطب الوقائي بجامعة موناش، والمؤلف الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": حرائق الغابات قد تكون لها تأثيرات مباشرة على صحة البشر، مثل الإصابات ومضاعفات الصحة العقلية، والجسيمات الدقيقة (PM2.5) الناجمة عن الحرائق تُعد أكثر أنواع الملوثات خطورة، نظرًا لصغر حجمها، مما يتيح لها الانتقال في أي مكان من جسم الإنسان، وقد تتسبب في حدوث تغييرات في تركيب الحمض النووي ومعدل تماثله، الأمر الذي يسبب ضعفًا في وظائف الرئتين والقلب والكلى، بل يؤدي أيضًا إلى تراجُع وظائف المخ، وصولًا إلى حدوث الوفاة.

وتُقدر منظمة الصحة العالمية أن أكثر من 80% من سكان المناطق الحضرية، التي ترصد تلوث الهواء، يتعرضون لمستويات من جودة الهواء تتجاوز الحدود القصوى التي حددتها المنظمة، وفي ظل تراجُع جودة الهواء في المناطق الحضرية، تتزايد مخاطر إصابة سكان تلك المناطق بالسكتات الدماغية، وأمراض القلب، وسرطان الرئة، وأمراض الجهاز التنفسي المزمنة والحادة، ومن ضمنها الربو.

وبينما أشار المؤلف الرئيسي للدراسة إلى أن التلوث الناتج عن دخان حرائق الغابات قد ينتشر لمسافة تصل إلى 1000 كيلومتر، في ظل ظروف جوية معينة، ليسبب أضرارًا جسيمةً على الصحة العامة للبشر، ربما في دولة أو إقليم بالكامل، فقد حذر من أنه "من المتوقع أن يزداد خطر حرائق الغابات مع تفاقُم التغيرات المناخية".

استند فريق الدراسة إلى بيانات الوفيات الواردة في دراسة مشتركة للشبكة العالمية "مدن متعددة بلدان متعددة"، لتقييم تأثيرات أحوال الطقس على الصحة العامة، من خلال نماذج إحصائية لقياس معدل انبعاثات العوالق الدقيقة (PM2.5) وتأثيرها على صحة البشر في حالات مختلفة للطقس.

وجاءت دولة الكويت ضمن 43 دولة شملتها الدراسة، إذ أكد "جو" أنه تم التطرق إلى مدينة واحدة فقط في الدولة العربية، وهي الكويت العاصمة، حيث تم تسجيل 16 حالة وفاة نتيجة استنشاق الجسيمات الدقيقة (PM2.5) الناجمة عن حرائق الغابات سنويًّا، بنسبة تعادل 0.37% من إجمالي الوفيات المسجلة.

وخلص فريق الدراسة إلى توجيه دعوة إلى صانعي السياسات، والمتخصصين في الصحة العامة، للعمل على زيادة الوعي بمخاطر الملوثات الناتجة عن حرائق الغابات، لتعزيز قدرات السكان على سرعة الاستجابة، واتخاذ الإجراءات اللازمة لتقليل التعرُّض لتلك الملوثات.

كما أوصى الباحثون بضرورة السعي إلى تنفيذ سياسات فعالة وممارسات حكيمة في إدارة أراضي الغابات والمناطق البرية، والتخفيف من الأضرار الناتجة عن التغيرات المناخية إلى أقصى حدٍّ ممكن.