منذ عام 1900، تضاعف متوسط العمر المتوقع للإنسان حول العالم بأكثر من الضِّعف ليبلغ حوالي 70 عامًا، ما دفع العلماء إلى بذل مزيد من الجهد لدراسة الأمراض المرتبطة بتدنِّي القدرات المعرفية مع تقدم العمر، وخاصةً تلك التي تتعلق بالفروق بين الجنسين؛ إذ تشير الأدلة المتزايدة إلى وجود فروق بين الجنسين في فرط كثافة المادة البيضاء لدى كبار السن.

وفرط كثافة المادة البيضاء عبارة عن آفات صغيرة تظهر في فحوص الدماغ وتصبح أكثر شيوعًا مع تقدم العمر أو مع ارتفاع ضغط الدم غير المنضبط، وارتبطت هذه المؤشرات الحيوية في الدماغ في بعض الدراسات بزيادة خطر الإصابة بالسكتة الدماغية ومرض ألزهايمر والتدهور المعرفي؛ إذ أفادت دراسات سابقة أُجريت على كبار السن أن النساء لديهن مستويات أعلى وتطور أسرع فيما يتعلق بعبء فرط كثافة المادة البيضاء.

من هنا تأتي أهمية الدراسة التي نشرتها مؤخرًا دورية "نيورولوجي" (Neurology) الصادرة عن "الأكاديمية الأمريكية لعلم الأعصاب"، تحت عنوان "العلاقة بين الجنس وانقطاع الطمث وفرط كثافة المادة البيضاء".

ووفق الدراسة التي أجراها باحثون من "المركز الألماني للأمراض التنكسية العصبية"، أظهرت الأشعة المقطعية المستعرضة التي أُجريت على الدماغ أن "فرط كثافة المادة البيضاء كان أكثر شيوعًا لدى النساء بعد انقطاع الطمث مقارنةً بالرجال من العمر نفسه، في حين لم يكن هناك فرقٌ في فرط كثافة المادة البيضاء بين الجنسين –من العمر نفسه- في فترة ما قبل انقطاع الطمث لدى النساء".

انقطاع الطمث

وانقطاع الطمث هو عملية حيوية طبيعية تحدد انتهاء دورات الحيض، ويشخص انقطاع الطمث بعد مرور 12 شهرًا من دون دورة شهرية، ويمكن حدوثه في عمر 40 أو 50 عامًا، وقد تؤدي أعراضه البدنية -مثل الهبّات الساخنة- إلى إعاقة النوم أو خفض الطاقة أو التأثير سلبًا على الصحة النفسية.

تشير مونيك بريتلر -مديرة علوم صحة السكان في المركز الألماني للأمراض التنكسية العصبية، والمشاركة في الدراسة- إلى أن "انقطاع الطمث يُعد حدثًا رئيسيًّا في حياة المرأة، ويرتبط بأمراض القلب والأوعية الدموية والخرف والسكتة الدماغية والوفيات الناجمة عن تلك الأسباب".

تقول "بريتلر" في تصريحات لـ"للعلم": درسنا مدى ارتباط انقطاع الطمث بارتفاع عبء فرط كثافة المادة البيضاء لدى النساء، وبحثنا الاختلافات المحتملة في فرط كثافة المادة البيضاء بين الرجال والنساء في المراحل العمرية الأصغر سنًّا، والتغيرات التي تحدث في الدماغ في المراحل العمرية اللاحقة وارتباطها بالجنس، وكذلك آثار ارتفاع ضغط الدم غير المتحكَّم فيه على فرط كثافة المادة البيضاء.

وتضيف: فحصنا الدور الذي قد يؤديه انقطاع الطمث على المؤشرات الحيوية في الدماغ، ووجدنا أن فرط كثافة المادة البيضاء يتطور على نحوٍ مختلف لدى الرجال والنساء، وأن انقطاع الطمث من العوامل المؤثرة في فرط كثافة المادة البيضاء.

وتتابع: تزداد كثافة المادة البيضاء مع تقدم العمر، وعلى الرغم من أن هذه الزيادة لا تعني حتمية إصابة الشخص بالخرف أو بالسكتات الدماغية، إلا أن تزايُد كثافتها يزيد من احتمالات حدوث تلك المخاطر، ويتسارع حجم فرط كثافة المادة البيضاء لدى كلٍّ من الرجال والنساء مع تقدم العمر، لكن هذا التسارُع يحدث بمعدل أسرع عند النساء، لا سيما بعد مرحلة انقطاع الطمث.

عينة البحث

تكونت عينة البحث من 3410 أشخاص بمتوسط عمر بلغ 54.3 عامًا، وضمت العينة 1437 رجلًا بنسبة بلغت أكثر من 42.1%، و1973 سيدة بنسبة بلغت أكثر من 57.85% (بينهن 1167 سيدة في مرحلة ما بعد انقطاع الطمث بنسبة بلغت 59.14% من إجمالي عدد نساء العينة)، وبلغ عدد المشاركين الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم 1208 بنسبة بلغت 35.42% من جميع المشاركين، بينهم 660 شخصًا يعانون من ارتفاع ضغط الدم غير المنضبط، وتراوحت أعمار النساء في فترة ما قبل انقطاع الطمث بين 30 و59 سنة، في حين ترواحت أعمار المشاركات اللاتي بلغن سن اليأس بين 45 و95 سنة، وخضع جميع المشاركين لفحوص التصوير بالرنين المغناطيسي للدماغ، الذي يستخدم المجال المغناطيسي وموجات الراديو لإنتاج صور مفصلة للدماغ وجذع الدماغ تكون أكثر وضوحًا وتفصيلًا من الطرق الأخرى، بحيث تتيح للأطباء فحص الرأس بدقة واكتشاف الأمراض.

فرط كثافة المادة البيضاء

تصفح الباحثون عمليات المسح وحسبوا كمية فرط كثافة المادة البيضاء لكل مشارك، وكان متوسط الحجم الكلي لهذه المؤشرات الحيوية في الدماغ 0.5 ملليلتر، وبلغ متوسط حجم المخ الكلي 1180 ملليلترًا للرجال و1053 ملليلترًا للنساء، وكان متوسط الحجم الكلي للمادة البيضاء، وهي منطقة الدماغ التي يوجد فيها فرط كثافة المادة البيضاء، 490 ملليلترًا للرجال و430 ملليلترًا للنساء.

وبعد ضبط المتغيرات المتعلقة بالعمر ومستوى المخاطر الخاص بأمراض الأوعية الدموية مثل ارتفاع ضغط الدم والسكري، وجد الباحثون أن فرط كثافة المادة البيضاء في أدمغة النساء بعد سن اليأس أكثر من الرجال في العمر نفسه.

وأظهرت نتائج الدراسة أنه لم يكن لدى النساء والرجال في مرحلة ما قبل انقطاع الطمث فرقٌ في متوسط كمية فرط كثافة المادة البيضاء، وكان متوسط الحجم الكلي لفرط كثافة المادة البيضاء عند النساء بعد انقطاع الطمث 0.51 ملليلتر، مقارنةً بـ0.33 ملليلتر للنساء في فترة ما قبل انقطاع الطمث.

تغيرات في الدماغ

يؤكد محمد صوان -أستاذ المخ والأعصاب بكلية الطب في جامعة القاهرة- أن "الدراسة الحالية تضيف إلى مجموعة متزايدة من الأدلة على أن فترة السنوات العشر التي تلي انقطاع الطمث لدى النساء ترتبط بحدوث تغيرات في الدماغ تؤدي إلى مخاطر مستقبلية".

يقول "صوان" في تصريحات لـ"للعلم": يضيف هذا البحث إلى دراسات سابقة ذكرت أن هناك استعدادًا مشابهًا بعد انقطاع الطمث لضمور الدماغ وحتى تراكُم بروتين "تاو"، الذي غالبًا ما يرتبط بضمور الدماغ ويساعد على التنبؤ بموضع حدوث أي ضمور بالمخ قبل عام أو أكثر من الإصابة بمرض ألزهايمر، ما يؤكد أهمية اتباع النساء لنمط حياة صحي وإدارة دقيقة لصحة الأوعية الدموية في مرحلة ما بعد انقطاع الطمث.

تتفق تصريحات "صوان" مع دراسة سابقة نشرتها دورية "ساينتفك ريبورتس" أكدت حدوث تغيرات في الدماغ بعد انقطاع الطمث؛ إذ استخدم الباحثون التصوير بالرنين المغناطيسي لمسح أدمغة 161 امرأةً تراوحت أعمارهن بين 40 و65 عامًا في ثلاث مجموعات تنوعت بين نساء لم يدخلن مرحلة انقطاع الطمث وأخريات على أبواب الانتقال إلى مرحلة انقطاع الطمث، ومجموعة ثالثة تشكلت من نساء بلغن مرحلة انقطاع الطمث، وأظهرت النتائج حدوث تغيرات في حجم المادة الرمادية والمادة البيضاء، وتغيرات في تدفق الدم في المخ واستهلاك الجلوكوز الذي يُعد مصدر الوقود الرئيسي للخلايا، وتغيرات في رواسب بروتين أميلويد بيتا المرتبط بمرض ألزهايمر.

تحفظات على الدراسة

يُبدي طارق توفيق -أستاذ المخ والأعصاب بكلية الطب في جامعة القاهرة- بعض التحفظات على الدراسة، مؤكدًا أن "نتائج هذه الدراسة ليست بجديدة".

يقول "توفيق" في تصريحات لـ"للعلم": منذ عام 2012، عكف الباحثون على دراسة التغيرات التي تحدث في أدمغة النساء بعد انقطاع الطمث؛ نظرًا إلى الانخفاض الشديد في معدل إفراز بعض الهرمونات مثل الإستروجين، وذهبت نتائج الدراسة الحالية إلى أن فرط كثافة المادة البيضاء في الدماغ قد يكون من ضمن هذه التغيرات، وأنه من الممكن أن يكون مقدمةً لبعض الأمراض مثل ألزهايمر والسكتة الدماغية، وأعتقد أن هذه النتائج قد تثير الذعر لدى البعض، لذا فمن الضروري تأكيد وجود احتمال أكبر للإصابة بهذه الأمراض، وفق نتائح الدراسة الحالية التي لم تؤكد أنها ستحدث حتمًا.

يضيف "توفيق": الأمر الثاني المهم في هذه الدراسة أنها لم تأخذ بعين الاعتبار بعض المتغيرات المهمة الخاصة بالنساء المشاركات في عينة البحث، مثل التدخين، ومعدل كتلة الجسم، ومستوى اللياقة البدنية، وغيرها من المتغيرات التي قد يكون لها تأثير في الإصابة بهذه الأمراض إلى جانب التغيرات التي حدثت في الدماغ بعد انقطاع الطمث، وأرى أن الباحثين يحتاجون في خطواتهم المستقبلية إلى مزيد من البحث حول العلاقة بين سلامة الأوعية الدموية بالدماغ ومرحلة انقطاع الطمث.

تتفق "بريتلر" مع هذه التحفظات، مضيفةً: واجهنا العديد من العقبات التي نحتاج إلى التغلُّب عليها مستقبلًا، ومنها أن حالة انقطاع الطمث تم الإبلاغ عنها ذاتيًّا، كما لم تكن لدينا معلومات عن العمر الذي بدأ فيه انقطاع الطمث، أو ما إذا كانت المشاركات في مرحلة الفترة الانتقالية التي تسبق انقطاع الطمث أم لا.

وتضيف: من المعروف أن ارتفاع ضغط الدم، الذي يؤثر على الأوعية الدموية الصغيرة في الدماغ، يمكن أن يؤدي إلى زيادة فرط كثافة المادة البيضاء، والنتائج التي توصلنا إليها لا تُظهر فقط أن هناك حاجةً إلى مزيد من الأبحاث للتحقق من كيفية ارتباط انقطاع الطمث بصحة الأوعية الدموية في الدماغ، لكنها توضح أيضًا الحاجة إلى النظر في المسارات الصحية المختلفة للنساء، وهناك أشياء يمكن للنساء فعلها للحفاظ على صحة أدمغتهن مع تقدُّمهن في العمر، مثل علاج ارتفاع ضغط الدم، وعدم التدخين، وممارسة النشاط البدني بانتظام، واتباع نظام غذائي صحي، والحصول على نوم جيد.