لقد كان هذا العام عصيبًا بالنسبة لسياحة الحياة البرية؛ ففي الشهر الماضي واجهت حديقة سينسيناتي انتقادات من جميع أنحاء العالم عندما اضطر مسؤولو الحديقة إلى قتل الغوريلا "هارامبي" بعد أن سقط طفل صغير داخل القفص الخاص به. وقبل تلك الواقعة ببضعة أسابيع نفذ الحراس في متنزه يلوستون الوطني عملية قتل رحيم لأحد عجول ثور البيسون الأمريكي، بعد أن أمسك به بعض السياح ووضعوه في سيارتهم. والأسبوع الماضي كشفت السلطات في تايلاند عن أدلة مروعة بشأن ارتكاب العديد من وقائع سوء المعاملة والاتجار بالحيوانات البرية في "معبد النمور" Tiger Temple الذي يقع خارج بانكوك، والذي يحظى بشهرة عالمية.

 

وتأتي هذه الأحداث المأسوية بعد بضعة أشهر فحسب من تحقيق انتصارين، جاء كل منهما عقب أعوام من الحملات التي شنتها جماعات حقوق الحيوان. فقد كشف سيرك "رينجلينج بروس وبارنوم آند بايلي" Ringling Bros. and Barnum & Bailey في يناير عن أنه سوف يحيل مجموعة أفيال الاستعراض المشهورة لديه إلى التقاعد ويرسلها للعيش في إحدى المحميات في وسط فلوريدا. أعقب ذلك في مارس الماضي إعلان سلسلة متنزهات "سي وورلد" أنها سوف توقف برنامجها المثير للجدل لتربية الحيتان القاتلة، مدفوعة بردود أفعال الجمهور على الفيلم الوثائقي "السمكة السوداء".

وفي الوقت الذي لا تزال فيه حادثة قتل "هارامبي" تثير حنق الناس، بدأ كثيرون يُشككون في الدور الذي تؤديه هذه المنشآت في حماية الحيوانات والحياة البرية. يعتقد البعض أن هذا قد يكون بداية النهاية لتقبُّل العامة فكرةَ وضع الحيوانات في الأسر، وهو الاتجاه الذي أُطلق عليه "تأثير السمكة السوداء".

يقول آدم روبرتس -الرئيس التنفيذي لمنظمة "بورن فري" في الولايات المتحدة الأمريكية المعنية بحقوق الحيوان-: "أعتقد أن الفترة الحالية تشهد تقدمًا ملحوظًا في هذا الصدد؛ فقد بدأت فكرة استغلال الحيوانات كوسيلة للترفيه والتسلية رحلتها إلى الزوال".

لكن البعض الآخر ليس على القدر نفسه من الثقة، من بينهم لوك هانتر، رئيس منظمة "بانثيرا" المعنية بحماية فصيلة القطط الكبيرة، والمدير التنفيذي لبرنامج الحماية، والذي يقول: "إن ثمة اتجاهًا إيجابيًّا بالفعل، ولكنه مجرد غيض من فيض؛ فلا تزال هناك مشكلات منتشرة على نطاق واسع في جوانب كثيرة من سياحة الحياة البرية".

ووفق ورقة بحثية نشرتها دورية "بلوس وان" PLoS ONE العام الماضي؛ تمثل سياحة الحياة البرية نسبة تتراوح من 20% إلى 40% من إجمالي صناعة السياحة التي يقدر حجمها بنحو تريليون دولار أمريكي سنويًّا، وتتضمن ما يقرب من 900 ألف حيوان في مختلِف أنحاء العالم... وقد صنفت الورقة البحثية جميع أنواع أنشطة سياحة الحياة البرية وفقًا لتأثيرها على رفاهية الحيوانات، ووجدت أن حفنة قليلة فقط من الأنشطة -مثل السياحة البيئية للغوريلا الجبلية في أوغندا ورواندا، وبعض محميات الأفيال في جنوب أفريقيا وتايلاند– هي التي لها مقومات إيجابية فيما يتعلق بحماية الحياة البرية وتحرص على رعاية الحيوانات في الوقت نفسه. أما معظم أنشطة سياحة الحياة البرية الأخرى في جميع أنحاء العالم -متضمنة جولات ركوب الأفيال، والقرود الراقصة في الشوارع، والعروض التي تتضمن التفاعل مع الدلافين، وترويض الأفاعي للرقص على المزمار- فتبين أن لها تأثيرًا معاكسًا.

وربما يشهد العالم في الوقت الراهن تزايدًا في كثير من أنشطة سياحة الحياة البرية. فيقول نيل دكروز -أحد مؤلفي الورقة البحثية التي نشرتها دورية "بلوس وان"، والباحث في "وحدة بحوث الحفاظ على الحياة البرية" بجامعة أكسفورد، وفي "منظمة حماية الحيوان العالمية" المعنية برعاية الحيوانات-: "في رأيي، إن سياحة الحياة البرية ظاهرة متنامية"؛ إذ يرى  أن أعداد المشاركين في هذه الأنشطة في ازدياد، وكذلك العائدات المالية في ارتفاع أيضًا.

ويشير الخبراء إلى أن سياحة الحياة البرية تؤثر على مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأنواع، ففي تقرير صدر في عام 2013 عن "الشراكة من أجل بقاء القردة العليا" التابعة لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، أشارت التقديرات إلى أن هناك الآلاف من حيوانات الشمبانزي وإنسان الغاب (الأورانج أوتان) والغوريلا "تُختطف" كل عام من الحياة البرية لكي تباع في السوق غير المشروعة للحيوانات الأليفة، أو لحدائق الحيوان سيئة السمعة وغيرها من وجهات الجذب السياحي. وفي العام الماضي، باعت زيمبابوي إلى حدائق الحيوانات الصينية 24 فيلًا، مات منها واحد على الأقل فور وصوله، وفق ما تفيد التقارير.

كذلك لوحظ أنه حتى عملية أسر الحيتان القاتلة البرية وبيعها، وهي الممارسات التي يفضحها فيلم "السمكة السوداء"، في ازدياد. فقد تلقى "مشروع حماية حيتان الأوركا بالشرق الأقصى الروسي" الذي يتبع "جمعية الحفاظ على الحيتان والدلافين" Whale and Dolphin Conservation (WDC) تقارير عن أسر 16 حوتًا قاتلًا على الأقل في بحر أوخوتسك قبالة سواحل سيبيريا على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، حيث يفترض أن مصير تلك الحيوانات أن تبقى للأبد حبيسة معارض الأحياء المائية الروسية أو الصينية. وقد شهدت عمليات أسر حيتان الأوركا القاتلة ارتفاعًا هائلًا في السنوات الأخيرة، وفق إيريك هويت، أحد مديري المشروع، الذي أضاف أن روسيا حددت نصابًا لعملية اصطياد الحيتان القاتلة يصل إلى 10 حيتان سنويًّا، موضحًا أن "تلك الأنصبة تتعارض تمامًا مع النصائح العلمية، حيث تم تحديدها رغم توصية الهيئة الاستشارية العلمية المعنية بالثدييات البحرية في روسيا بضرورة أن يكون هذا النصاب صفرًا في عامي 2014 و2015".

وليست الحيتان القاتلة النوع الوحيد الذي يتعرض لتلك الممارسات. تقول كورتني فيل -مدير حملات "جمعية الحفاظ على الحيتان والدلافين"-: "إن الطلب على الحيتان والدلافين التي يتم اصطيادها من البرية في نمو مستمر"، مشيرة إلى تقارير أخيرة  تفيد أن عمليات الصيد الجائر للدلافين في منطقة تايجي اليابانية في العام الماضي نتج عنها بيع 117 دولفينًا إلى معارض الأحياء المائية غير المرخصة، أو إلى تجار الحياة البرية بشكل مباشر. وتظل المعلومات بشأن المكان الذي يؤول إليه مصير تلك الحيوانات غامضًا، ولكن الموقع الإلكتروني Ceta-base.org يتتبع الدلافين والحيتان في مئات المنشآت في مختلف أنحاء العالم.

ولا يقتصر الأمر فقط على الحيوانات الضخمة، فتقول آنَّا نيكاريس -أستاذ علم الإنسان بجامعة أكسفورد بروكس في إنجلترا-: إن المخلوقات الأصغر حجمًا -مثل حيوان لوريس البطيء، والسناجب الطائرة، بل حتى طيور البوم وثعابين الكوبرا- تجد نفسها أسيرة ومعروضة للبيع لإتاحة الفرصة للسائحين لالتقاط الصور التذكارية، وتضيف: "كلما كان حجم الحيوان أصغر، زادت احتمالية أسره من البرية لكي يعيش حياة قصيرة يكون فيها مجرد قطعة ديكور يلتقط السائح صورة بجانبها".

ويعتبر خبراء أن المشكلة الأكبر التي تتعلق بكثير من تلك الأنشطة هي أن العاملين في هذا المجال يخبرون السائحين بأنهم يقدمون خدمات مفيدة لحماية الحياة البرية من خلال عرض تلك الحيوانات. فيقول هانتر، من منظمة بانثيرا: "إنهم يزعمون أن هذه الممارسات مفيدة للفصائل، ولكن هذه لا تعتبر مساهمة في هذه القضية". ويشير هانتر إلى شركات ترويض أشبال الأسود الشائعة في جنوب أفريقيا، التي تعمل في تربية القطط الكبيرة دون تفرقة، ثم التخلص منها بمجرد أن تكبر وتصبح خطيرة بدرجة لا تسمح لها بالاقتراب من السياح. وينتهي الحال بكثير من تلك الأسود البالغة -كما يصور الفيلم الوثائقي "أسود الدم" Blood Lions- ببيعها إلى المنشآت التي تتيح "عمليات الصيد التذكارية" التي يمكن للصيادين فيها قتل الفرائس والاحتفاظ بتذكار منها دون الحاجة إلى تكبد مشقة تعقبها في البرية.

يرى هانتر أن الأنشطة من نوعية ترويض الأسود تسرق بفاعلية التمويل من الأنشطة المشروعة لحماية الحياة البرية، مثل تلك التي تمارسها المنتزهات الوطنية. فيقول: "إنني مقتنع أن كل شخص حسن النية لديه خبرة استثنائية في هذا المجال يعتقد أنه يُسْهم في مساعدة الأنواع. إنهم يريدون أن يصدقوا أن الأموال التي أنفقوها تذهب إلى حماية الحياة البرية. ويبدو الأمر منطقيًّا لأنهم لا يعرفون الحقيقة".

أما دكروز، الباحث بجامعة أكسفورد، فيقول إنه من الضروري أن يطرح الناس أسئلة لمعرفة ما إذا كانت منشأة بعينها تعامل حيواناتها برحمة أم لا، أسئلة على غرار: "من أين أُخذت هذه الحيوانات؟ هل تتم إعادتها إلى البرية؟ هل المنشأة تدفع مقابلًا لتلك الحيوانات أم تقوم بتربيتها من أجل بيعها؟ ما النموذج التجاري الفعلي الذي تطبقه المنشأة؟"، يقول دكروز إن الإجابة على هذه الأسئلة ليست سهلة أو بسيطة، ولا يمكن اختزالها في مفهوم أن "وجود الحيوانات في البرية أمر جيد، ووجودها في الأسر أمر سيئ". وقد عاد دكروز نفسه مؤخرًا من رحلة بحثية في الهند لدراسة أحد النمور، حيث رأى السياحة هناك تأخذ منحى خطأً في أحد المنتزهات الوطنية، فيقول: "كانت سيارات الجيب تجوب شتى أرجاء المكان وهي تطارد بلا رحمة ذلك الحيوان".

يضيف روبرتس الذي يعمل بمنظمة "بورن فري" أنه رأى الأمر نفسه في رحلات السفاري لمشاهدة الأسود في أفريقيا، حيث يميل السائقون أحيانًا إلى "الاقتراب أكثر وأكثر" من الحيوانات؛ لأنهم يعتقدون أن ذلك سوف يمنح السائحين الذين يدفعون النقود تجربة أفضل. ويقول روبرتس: "هذا من شأنه أن يقوض من مقومات الحياة الطبيعية للحيوان، كما أنه يمثل خطرًا على الأشخاص".

ورغم المخاطر التي تفرضها الكثير من تلك الأنشطة، ثمة بعض التقدم الذي نشهده في الوقت الراهن. ففي شهر مارس الماضي، تعهدت أكثر من مئة وكالة سفريات في مختلف أنحاء العالم بإيقاف دعم رحلات ركوب الأفيال، كما سنّت الولايات المتحدة لوائح جديدة في شهر أبريل تساعد على حماية النمور الأسيرة من الاتجار بها بين الولايات، وتمنع حدائق الحيوانات الترفيهية الصغيرة المنتشرة لجذب السياح من السماح بملامسة أو إطعام أشبال النمور أو غيرها من القطط الكبيرة.

في الوقت نفسه صادرت السلطات في تايلاند على مدار الأسبوعين الماضيين جميع النمور التي تعيش في "معبد النمور" سيئ السمعة الذي يقع خارج بانكوك. وقد كان ذلك الموقع مقصدًا سياحيًّا مشهورًا لمدة عقد من الزمن، ولكن في اليوم الأول من عمليات المداهمة اكتشفت السلطات أيضًا 40 شبلًا ميتًا من أشبال النمور محفوظة في إحدى غرف التجميد، وهو الأمر الذي يؤيد الشكاوى التي قدمها أنصار حماية البيئة والحياة البرية منذ زمن بعيد من أن تلك المنشأة لا تهتم إطلاقًا برعاية حيواناتها، وأنها تستخدم القطط الكبيرة لتلبية الطلب على أجزاء من أعضاء النمور من أجل استخدامها في الطب الآسيوي التقليدي. وحتى الآن، أُلقي القبض على 22 شخصًا من العاملين بالمعبد، من بينهم ثلاثة من الرهبان البوذيين، ووُجّهت إليهم اتهامات بالاتجار بالحيوانات البرية. وكان أنصار حماية البيئة والحياة البرية قد عبروا لوقت طويل عن مخاوفهم من أن يكون المعبد يقوم بتوفير عظام النمور وغيرها من المنتجات الأخرى للتهريب إلى الصين وغيرها من البلدان.

ويعتبر روبرتس أن هذا النوع من التقدم "مهم حقًّا؛ لأنه يوجه رسالة"، مضيفًا أنه "لا يزال أمامنا طريق طويل نقطعه لتحقيق ما نصبو إليه، وأن التغيير يحدث تدريجيًّا على المدى الطويل".

وفي الوقت نفسه يقول هانتر إن هناك الآلاف من الأمثلة الجيدة على سياحة الحياة البرية حول العالم، وهذا يشمل مختلف الأنشطة من المتنزهات الوطنية إلى المحميات الخاصة، مشيرًا إلى أنها "تتبنى مبدأ تقليل تعرض الحيوانات التي تعيش في البرية للتدخل في حياتها إلى أقل قدر ممكن". وهذه الأنشطة بدورها تدر ملايين الدولارات على المجتمعات المحلية، وتفيد الحياة البرية دون تعريض حياة الحيوانات للخطر لمجرد حصول السياح على صورة "سيلفي" معها.