مؤخرًا، سألتني شابتان قادمتان من خلفيات ومراحل تعليمية مختلفة تمامًا عما إذا كان يمكن لـ«أشخاص مثلهما» أن يحققوا النجاح في وظيفية أكاديمية في مجال علوم الحاسوب. سؤالهما جعلني أفكر في السبب وراء انعدام ثقتهما بقدرتهما على التفوق.

كتب كثيرون عن الأسباب التي تؤدي إلى هذا النوع من الشعور بالتخوف والقلق2، والإستراتيجيات اللازمة للتخفيف من هذا الشعور. وقد كشفت لي سنوات عملي الـ17 في مجال علوم الحاسوب عن بعض التحديات والفرص التي تواجه المرأة في مجال الحوسبة، وبشكل أعم في وظائف العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات (STEM). وقد لفت انتباهي اثنان منها على وجه الخصوص.

تحدي التوعية

نتعلم في الوظائف الأكاديمية أن التحيُّز الضمني أو الخفي يمكن أن يؤثر على حكمنا بطرق عدة، وأن الخطوة الأولى نحو التغلُّب على هذا التحيُّز هي الوعي بوجوده.

إن وعينا بوجود شيءٍ ما يجعلنا مجهّزين بشكل أفضل لتقييم الموقف والتفاعل في الوقت المناسب واستخدام نهج فعّال.

اكتشفت في أثناء حضوري ندوةً للتطوير المهني منذ سنوات طويلة أنني عاجزة عن شرح سبب شعوري القوي بأن النساء في مصر لا تُتاح لهن فرص وظيفية متساوية، على الرغم من معلوماتي أن نسبة النساء الملتحقات بدراسة مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات واللاتي يحملن درجات جامعية فيها بالمنطقة العربية مرتفعة نسبيًّا3. وقد دل هذا على محدودية وعيي بأبعاد الموضوع.

بعد فترة وجيزة، سافرت إلى أمريكا للحصول على درجة الدكتوراة. كان من الواضح للجميع هناك أنه يوجد نقص في تمثيل النساء بالقوى العاملة في مجال الحوسبة، الأمر الذي وجب معالجته. أتذكر باربرا رايدر -رئيسة القسم الذي عملت به في جامعة فيرجينيا للتقنية- وهي تخبرني بحماس عن المقعد الأحمر الذي وضعته في الردهة لدعم حملة وطنية اسمها «اجلس معي» Sit With Me.4 ويرمز الجلوس على هذا الكرسي إلى الاعتراف بأهمية الحوار حول إسهامات المرأة في مجال الحوسبة. إن التعرُّض بشكل طبيعي لهذه الجرعة اليومية من الوعي جعلني أستوعب بشكل أفضل التحديات التي تواجه المرأة، والفرص المتاحة أمامها في مجال الحوسبة اليوم.

دعا العدد الثابت -بل المتناقص في بعض الأحيان- للنساء الحاصلات على درجات جامعية في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات من الجامعات الأمريكية5 إلى مثل هذه الجهود الوطنية، ولكن يبدو أن الوضع مختلف في المنطقة العربية؛ فبالرغم من أن التحديات التي تواجهها النساء في وظائف العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في المنطقة لا تقل في صعوبتها عن تلك التي نجدها في أجزاء أخرى من العالم، فإن الاختلاف الوحيد، من وحي تجربتي الشخصية، هو في مستوى تعرُّضنا لهذا الموضوع.

بينما كان وعيي يتشكل على مهلٍ في أمريكا، بدأت أسترجع من الماضي المواقف التي واجهتها في مصر. فعلى سبيل المثال، في يومي الأول في وظيفة مُحاضر بالمختبر في جامعة قناة السويس بمصر، استقبلني عميد الكلية حينها، وحذرني "مازحًا" مما أشار إليه بالمسار المهني النمطي للنساء، قائلًا: "لقد أبليتِ بلاءً حسنًا حتى الآن، لا تحملي وتمكثي في المنزل!"، قالها بخفة، ولكني شعرت بكلماته كطلقات الرصاص، غير أنني لم أكن مهيئةً للرد، لا لسبب إلا أنني لم أكن أعي "خطورة القالب النمطي" الذي أوحى إليّ به من خلال تعليقه. علمت لاحقًا أن هذا النوع من التهديد يمكن أن يؤثر تأثيرًا خطيرًا على أداء المرأة6. لم تكن لديَّ الثقة لأتقدم بطلب الحصول على الدراسات العليا إلا بعد بضع سنوات، ولا أدري حجم تأثير كلمات العميد على ثقتي بنفسي. ومع ذلك، من دون شك، أصبحت تعليقات مثل تعليقه لا تَعْلَقُ كثيرًا بذاكرتي مع تحسُّن وعيي على مر السنوات.

الأقلية متشابكة السمات

تخيلي أنكِ المرأة الوحيدة في فصل دراسي يضم 22 طالبًا، ثم تخيلي أنكِ الوحيدة في الغرفة التي تتحدث العربية لغةً أولى، والوحيدة التي أنجبت أطفالًا، والوحيدة التي ترتدي الحجاب.

لا يتم دائمًا تجسيد التنوّع بشكل كامل عند الحديث عن ​​النساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. شعرت الشابتان اللتان سألتاني عما إذا كان امتهان وظيفة في علوم الحاسوب ممكنًا لـ"أشخاص مثلهما" بأن السردية المشهورة عن المرأة في مجالات العلوم لا تنطبق عليهما. أتذكر أنني كنت أشعر بالمثل في مؤتمر في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا الأمريكية حول النساء في مجال الحوسبة، عندما عرضت المتحدثة صورة في شرائحها التقديمية لنساء ينتمين إلى "أجزاء أقل حظًّا من العالم". أظهرت الصورة مجموعة من النساء الشرق أوسطيات اللاتي يغطين أجسادهن بالكامل في الصحراء، بصحبة عدد قليل من الرجال يحاولون إبقاءهن معًا كمجموعة. على الرغم من أن النساء في الصورة ربما يمثلن صنفًا واحدًا من النساء في منطقتنا، إلا أنني تمنيت حقًّا -بصفتي واحدة من النساء الشرق أوسطيات القلائل جدًّا في الغرفة- أن يعلم المشاركون أيضًا عن نساء بلدي اللائي سرن في مسيرات بشوارع القاهرة للمطالبة بحقهن في التصويت، في الوقت نفسه عندما كان مارتن لوثر كينج جونيور يقود حركة الحقوق المدنية في أمريكا. تمنيت لو علِموا عن ملايين النساء العربيات اللامعات اللائي يحاربن التحيز والتنميط في المنزل وحول العالم. هذا هو السبب وراء أننا لا نستطيع أن نكتفي بالقول إن تمثيل المرأة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات أمر مهم، لكن يجب أن نوضح أنه مهم بطرق مختلفة للمجتمعات المتنوّعة في تلك المجالات. أو كما يقول في بلاغة عالِم الحاسوب مانويل بيريز-كينيونيس من جامعة نورث كارولينا في تشارلوت: "الصراع نفسه، ولكن بأوجه مختلفة"8.

حلول عملية

هناك عوامل كثيرة تجعل من الصعب للغاية اقتراح حلول للتحديات التي تواجه النساء في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، فلا توجد إجابة واحدة تناسب جميع السيناريوهات. ومع ذلك، سيكون الاعتراف بمستويات التنوّع المتشابكة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات خطوة نحو الحل. ومن شأن تشجيع الحوار المؤيد للتنوّع والشمول الذي يجسّد الجوانب المختلفة للتحديات على مستوى المجتمع والمجتمعات الفرعية أن يساعد في توصيل رسالة أكثر فاعلية.

وهذا لا يعني أن نتوقف عن تسليط الضوء على التحديات التي يواجهها المجتمع النسائي العالمي في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات. ففي الواقع، مع تأثير فيروس كوفيد-19 السلبي على أعداد الأبحاث التي تجريها المرأة9، فإن الحوار حول التوازن بين مسؤوليات تربية الأطفال والأهداف المهنية، على سبيل المثال، هو موضوع مهم يجب فتحه الآن أكثر من أي وقت مضى.

ومن المهم أيضًا تعزيز هذا النقاش العالمي عن النساء في تلك المجالات بنقاشات أخرى أكثر تركيزًا على السياقات المحلية. وينبغي تشجيع الجمعيات والمنظمات الطلابية على بناء أواصر أقوى مع المجتمعات الفرعية النسائية التي يتم تشكيلها دوليًّا في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، مثل مجموعات «سيسترز أفينيتي جروبس» Systers Affinity Groups10، إذ يمكن لخبيرات التكنولوجيا التواصل مع عضوات من ثقافاتهن التي اخترنها بأنفسهن وتقديم الدعم لهن. وباعتبارنا أكاديميات، علينا العمل كرائدات، وموجّهات، ونقاط تواصل؛ لإرشاد الطالبات وباحثات الدراسات العليا حول كيفية تنظيم أنفسهن في كيانات، والتنسيق مع هذه الكيانات المنظمة.

الأهم من ذلك، يجب علينا إيصال رسالة مفادها أن الوظائف الأكاديمية في أحد مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات ليست عسيرةً على النساء من جميع الخلفيات. ويجب أن ننقل رسائل الطمأنينة، ونؤكد أنه إذا كنتِ امرأة تسعى إلى الحصول على درجة جامعية في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، فأنتِ تستطيعين الوصول إليها، وسنساعدك كلنا في مسعاكِ!

  1. Mai Elshehaly is a lecturer in computer science at the University of Bradford, UK. She received her MSc and PhD in computer science at Virginia Tech, USA. She spent one year as a postdoctoral research associate at the University of Maryland, Baltimore County, and more recently was a research fellow at the University of Leeds. Elshehaly’s research focuses on how information visualisation contributes to constructing cognitive models that facilitate decision-making. You can find her on Twitter @MaiShehaly
  2. Rivers, Caryl. Selling anxiety: how the news media scare women. University Press of New England (2008).
  3. Islam, S. I. Arab women in science, technology, engineering and mathematics fields: The way forward. World Journal of Education https://doi.org/10.5430/wje.v7n6p12 (2017).
  4. www.sitwithme.org 
  5. Fernandez, M. America’s top STEM schools for women. Forbes. August 2019. 
  6. Goldsmith, B. Girls do badly at math when told boys better: Study. Reuters. May 2007. 
  7. Abedalthagafi, M. As a Saudi woman scientist, I’m tired of negative stereotypes. Nature Middle East. February 2018. 
  8. Pérez-Quiñones, M. A. What can CS departments do? Medium. June 2020. 
  9. Frederickson, M. Women are getting less research done than men during this coronavirus pandemic. The Conversation. May 2020. 
  10. https://anitab.org/systers/systers-communities/