لطالما ارتبط "نقار الخشب" في أذهاننا بسيمفونياته الصوتية التي لا تنتهي، بعضها "خيالي" مثل ضحكته الشهيرة التي تنتهي بها الحلقات الكارتونية التي تحمل اسمه، وبعضها حقيقي مثل أدائه لحركاتٍ صوتيةٍ دؤوبة تشبه "دق الطبول".

ووفق ما ذكرته دراسة بولندية، نشرتها دورية "بلوس وان"، فإن الصوت يؤدي مهمَّاتٍ أخرى في حياة نقار الخشب؛ إذ إنه يستخدم "دق الطبول" لتحديد شريك حياته المناسب، مشيرةً إلى أن "كثيرًا من الطيور تُطلِق هي الأخرى صيحاتٍ أو أغانيَ لتتعرف مثيلاتها من السلالة نفسها".

يقول "ميكال بودكا" -الأستاذ بقسم السلوك البيئي بكلية الأحياء بجامعة "آدم ميكيويز" البولندية والباحث الرئيسي للدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن إناث طيور البرقش مثلًا تستطيع تعرُّف رفقائها المناسبين من خلال الأصوات التي تُطلقها، كما أن صغار طائر البطريق لديها القدرة على معرفة آبائها عن طريق الصوت وسط مستعمرة تضم آلاف البطاريق. وتصدر بعض الطيور أيضًا أصواتًا للتعريف بنفسها، مثلما يفعل طائر اللقلق الأبيض؛ إذ يُحدِث ضجةً باستخدام فكه السفلي، وتعلن ذكور طائر الشنقب عن نفسها باستخدام ريش الذيل لإحداث صوت يشبه الطبلة".

وكشف "بودكا" وزملاؤه في الفريق البحثي عن دور "دق الطبول" لدى نوع يُعرَف بـ"نقار الخشب المرقط الكبير"، ويُعَدُّ من أكثر سلالات نقار الخشب شيوعًا وعددًا في أوروبا. ومن خلال رصد الأصوات الناتجة عن 41 طائرًا منه (26 ذكرًا و9 إناث و6 غير معروفي الجنس)، تبيَّن أنه يدق بمنقاره بسرعة وبشكل متكرر لإحداث سلسلة من الضربات التي تشبه صوت الطبل لاجتذاب الجنس الآخر وردع منافسيه.

وبقياس عدد الضربات والمدى الزمني الذي يفصل بين بعضها وبعض، وجد الباحثون أن الفاصل الزمني لدى الذكور أقصر منه لدى الإناث، وإن كان ذلك لا يؤدي للجزم بجنس الطائر جزمًا لا لبس فيه، وفق الدراسة.

يوضح "بودكا" أن "الطيور التي تتمتع بحالة جيدة تستطيع أن تقرع طويلًا وسريعًا؛ إذ نجحت معدلات القرع ومدته بنسبة 86% في إظهار القوة التي يتمتع بها طائر مقارنةً بطائر آخر، إذ تحتاج الضربات السريعة وطويلة الأمد إلى عضلاتٍ قويةٍ ومكتملةٍ في الظهر والرقبة، ويَزيد ذلك من احتمالية مثيرة للاهتمام، وهي أن عملية الاختيار الجنسي لشريك الحياة تعتمد على قوة "التطبيل" ومدته، ووفق تلك الاحتمالية فإن "الإناث الأفضل (التي تقرع على نحوٍ أطول وأسرع وأعلى صوتًا) تختار ذكورًا ذوي نوعيةٍ جيدةٍ، سواء من الناحية الظاهرية أو الجينية (وهؤلاء مَن يدقون مثلهم)".

وأشارت الدراسة إلى أن تحليل تسجيلات الأصوات قد يساعد على التأكد مما إذا كانت الأصوات المختلفة تدل على الطيور نفسها أم أنها لأفراد من سلالاتٍ مختلفة؛ وبلغت نسبة دقة التواصل بين طيور نقّار الخشب، وتعرفها على صاحب هذه النغمة أو تلك، 88%؛ وهو ما قد يُسهِم في عمل إحصاءٍ لتقدير عدد هذه السلالة. ففي أوروبا، تعيش سلالاتٌ كثيرة نادرة من "نقار الخشب" في تجمعات صغيرة ومنعزلة، وتتنقل في مساحاتٍ شاسعةٍ على مدار العام، وتصدر "صوت الطبول" من مناطق تتباعد مئات الأمتار، مما يجعل من عملية إحصاء عددها أمرًا معقدًا.

ويمكن تحديد تلك السلالات بدرجة كبيرة من خلال الإحصاء الدقيق لدق الطبول، ما يفتح المجال أمام دراسة أوسع من جانب علماء الأحياء المتخصصين في الحفاظ على السلالات، باعتباره أداةً لرصد أعداد هذه السلالات، على حد قول "بودكا".