أظهر تقرير صدر حديثًا عن المضبوطات العالمية للاتجار غير المشروع بالحيوانات البرية أن المهربين يعتمدون بشكل كبير على أنظمة النقل الجوي التجاري لتهريب الحيوانات البرية المهددة بالانقراض. ففي حين تمثل الحياة البرية للعالم ثروةً قيمةً لا يمكن تعويض المنقرض منها، تمثل الحيوانات البرية أموالًا سهلة المنال للمهربين الذين يحترفون الاتجار غير المشروع فيها.

يكشف التقرير الصادر عن منظمة "ترافيك" ومركز الدراسات الدفاعية المتقدمة بالولايات المتحدة في إطار شراكة "روتس" المعنية بتقليل المخاطر التي تهدد الأنواع البرية، استخدام النقل الجوي من قِبَل شبكات الاتجار غير المشروع في الأحياء البرية لتهريبها من أفريقيا ودول أخرى إلى الدول المستقبلة لها في أوروبا وآسيا عبر الشرق الأوسط وأوروبا، وخاصة المملكة المتحدة.

ولا تقتصر عمليات الاتجار على أفريقيا فقط باعتبارها المصدر الرئيسي للحيوانات المهربة في ظل ضعف الرقابة الحكومية، وإنما تتورط مناطق أخرى من العالم في هذه التجارة سواء كدول مستقبِلة مثل دول شرق آسيا، أو معابر لهذه التجارة مثل المملكة المتحدة ومنطقة الشرق الأوسط.

ففي مطلع العام الماضي، ضبطت السلطات التايلاندية 136 آكلَ نملٍ حرشفيًّا أحياء و450 كيلوجرامًا من لحم الحيوان نفسه مهربة إلى البلاد من ماليزيا لاستخدامها في إعداد وصفات طبية آسيوية تقليدية. وتعادل الكمية المضبوطة ما قيمته 75,000 دولار أمريكي. كما تتصدر المملكة المتحدة دول العالم فيما يتعلق بعدد حالات ضبط عمليات الاتجار غير المشروع في الحياة البرية.

وسيلة نقل آمنة

تقول "هالي ساكس" من منظمة "ترافيك" المسؤولة عن إعداد التقرير لـ"للعلم": إن تجار الحيوانات البرية يفضلون نقل تجارتهم غير المشروعة عبر الجو للأسباب نفسها التي تجعل المسافرين العاديين يفضلونه، فالطائرات وسيلة مواصلات سريعة ومريحة، وغالبًا ما تكون أكثر الطرق فاعليةً للوصول إلى الوجهات البعيدة.

"ويعتمد تجار الطيور الحية والزواحف والحيوانات الأليفة على الرحلات الجوية المباشرة لاختصار الوقت الذي تقضيه الحيوانات في العبور"، وفق ساكس.

ويقدم التقرير الأخير نظرةً شاملةً على عمليات الاتجار غير المشروع في الحياة البرية عبر قطاع النقل الجوي، مستندًا إلى نتائج تقرير سابق للمنظمة نفسها كانت قد أصدرته عام 2017، وركز على المضبوطات المهربة من قرن حيوان وحيد القرن الأفريقي بالإضافة للعاج، والطيور والزواحف الحية.

حلل الباحثون في التقرير عمليات مصادرة الحيوانات البرية المهربة خلال الفترة من 2009 وحتى 2017 في المطارات الحيوية في 136 دولة حول العالم؛ إذ أظهر ارتفاعًا حادًّا في عمليات تهريب وحيد القرن التي تضاعفت ثلاث مرات تقريبًا عن العام السابق (2016).

رصد التقرير 1346 حالة ضبط لحيوانات برية أو منتجات برية مهربة عبر قطاع النقل الجوي خلال الفترة من 2009 وحتى 2016. شملت حالات الضبط 369 حالة ضبط عاج مهرب، و133 حالة تهريب لقرن وحيد القرن، و335 حالة تهريب زواحف، و195 حالة تهريب للطيور الحية، و104 حالات تهريب لحيوان آكل النمل الحرشفي، و83 حالة تهريب لمنتجات بحرية، و127 حالة تهريب لثدييات برية.

قاعدة بيانات المضبوطات 

ولبناء قاعدة البيانات التي تغطي عمليات ضبط الحيوانات المهربة في المطارات، جمع معدُّو التقرير في المرحلة الأولى بيانات عن حالات ضبط وحيد القرن، والعاج، والزواحف، والطيور في المطارات المختلفة حول العالم، والتي شكلت نسبة 66% من جملة المنتجات البرية المضبوطة.

أما في المرحلة الثانية، فقد جمع الباحثون بيانات شهرية عن عمليات الضبط التي جرت في المطارات. وتغطي عمليات الضبط في المرحلتين 81% من عمليات التهريب المعروفة للحياة البرية حتى الآن.

ووفق التقرير فإن بيانات المضبوطات المهربة تشير إلى أن حيوانات مثل وحيد القرن، والزواحف، والطيور النادرة، وآكل النمل الحرشفي، تشكل مجتمعةً 81% من جملة الحيوانات التي يجري الاتجار بها بشكل غير مشروع.

وفرق معدو التقرير بين نوعين من التجارة غير المشروعة في الحياة البرية، النوع الأول هو التجارة في منتجات الحياة البرية مثل العاج، وقرن وحيد القرن، وحراشف آكل النمل الحرشفي وعظامه، ويُعَد لحم الأخير أحد الأطباق الشهيرة في الصين، كما أن عظام الحيوان الثديي تُستخدم من قِبَل المعالجين التقليديين في الصين ودول الهند الصينية؛ إذ تدخل في العديد من الوصفات العلاجية. أما النوع الثاني فيشمل الثدييات والزواحف الحية والطيور.

مسارات التهريب

وفقًا لنتائج التقرير فإن مسارات تهريب منتجات الحياة البرية -مثل العاج، وقرون وحيد القرن، وآكل النمل الحرشفي- تميل إلى التدفق من أفريقيا نحو آسيا، وغالبًا ما تمر عبر الشرق الأوسط وأوروبا. وتُعَد كينيا أهم محطات تهريب منتجات الحياة البرية من أفريقيا إلى آسيا. ويعتمد مهربو الأحياء البرية الذين ينقلون حيوانات حية، مثل الطيور الحية والزواحف، بشكل عام على الرحلات الجوية المباشرة بين أماكن التهريب أو المعابر، والنقاط الساخنة على خريطة الدول المستقبِلة لهذه التجارة غير المشروعة.

تحتل الصين حتى الآن الوجهة الأكثر شيوعًا لجميع منتجات الحياة البرية المضبوطة خلال الفترة الزمنية التي يغطيها التقرير بإجمالي 387 عملية تهريب عام 2017، تلتها تايلاند بإجمالي 150 عملية تهريب، والإمارات العربية المتحدة التي تحتل المركز الثالث في عمليات تهريب الأحياء البرية ومنتجات الحياة البرية عبر قطاع النقل الجوي بإجمالي 117 عملية تهريب.

وتشمل القائمة أيضًا فيتنام (108) عمليات تهريب، وإندونيسيا (97) عملية، وكينيا (94) عملية، والهند (90) عملية، وجنوب أفريقيا (88) عملية، وماليزيا (80)، والولايات المتحدة الأمريكية (61) عملية.

واحتلت كلٌّ من الصين، وكينيا، وتايلاند، وإثيوبيا، والإمارات العربية المتحدة، المراكز الأولى عالميًّا في حالات تهريب العاج عبر قطاع النقل الجوي، في حين تصدرت الصين وجنوب أفريقيا، وفيتنام، وموزمبيق، وقطر، وتايلاند، دول العالم في حالات تهريب قرن وحيد القرن. أما فيما يتعلق بحالات تهريب الطيور، فقد تصدرت الإمارات العربية المتحدة قائمة دول العالم.

ولم يُغفِل التقرير مصر، تقول "ساكس": إن مصر تقع ضمن أهم 25 دولة في عمليات ضبط الأحياء البرية المهربة في المطارات، خاصةً فيما يتعلق بالثدييات والطيور.

وتضيف في تصريحات لـ"للعلم": بما أن منطقة الشرق الأوسط تُعَد ممرًا رئيسيًّا (ترانزيت) لعمليات التهريب، فإنه يتوجب على المطارات المصرية وشركات الطيران أن تكون على دراية بطرق كشف عمليات التهريب والإبلاغ عنها.

من جانبه، يوضح "محمد سالم"، المتحدث الرسمي باسم قطاع حماية الطبيعة في وزارة البيئة المصرية، أن الاتجار في الحيوانات البرية ليس محظورًا بالكلية، وإنما يُحظر الاتجار في بعض الحيوانات المهددة بالانقراض مثل السلاحف وبعض أنواع الطيور والزواحف التي تحظى بوضع خاص في القانون رقم 4 لسنة 1994، والمعدل بالقانون رقم 9 لسنة 2009.

وينص القانون على أنه "يُحظر بأية طريقة القيام بصيد أو قتل أو إمساك الطيور والحيوانات البرية والكائنات الحية المائية، أو حيازتها أو نقلها أو تصديرها أو استيرادها أو الاتجار فيها حيةً أو ميتة، كلها أو أجزائها أو مشتقاتها، أو القيام بأعمال من شأنها تدمير البيئة الطبيعية لها".

ويوقع القانون على مَن ارتكب أيًّا من الأفعال السابقة عقوبة الحبس مدة لا تقل عن سنة، وغرامة لا تقل عن خمسة آلاف جنيه ولا تزيد على خمسين ألف جنيه أو بإحدى هاتين العقوبتين، وفقًا للمادة 28 من القانون.

ويرى سالم في تصريح لـ"للعلم" أن العقوبة المنصوص عليها في القانون رادعة بشكلٍ كافٍ، وأن الوضع الحالي في مصر ليس خطيرًا حتى يتم تعديل التشريعات.

جريمة منظمة

في نهاية عام 2016، كشف تحقيق استقصائي أجرته صحيفة "الجارديان" البريطانية، تَورُّط نخب سياسية واقتصادية آسيوية في تجارة الأحياء البرية عبر مساندة شبكات التهريب وتوفير الحماية لها.

كما كشف التقرير حدوث عمليات قتل واسعة لعدد ضخم من الحيوانات البرية، مثل الفيلة والنمور ووحيد القرن؛ لاستخدام منتجاتها من القرون واللحوم والأنياب والجلود في التجارة، إضافة إلى الظباء والطيور والثعابين والسلاحف.

"تضع التجارة غير المشروعة في الحياة البرية ضغوطًا على الأنواع المعرضة للخطر بالفعل، وتعرِّض سلامة وصحة المجتمعات المحلية والعالمية للخطر. ويتأثر أكثر من 7000 نوع بتجارة الأحياء البرية غير القانونية، ومن دون اتخاذ إجراء فوري يمكن أن تنقرض العديد من الأنواع الأكثر شهرةً في العالم قريبًا"، تقول "ساكس" لـ"للعلم".

وتضيف أنه جرى اصطياد ٥٥ فيلًا خلال العام الماضي للحصول على العاج، كما يُقتل وحيد قرن واحد كل 7 ساعات للحصول على قرونه، وفي كل عام يتم تهريب أكثر من 130.000 من الزواحف الحية و13000 طير حي عبر قطاع النقل الجوي.

توضح "ساكس" أن الفساد يؤدي دورًا كبيرًا في عمليات التهريب عبر المطارات، وكانت هناك العديد من عمليات الضبط التي أثبتت التحقيقات ضلوع عاملين في المطار في عمليات التهريب عن طريق غض الطرف عن حالات التهريب.

ويشير برنامج الأمم المتحدة للبيئة في تقرير أصدره العام الماضي إلى أن إجمالي التجارة غير المشروعة في الحياة البرية يصل إلى 23 مليار دولار سنويًّا، واضعًا هذه التجارة مع تجارة المخدرات والسلاح والبشر في تصنيف واحد. "غالبًا ما ترتبط عمليات الاتجار غير المشروع في الأحياء البرية بأنشطة أخرى غير مشروعة مثل تجارة المخدرات، والاتجار في البشر"، تؤكد "ساكس" لـ"للعلم".

إجراءات المكافحة

لكن كما يُعَد النقل الجوي وسيلةَ تهريب آمنةً فإنه يعد أيضًا فرصةً جيدةً لضبط المهربين، وفق "جوليانا سكافوزي"، كبير مديري البيئة في المجلس الدولي للمطارات ACI))، التي تقول: "إن المهربين ينتهكون أنظمة النقل الجوي على نحوٍ متزايد لنقل منتجاتهم بسرعة وأمان من المصدر إلى السوق، لكن ذلك يوفر للمطارات فرصة مهمة لأداء دورها في ضبط تهريب الحيوانات البرية ومنعه".

وتضيف سكافوزي في تصريح لـ"للعلم": "إنه من المهم للغاية أن يكون الركاب وموظفو المطار على دراية بأهمية الحياة البرية، وأن يتوخوا الحذر في التعامل مع المهربين، كما يجب أن تكون هناك طرق يمكنهم بها الإبلاغ عن المهربين أو المشتبه بهم".

وتشدد على ضرورة الامتثال للإجراءات المقترحة في التقرير بشأن صيانة الحياة البرية ومكافحة الاتجار غير المشروع بها، والالتزام ببنود اتفاقية "سايتس".

وقعت اتفاقية التجارة العالمية لأصناف الحيوان والنبات البري المهدد بالانقراض أو "سايتس"CITES) ) في العاصمة الأمريكية واشنطن، في 3 مارس 1973، وبدأ العمل بها في عام 1975، وبلغ عدد الدول الموقعة عليها 162 دولة، وتهدف إلى تنظيم عمليات الاتجار في الحياة البرية والنباتات المهددة بالانقراض وتقييدها للمستويات التي لا ينشأ عنها تهديد لهذه الأنواع بالانقراض، من خلال وضع تشريعات وإجراءات تلتزم بها الدول الموقعة على الاتفاقية. 

وكان التقرير الأخير قد حدد الخطوط العريضة لأكثر من عشرة مقترحات تستند إلى بيانات المضبوطات لمنع الاتجار في الحيوانات البرية من خلال قطاع النقل الجوي. وتشمل هذه التوعية بناء الوعي بين الموظفين والركاب، وتدريب موظفي الصناعة الجوية، وتعزيز سياسات الشركات وضوابط الاستيلاء عليها، وتبادل معلومات الاستيلاء عليها.

"العديد من شركات الطيران تدرك الحاجة إلى مكافحة الاتجار في الحياة البرية، ويتصاعد دورها كقادة في هذا الجهد العالمي"، يقول "جون غودسون"، مساعد مدير البيئة في الاتحاد الدولي للنقل الجوي (IATA)، مضيفًا أن موظفي شركات الطيران يقضون وقتًا أطول مع الركاب والأمتعة أكثر من سلطات الجمارك، ويمكنهم توفير مصدر رئيسي للمساعدة وتقديم الحلول المطلوبة لوكالات الإنفاذ.

ويقول مسؤول بوزارة الطيران المدني المصرية، ذو اطلاع على ملف الاتجار بالحياة البرية –فضَّل عدم ذكر اسمه- لـ"للعلم": إن الدول العربية -وخاصة مصر- تُعَد دول ترانزيت فقط لهذه التجارة غير المشروعة، ونادرًا ما يتم ضبط حالات تهريب من داخل البلاد أو إليها، ويشير إلى أن مطار القاهرة الدولي سجل بالفعل عدة حالات لضبط حيوانات برية مهربة في أمتعة المسافرين بعد تخدير هذه الحيوانات، مثل الثعابين والصقور، والسلاحف، إضافة إلى المنتجات البرية مثل العاج.

ويضيف المسؤول أن الإجراء المتبع في حالات الضبط هو الالتزام ببنود اتفاقية "سايتس"، تسليم الراكب إلى النيابة للتحقيق معه، ويعاقب وفق قانون البيئة المصري، لكنه يوضح أن المطارات المصرية ليس لها سلطة على حقائب مسافري الترانزيت، وإنما تنتقل مباشرة إلى وجهتهم الأساسية.

وعن الإجراءات الواجب على الحكومات اتخاذها للحد من الاتجار غير المشروع في الحياة البرية، توضح "ساكس" أن المنظمة وضعت 19 توصية، من أبرزها:

- زيادة حملات التوعية بأهمية الحياة البرية بين الركاب وأطقم الطائرات والعاملين بالمطارات.

- وضع برامج تدريب للموظفين المَعْنيين بمراقبة المطارات والمعابر حول كيفية ضبط الشحنات المهربة والتعامل معها.

- تشديد الرقابة في المطارات، والتعاون بين مطارات الدول المختلفة من أجل وضع سياسات مكافحة هذه التجارة غير المشروعة.

- مشاركة المعلومات والبيانات حول عمليات الضبط المختلفة.

- تحسين كفاءة إجراءات الكشف عن الحيوانات البرية ومنتجات الحياة البرية المهربة من خلال توحيد معايير ضبط الشحنات بين الدول.

- زيادة التمويل لتوفير أجهزة حديثة لكشف وضبط الحيوانات أو المنتجات البرية المهربة عبر أمتعة الركاب والترانزيت.

- وضع تشريعات محلية تقيِّد الاتجار في الحيوانات البرية والطيور المهاجرة بما يتوافق مع اتفاقية "السايتس" الدولية.