كشفت دراسة حديثة أن الصفات الشخصية والنفسية للأفراد ترتبط بشدة بتقدُّمهم في العمل، ويظهر ذلك عند اشتراكهم في برامج صحية مصممة لدفعهم باتجاه زيادة ممارسة النشاط البدني، وفق دراسة أجراها فريق بحثي طبي بجامعتي "بنسلفانيا" و"ديلويت".

وتُعَد هذه الدراسة، التي نشرتها دورية "بلوس وان" (Plos One)، مماثلةً لأخرى تم نشرها عام 2019، واعتمدت على تحليل نتائج وبيانات تمت وفق برنامج "ستيب أب" (STEP UP) المعني بتتبُّع مستوى اللياقة البدنية.

استهدف البرنامج زيادة عدد الخطوات لنحو 600 خطوة للموظفين في جامعة "ديلويت" ممن تم تصنيفهم كبدناء أو أصحاب وزن زائد على مدى ستة أشهر.

يقول "ميتش باتيل" -الباحث بكلية الطب في جامعة بنسلفانيا، والمشرف على الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": إن اتباع نهج واحد للجميع من أجل الحث على اتباع سلوكيات جديدة عند تطبيق البرامج الصحية أثبت قلة فاعليته. وعلى العكس، فقد أثبتنا أن اختلاف وسائل التحفيز كان فعالًا، وبخاصة في الدراسة الأخيرة التي أكدت أن ملاءمةَ طرق الحث لسلوكيات الأشخاص يمكنها إطلاق إمكانياتهم الكاملة.

يضيف "باتيل": معظم أرباب الأعمال الكبار يقدمون للموظفين برامج صحية في العمل بهدف تحسين صحتهم العامة. وقد تختلف البرامج في تصميمها ولكنها غالبًا ما تستهدف النشاط البدني وفقدان الوزن وبعض السلوكيات الصحية الأخرى مثل التوقف عن التدخين. وعادةً ما تقدم البرامج نفسها لجميع الموظفين دون تفصيل برامج تختلف وفق الفروق الفردية بين الموظفين.

اعتمد الباحثون على برنامج "ستيب أب"، تحديدًا نشاط "خطوة للأمام"، من أجل إعداد نظام للخطوات اليومية لكل مشترك مع تحديد أربع مجموعات: الأولى، تم تحديد أهداف لتحقيقها مع متابعة خطواتهم، في حين أن الثلاثة الآخرين تم تحفيزهم من خلال الألعاب وباستخدام نظام النقاط. وقد تبين فاعلية الطريقة الثانية.

يقول "جريج  سفارتز" -مدير ممارسة علوم البيانات في علوم الحياة بمركز "ديلويت" الاستشاري للقيادة والابتكار، والمشارك في الدراسة- في البيان الصحفي المصاحب للدراسة: يجب تصميم البرامج الصحية بحيث تعمل بنظام الحوافز، والمرجح أن يؤثر ذلك في المشاركين لخلق تجارب شخصية تسفر عن نتائج مُحسَّنة تستند إلى الأساليب العلمية.

عمل الباحثون على تقسيم المشاركين وفقًا للخصائص النفسية والسلوكية التي أطلقوا عليها "أنماط ظاهرية". وتوضح "شيرلي شن" -المدير الطبي لمركز صحة السكان بمدينة نيويورك، والباحث الرئيسي في الدراسة- أن المشاركين أكملوا استطلاعات الرأي للتعرُّف على طبيعتهم الشخصية والدعم الاجتماعي الذي يحتاجون إليه، وفي هذا الإطار، تم استخدام طريقة إحصائية تعتمد على من المعلومات المتوافرة لتحديد نمط خفي يجمع بين مجموعات المشاركين وفقًا للنمط الظاهري لسلوكياتهم.

تقول "شن" في تصريحات لـ"للعلم": نحو 70% من الكبار في الولايات المتحدة يعانون من زيادة الوزن والسمنة، وهؤلاء يتم التركيز عليهم في أماكن العمل من جانب الدراسة؛ نظرًا إلى أنهم أكثر تعرُّضًا للإصابة بأمراض مزمنة مثل السكري وأمراض القلب. كما أن السمنة وتبعاتها عادةً ما ترتبط بانخفاض جودة الحياة، وبالتالي تحاول البرامج الصحية مساعدة الموظفين ليصبحوا أكثر نشاطًا من الناحية الجسمانية وليفقدوا الوزن الزائد.

وتنوعت الأنماط الظاهرية بين "أكثر انفتاحًا وأكثر تحفيزًا" التي تمثل 54% من المشاركين، و"أقل نشاطًا وأقل اجتماعية" وضمت نحو 20% من المشاركين، وأخيرًا "أقل تحفيزًا ومعرضين للخطر"، وهي مجموعة تمثل 25%.

وقد لوحظت فروق صارخة بين استجابة كل نمط ظاهري للألعاب المختلفة خلال الدراسة، فالمجموعة الأكثر انفتاحًا وتحفيزًا تحسَّن أداؤها بشكل ملحوظ بواقع 945 خطوة يوميًّا عند اشتراكهم في المنافسة، ولكن هذه التغيرات سرعان ما اختفت بعد توقف التجربة، ما يعني أن بعض الأشخاص يحتاجون إلى نوع من التحفيز بشكل دوري، وفق الباحثة الرئيسية.

أما المجموعة الثانية "أقل نشاطًا وأقل اجتماعية"، فكانت استجابتها فائقةً لكل أشكال الألعاب مقارنةً بالمشاركين في المجموعة الضابطة التي لم تشارك في الألعاب.

وخلال ثلاثة أشهر من المتابعة، حافظت المجموعة الثانية على مستويات النشاط التي حققتها في أثناء التجربة، ما يعني بالنسبة لهم تكوين عادات جديدة.

ويشير "باتل" إلى أن هذه المجموعة كانت الرابح الأكبر من التجربة. أما المجموعة الثالثة "أقل تحفيزًا وعُرضةً للخطر"، فلم تظهر عليهم أي تغيرات بعد الدراسة، ولكن ذلك في حد ذاته لا يعتبر فشلًا، إذ إن معرفة عدم جدوى هذه الحوافز بالنسبة لبعض الأشخاص يعتبر أمرًا مهمًّا يفيد في البحث عما في صالحهم.

من جهتها، تقول "شن": "إن مجموعة "أقل تحفيزًا وعُرضةً للخطر" تتسم فيها شخصية المشاركين بالعصابية وانخفاض مستوى الوعي، مما ينتج عنه صحة أسوأ. وهؤلاء كانوا الأقل استجابةً لممارسة الرياضة واتباع سلوكيات صحية، وهم -وفقًا للنتائج- مُعرضون لتداعيات صحية سيئة، والخلاصة التي توصلت إليها الدراسة أن تأثير التدخلات السلوكية يختلف بين الأشخاص، وأن نهجًا واحدًا لا يصلح للجميع. ولهذا فإن مفهوم تصميم أنماط ظاهرية يعتبر نهجًا واعدًا لتوجيه التدخلات السلوكية استنادًا إلى الفروق المهمة بين الناس.