ثمة إغراء في فكرة شحن الهاتف لاسلكيًّا: أن تضع جهازك على الطاولة من أجل شحن بطاريته بسرعة بينما تتناول غداءك أو تنتظر موعد الطائرة، دون الحاجة إلى حمل شاحن تتشابك أسلاكه أو إلى البحث عن مقبس للكهرباء. لقد أصبحت الكثير من الهواتف اليوم توفر هذه الخاصية، وبدأت منصات الشحن اللاسلكي في الظهور في المطارات والمطاعم.

لكن وصف التكنولوجيا الحالية بأنها "لاسلكية" لا يزال ينطوي على شيء من المبالغة. صحيح أن الهاتف لم يعد مقيدًا بكابل، لكن منصة الشحن لا تزال موصلة بمقبس كهرباء، ويجب وضع الهاتف فوق منصة الشحن بدقة بطريقة معينة. لذا فإن هذه التكنولوجيا ليست شديدة الاختلاف في نهاية الأمر عن استخدام كابل كهرباء. لكن يبدو أن هذا الأمر في طريقه إلى أن يتغير مع ميلاد شكلين جديدين من التكنولوجيا، أحدهما لاسلكي فعلًا ويسمح للهاتف بامتصاص الطاقة بنفسه من مصدر بعيد. وثمة دفعة كبيرة أخرى قد تأتي من شركة "أبل" التي من المرجح -وفقًا لتقارير إخبارية- أن تطرح إمكانية الشحن اللاسلكي في إصدارات هاتف آيفون القادمة. وهذا قد يجعل الفكرة تنتشر لتصبح ضمن التيار السائد، والتكنولوجيا التي تختارها "أبِل"، سواء أكانت النظام الحالي أم إصدار أحدث، يمكن أن تؤثر على توجهات الصناعة.

أنظمة الشحن التي لا تعتمد على أسلاك تعتمد على تكنولوجيا الاقتران الحثي، وهي نفس التكنولوجيا التي تُستعمل منذ عقود لشحن فُرَش الأسنان الكهربائية والمكانس الروبوتية. فتعمل بكرة أسلاك في منصة الشحن على توليد مجال مغناطيسي يتدفق عبر بكرة أسلاك داخل الهاتف، فيتولَّد فيها تيار متردد يشحن البطارية. ونظرًا إلى أن بكرتي الأسلاك المُرسِلة والمستقبِلة يجب أن تكونا على اتصال ببعضهما على مسافة لا تزيد على بضعة مليمترات فقط، يجب وضع الهاتف بطريقة معينة على منصة الشحن. وهذه العملية ليست متوافقة مع الاستخدام الفعال للطاقة، وهي بطيئة نسبيًّا، إذ إن شحن جهاز سامسونج جالاكسي 7 يستغرق ثلاث ساعات.

لكن يبدو أن ثمة تكنولوجيا متقدمة سوف تكون أسرع وقادرة على تحرير المستخدمين من منصات الشحن. وهذه التكنولوجيا -التي تُسمى "الاقتران الرنيني"، وهي نسخة مطورة من تكنولوجيا الاقتران الحثي- تشتمل على نفس البنية الأساسية لكن مع إضافة بضع بكرات أسلاك ودوائر إلكترونية إضافية في كلٍّ من الشاحن والهاتف. وكما يقول ألكس جروزن -الرئيس التنفيذي لشركة "وايتريسيتي"، وهي شركة منبثقة عن معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا وتقوم بتسويق تكنولوجيا الشحن الرنيني- فإن العناصر الإضافية تجعل بكرة الإرسال أكثر كفاءة وتضبطها على مجال مغناطيسي عند تردد معين. ويقول جروزن: "ثم يحدث شيء سحري؛ فجأة، لا يتعين على بكرتي السلك المرسلة والمستقبلة أن تكونا مصطفتين تمامًا، ولا يجب أن تكونا بنفس الحجم".

الآن يمكن لمنصة الشحن أن تبعد عن الهاتف بمسافة تزيد على قدم، إضافة إلى أنها تستطيع نقل الطاقة بنفس سرعة السلك المادي وعبر الأسطح الصلبة. وهذا يعني أنه يمكن تركيب الشاحن تحت طاولة، وهذا يجعل منها سطحًا كبيرًا لشحن عدة أجهزة، ويمكن للمستخدمين وضع الهواتف في أي مكان عليها. فيقول جروزن: "بإمكانك أن تمنح هاتفك "وجبة صغيرة من الطاقة" على مدار اليوم، وشحنه قليلًا من وقت إلى آخر".

ويوفر الآن هاتف جالاكسي S6 وبضعة هواتف أخرى إمكانية الشحن الرنيني. ولكن المعدل العالي لنقل الطاقة الذي توفره هذه التكنولوجيا يجعلها مفيدة لما هو أكثر من الهواتف. ففي معرض الإلكترونيات الاستهلاكية الذي أُقيم في شهر يناير في لاس فيجاس، كشفت شركة "ديل" عن جهاز كمبيوتر لوحي من الطراز "لاتيتيود" يحتوي على مُستقِبل شحن رنيني بالتكنولوجيا من صنع شركة "وايتريسيتي". ويقول جروزن إنهم يتعاونون حاليًّا مع شركة "جنرال موتورز" لتطوير علبة شاحن توضع على أرض جراج، حيث يمكن لسائق السيارة الكهربائية أن يتوقف فيه من أجل إعادة شحن السيارة آليًّا. ووفق جروزن، فربما تصبح هذه التكنولوجيا متوفرة في السيارات بحلول عام 2018، ويُضيف أن الشحن اللاسلكي سوف يجعل الأمور أسهل للسيارات ذاتية القيادة أيضًا، إذ يقول: "لا يمكن أن يكون لديك أسطول من سيارات أوبر ذاتية القيادة إذا كانت جميعها تحتاج إلى الشحن بمقبس".

لكن الاقتران الرنيني لا يزال قاصرًا عن تقديم ما يكفي بالنسبة للبعض. فالشركتان الناشئتان "إنرجوس" و"أوسّيا" تعملان على تطوير تكنولوجيا شحن مختلفة يمكن أن تزود الأجهزة بالطاقة عبر مسافة غرفة أو حتى منزل. ويحدث هذا عبر إرسال الطاقة على موجات تردد راديوية، على غرار إشارات الإنترنت التي تبثها محطات الواي فاي القاعدية. وقد وعدت هاتان الشركتان بصنع شواحن طويلة المدى منذ أكثر من سنة. وقد قال ستيف ريزون -الرئيس التنفيذي لشركة "إنرجوس"- مؤخرًا لشبكة "ذا فيرج" The Verge إن أجهزة الإرسال اللاسلكية التي تصنعها الشركة التي تستطيع شحن الأجهزة من مسافة عدة أقدام سوف تُطرَح في الأسواق في عام 2017.

أما مسافات الشحن الأطول فقد تأتي مع التضحية بشيء في المقابل. فأحد التحديات التي تواجه الشحن بعيد المدى أنه -كما يقول مِنّو تريفرز، رئيس اتحاد الطاقة اللاسلكية (WPC)، وهي منظمة عالمية للمصنِّعين تُشرف على تطبيق معايير الشحن الحثي والرنيني- "منخفض الفاعلية في استخدام الطاقة للغاية، ومرتفع التكلفة، كما أن الانبعاثات الكهرومغناطيسية شديدة الارتفاع، حتى إن تلك المنتجات قد تجد صعوبة في الحصول على موافقة الجهات التنظيمية". ويرى تريفرز أن هذه التكنولوجيا يمكن أن تكون أكثر ملاءمة لتزويد الأجهزة الصغيرة بالطاقة، ومنها أجهزة المساعدة السمعية وأجهزة متابعة الأنشطة البدنية ومُنظِّمات الحرارة وكواشف الدخان التي تحتاج إلى طاقة أقل من 1 وات.

لكن هذا لا يعني أنه لا يمكن استخدامها مع الهواتف. في الواقع، كما يقول ديفيد جرين، مدير أبحاث الطاقة اللاسلكية لدى شركة "آي إتش إس ماركيت"، وهي شركة لتحليلات الأسواق في المملكة المتحدة، يمكن أن يكون هناك مكان للتكنولوجيات الثلاث جميعها في مستقبل الشحن اللاسلكي. إذ يمكن للشحن الحثي والرنيني عالي الطاقة أن يعيد شحن الهواتف من مسافات قصيرة بسرعة كبيرة، في حين أن قطرات الطاقة التي تأتي بواسطة النقل بالترددات الراديوية بعيدة المدى يمكن أن تُبقي البطاريات ممتلئة.

ويُراقب كثيرون في الصناعة في الوقت الراهن شركة "أبِل" لمعرفة التكنولوجيا التي سوف تختارها لهاتف آيفون. وتقدم الشركة بالفعل تكنولوجيا الشحن الحثي في الساعات الذكية، ومن ثمَّ ربما تقرر اعتماد نفس التكنولوجيا مع الهواتف. من ناحية أخرى، فإن تحركها الأخير للانضمام إلى اتحاد الطاقة اللاسلكية قد يعني أن هواتف آيفون سوف تأتي مزودة بتكنولوجيا الشحن الحثي أو الرنيني. وفي ضوء صفقة شركة "إنرجوس" الأخيرة مع شركة "ديالوج سيميكوندَكتور" التي تزود شركة "أبل" بالرقاقات، فقد تكون "أبل" أيضًا في طريقها لاستخدام تكنولوجيا نقل الطاقة اللاسلكية بعيد المدى على هواتفها، وذلك وفقًا لموقع "فينتشربيت" للتكنولوجيا. وفي الوقت نفسه، يرى هارلان سور -المحلل لدى شركة "جي بي مورجان"- أن "أبل" قد تخرج بمنصة شحن لاسلكي مخصصة من صنع شركة "برودكوم".

وأيًّا كانت التكنولوجيا التي تختارها "أبل"، فإن قرارها قد يدفع تكنولوجيا الشحن اللاسلكي لتكون جزءًا لا يتجزأ من التوجه السائد في الصناعة. ويقول جروزن إنه لا أحد يستطيع التنبؤ بما يخطط له تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة "أبل"، غير أن «جميع المؤشرات تدل على أن ثمة شيئًا ما في طور الإعداد».