أعيش في واحدة من المدن الجديدة على أول طريق الفيوم الصحراوي في مواجهة أهرامات الجيزة، حيث الشتاء قارس البرودة، لا سيما مع افتقار المباني إلى أنظمة العزل الحراري، وهو ما يجعلنا نعتمد اعتمادًا كبيرًا على أجهزة التدفئة في الشتاء وأجهزة التبريد في الصيف.

تزداد المعاناة لأن طفلتي تعاني من الحساسية، والتعرُّض المستمر للأتربة والغبار يجعلها بحاجة إلى البخاخات الدوائية طوال العام.

متلازمة المباني المريضة

لا تقتصر هذه المشكلة التى أعاني منها على سكان المدن الجديدة؛ حيث تنتشر في مصر "متلازمة المباني المريضة"، وهي المباني التي لا تراعي المعايير البيئية فيما يخص استهلاك الطاقة وزيادة الانبعاثات ذات الصلة، مثل ثاني أكسيد الكربون وغازات الدفيئة كالميثان والأوزون وأكسيد النيتروز والغازات الفلورية، فضلًا عن جودة الهواء الداخلي التي تُعد أشد خطورةً من الهواء الخارجي، من جهة تأثيرها السلبي المباشر على صحة السكان نتيجة سوء التهوية الطبيعية، ومستوى الرطوبة العالية التي توفر بيئةً مناسبةً لنمو الفطريات والميكروبات، أو الرطوبة المنخفضة التي تزيد من تراكم الغبار، والتذبذب في درجات الحرارة الذي يتسبب في ظهور المواد العضوية المتطايرة والفطريات.

 ومن شأن كل ذلك أن يفاقم أزمة تغير المناخ، وذلك ينتج عنه العديد من المشكلات، وفق رسالة ماجستير صدرت عام 2015 بعنوان "مفهوم المباني المتنفسة لمواجهة التغير المناخي".

تقول منى رزق -المهندسة المعمارية المتخصصة في التصميم البيئي ومؤلفة الرسالة- لـ"للعلم": "إننا بحاجة إلى تصميم مبانٍ تتكيف مع التغير المناخي وتقلل من استهلاك الطاقة لكسر هذه الدائرة، وهو ما يمكن أن تفعله العمارة الخضراء".

والعمارة البيئية أو الخضراء هي مظلة واسعة لعدة مفاهيم حديثة، ظهرت في الآونة الأخيرة، كالعمارة المستدامة والعمارة المستجيبة والمتنفسة، كما توضح منى رزق، وتضيف أن هذه المفاهيم تتفق جميعها في أهمية أن يتوافق المبنى مع البيئة المحيطة وأن يكون جيد التهوية ومريحًا حراريًّا للسكان (أن يتمتع الهواء الداخلي بدرجة الحرارة المناسبة للجسم بمعزل عن البرودة أو الحرارة الشديدة في الخارج)، وهو ما يوفر في استهلاك الطاقة، ويحدث ذلك عن طريق استخدام مواد بناء صديقة للبيئة وتقنيات متطورة في التصميم تعمل على تحقيق ذلك، مما ينعكس بالإيجاب على الصحة والبيئة والاقتصاد.

هناك خمس مشكلات رئيسية ناتجة عن تغير المناخ وتتأثر بها المباني، وفق أبحاث علمية صادرة عن معهد الطب بالولايات المتحدة، عام 2011، يستعرضها الإنفوجراف التالي:

credit: Rahma Diaa

ماذا يمكن أن تفعل العمارة الخضراء؟

يستهلك قطاع المباني 32% من إجمالي استهلاك الطاقة عالميًّا و19% من انبعاثات غازات الدفيئة المرتبطة بها، وقد تتضاعف هذه النسبة ثلاث مرات بحلول منتصف القرن، وذلك بسبب التوسُّع العمراني على مستوى العالم، وفق تقرير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغيُّر المناخ، عام 2014.

وقد تبقى هذه النسبة ثابتةً أو تتراجع في حال استخدام التكنولوجيا المتطورة في التصميم ومراعاة معايير العمارة الخضراء إلى جانب تغيير سلوكيات الاستهلاك، ويتوقع التقرير أن يحقق ذلك انخفاضًا بمقدار مرتين إلى عشر مرات في استهلاك الطاقة والانبعاثات ذات الصلة في المباني الجديدة وتخفيض مرتين إلى أربع مرات في المباني القائمة، وأشار التقرير إلى توفير الطاقة في المباني البيئية بنسبة 50 إلى 90% في جميع أنحاء العالم.

وترى منى رزق أن تطبيق هذه التقنيات في مصر يحتاج إلى تدريس مفاهيم العمارة البيئية وأساسياتها في الجامعات؛ من أجل رؤية معمارية جديدة من شأنها رفع الوعي بأهمية العمارة البيئية، وتوضح: "يريد العميل أن ينجز المبنى بأموال أقل ليحقق ربحًا أكبر، لذلك نحن بحاجة إلى توعية الناس بأهمية المعايير البيئية التي توفر تهويةً جيدةً وعزلًا حراريًّا، مما يقلل احتياجهم إلى أجهزة التكييف والتدفئة، ويحافظ على صحتهم وبيئتهم".

يؤدي استخدام مواقد الغاز والمدافئ والأفران إلى انبعاث غازات أول أكسيد الكربون وأكسيد النتيروجين وثاني أكسيد الكبريت، فضلًا عن غازات أخرى تطلقها مواد البناء مثل المركبات العضوية المتطايرة، وقد يتسبب ذلك في احتمالات إصابة السكان بالتسمم والغيبوبة وأحيانًا الوفاة، وهي أمور يمكن تجنُّبها في العمارة البيئية، وفق كتاب "تكيُّف المباني والمدن مع تغيُّر المناخ"، في طبعته الثانية عام 2009.

تقنيات العمارة الخضراء

العمارة الخضراء -وفق منى رزق- قادرة على عمل تهوية طبيعية داخل المبنى وتنقية الهواء في الداخل أو ترطيبه لتقليل درجة الحرارة وغيرها من المزايا، وذلك من خلال تطبيق تقنيات مختلفة، مثل الواجهات التي يتم تحريكها بشكل ميكانيكي كل ساعة، وفتح الفتحات المصممة فيها وإغلاقها، بما يسمح بدخول القدر المطلوب من الهواء والضوء وفق الظروف الجوية في الخارج، بمساعدة أجهزة استشعار عن بُعد.

وتضيف أنه يمكن أيضًا تقليل أحمال التبريد داخل المباني عن طريق اختيار أنواع معينة من الزجاج بالواجهات، والعزل الحراري، والمسطحات الخضراء، واستخدام وحدات إضاءة ذات كفاءة عالية لتخفيض استهلاك الطاقة.

ولفتت إلى أن هناك العديد من المباني القديمة في مصر يمكن اعتبارها مباني متنفسة دون الحاجة إلى واجهات متحركة، مثل بيت السحيمي وقبة الغوري وبيت المعمار المصري الذي اقترن باسم المعماري حسن فتحي، والمساجد القديمة كالسلطان حسن والرفاعي.

credit: Rahma Diaa أحد المساجد القديمة بحي الجمالية - تصوير رحمة ضياء

تجارب مصرية رائدة

تقدم ورقة بحثية بعنوان "تقييم تجربة العمارة المستدامة في مصر" نشرتها مجلة جامعة الأزهر في 2016، نماذج من المباني في مصر اتبعت تقنيات العمارة الخضراء المتطورة، وما الذي ميز هذه التجارب، وما العقبات التي تمنع توسعها وانتشارها على نطاق أوسع، يوضحها الإنفوجراف التالي:

credit: Rahma Diaa

ويستعرض الفيديو التالي تجربة مصر في العمارة البيئية قديمًا، وبعض النماذج الحديثة التي اتبعت تقنيات العمارة الخضراء المتطورة:

Credit: Rahma Diaa

إحياء أسس العمارة القديمة في مصر

بدأت مشكلات العمارة في مصر مع استخدام الأسمنت والتوقف عن استخدام المواد المتاحة في البيئة الطبيعية التي يقام فيها المبنى، مع بدايات النصف الثاني من القرن العشرين.

يشير الباحث المعماري ومؤسس مشروع وصف الإسكندرية، محمد جوهر، إلى أن "الأسمنت مادة ملوثة جدًّا للبيئة، ينتج عنها الكثير من العوادم، كما أن نقله من مكان إلى آخر يزيد من الانبعاثات الصادرة عنه".

وقال: "ربما يتعذر علينا أن نعمِّم استخدام التقنيات المتطورة المكلفة، ولكننا نستطيع إحياء أسس العمارة البيئية المستخدمة قديمًا، ويحتاج ذلك إلى أن يكون التدريس المعماري في الجامعات المصرية متناسبًا مع البيئة التي تنتمي إليها الجامعة، فما تدرسه كليات الهندسة في الإسكندرية، على سبيل المثال، لا بد أن يتميز بخصوصية عما يدرس في السويس أو الصعيد أو سيوة".

كما نحتاج إلى تغيير وعي المستهلك، فربما يمكن تشييد بيت يحقق كل أسس الأستدامة البيئية، لكن مَن يعيش فيه ليس لديه ثقافة استهلاك الطاقة على سبيل المثال.

منظومة القوانين والاستدامة

ويشير عماد سعد -استشاري استدامة ومسؤولية مجتمعية بعدد من الشركات ورئيس تحرير شبكة بيئة أبو ظبي- لـ"للعلم" إلى أن البلدان النامية بحاجة إلى إعادة بناء منظومة القوانين والتشريعات المتعلقة بالعمارة والبناء، وإعادة اكتشاف مواد البناء المحلية ونظمها ذات البصمة الكربونية الأقل، ومن ثم بناء شراكات (مسؤولة) بين دول العالم بعضِها وبعض، وبين الحكومات وشركات القطاع الخاص والمجتمع المدني لتوفر تقنيات العمارة المستدامة برسوم رمزية لتشجيع الناس على شرائها واستخدامها.

والبصمة الكربونية هي إجمالي غازات الدفيئة الناتجة عن الانبعاثات الصناعية أو الخدمية أو الشخصية.

ويستند نظام المباني الخضراء –برأيه- إلى معايير الاستدامة عبر استخدام مواد البناء المحلية وتطبيق نظام كفاءة استهلاك الطاقة والمياه وفرز النفايات وإعادة تدويرها والعزل الحراري للجدران وزيادة المسطحات الخضراء، كل ذلك من أجل تخفيف البصمة الكربونية للمباني وقاطنيها، يشدد "سعد" على أن معايير الاستدامة هي الخطوة الأولى في تطوير عمليات البناء الأخضر.

*تم إعداد هذه القصة ضمن مبادرة MediaLab Environment، وهو مشروع CFI بتمويل من وزارة أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسية.