تشهد الولايات المتحدة الأمريكية حاليًّا سطوع نجم طاقة الرياح؛ إذ ارتفعت قدرة الطاقة المتجددة في البلاد إلى أكثر من ثلاثة أضعاف في غضون السنوات التسع الماضية، ويرجع الفضل في هذا -إلى حد كبير- إلى طاقة الرياح والطاقة الشمسية. والآن تريد الشركات تسخير المزيد من طاقة الرياح، مقابل أسعار أقل، ومن بين الطرق المُثلى لتقليل التكلفة بناء توربينات أكبر حجمًا. ولهذا، يقوم تحالف يتكون من ست مؤسسات تحت قيادة باحثين من جامعة فيرجينيا بتصميم أكبر توربين رياح في العالم؛ إذ يصل طوله إلى 500 متر، أي أنه يشق عباب السماء مسافةَ ثلث ميل تقريبًا، وأطول من مبنى "إمباير ستيت" بما يقرب من 57 مترًا.

أصبحت توربينات الرياح الآن بالفعل أكبر بصورة ملحوظة مما كانت عليه قبل 15 عامًا أو 20. وعلى الرغم من اختلاف أحجامها، فإن أبراج مزارع الرياح المعتادة اليوم يصل طولها إلى ما يقرب من 70 مترًا، ويصل طول نصل التوربين فيها إلى 50 مترًا تقريبًا. ويعتمد إنتاجها من الطاقة على الحجم والارتفاع، ولكن الإنتاجية تتراوح بصورة عامة بين 1 ميجاوات إلى 5، وهذا الحد الأقصى يكفي لإمداد 1100 منزل بالطاقة. ويقول جون هول -الأستاذ المساعد في الهندسة الميكانيكية وهندسة الطيران والفضاء الجوي بجامعة بافالو بجامعة ولاية نيويورك-: "ثمة دافع كبير للتوجه إلى توربينات الرياح الأكبر حجمًا، والسبب في هذا اقتصادي في المقام الأول". وأحد الأسباب الرئيسية في أن التوربينات الضخمة موفرة في التكلفة هو أن الرياح تهب أقوى وبانتظام أكثر على الارتفاعات الشاهقة. ومن ثم، فإننا "نقتنص المزيد من الطاقة" باستخدام البنى الأطول، وذلك على حد قول إريك لوث، الذي يقود مشروع التوربينات الضخمة الذي تموله وكالة المشروعات البحثية المتقدمة في مجال الطاقة (ARPA–E) التابعة لوزارة الطاقة الأمريكية.

وثمة سبب آخر يدفع خبراء الرياح للقول بأنه كلما كان حجم التوربينات أكبر كان ذلك أفضل، وهو أن نصل التوربين الأطول أيضًا يكون أكثر فاعلية في "التقاط" الرياح، والأبراج الأطول تتيح استخدام نصل أطول. ويقول كريستوفر نيزريكي -أستاذ الهندسة الميكانيكية ومدير مركز طاقة الرياح بجامعة ماساتشوستس في لويل-: إن قوة التوربين ترتبط مباشرة بمساحة "المنطقة التي يغطيها" –أي المنطقة الدائرية التي يغطيها دوران النصل. ووفقًا لتفسير نيزريكي فإن هذه العلاقة ليست علاقة خطية؛ فإذا تضاعف طول النصل، يمكن للتوربين إنتاج أربعة أضعاف الطاقة، كما يشير أيضًا إلى أن التوربينات الأكبر حجمًا تبدأ عملها عند سرعة أقل للرياح، أي سرعة الرياح التي يمكن للتوربينات بدء توليد الطاقة عندها تكون أقل.

ويسعى فريق لوث إلى تصميم توربينات قوتها 50 ميجاوات، يصل طول كل نصل فيها إلى 200 متر، وهي أكبر كثيرًا من توربينات الرياح المستخدمة اليوم. وإذا ما حقق الباحثون نجاحًا في مساعيهم، فإنهم يعتقدون أن التوربين سيكون أقوى بمقدار 10 مرات من التوربينات الموجودة حاليًّا. بيد أن العلماء لا ينوون مجرد تضخيم التصميمات التقليدية ببساطة، بل إنهم يسعون إلى تغيير بنية وتركيب التوربينات تغييرًا جذريًّا؛ فالتوربينات الضخمة الجديدة سوف يكون لها نصلان بدلًا من ثلاثة، مما يقلل من وزن التوربين ويقلل التكلفة كذلك. ويشير لوث إلى أن تقليل عدد النصال سيجعل التوربين بطبيعة الحال أقل كفاءة، غير أن فريقه يستخدم تصميمًا ديناميكيًّا هوائيًّا متقدمًا يقول إنه سيعوض كثيرًا تلك الخسائر. 

Concept of SUMR project. Credit: Chao Qin

ووفق لوث، فإن الفريق البحثي يتصور أيضًا هذه البنى الضخمة تقف على مسافة 80 كم على الأقل من الشاطئ، حيث تكون الرياح أقوى وحيث لن يكون بإمكان الناس على اليابسة رؤيتها أو سماعها. غير أن العواصف العاتية تضرب مثل تلك المناطق –على سبيل المثال قبالة الساحل الشرقي للولايات المتحدة في المحيط الأطلنطي– ومن ثَم، واجه فريق لوث مأزق بناء توربينات ضخمة ولكن في الوقت نفسه خفيفة الوزن نسبيًّا ومرنة قادرة على الصمود في مواجهة الأعاصير. وللتعامل مع هذه المشكلة، درس الباحثون واحدًا من الحلول التصميمية التي أبدعتها الطبيعة: أشجار النخيل؛ فيقول لوث: "أشجار النخيل شديدة الطول غير أنها خفيفة على مستوى البنية، وإذا ما عصفت بها رياح عاتية، فإن جذع الشجرة ينثني. ونحن نحاول استخدام الفكرة نفسها: تصميم توربينات رياح تتميز ببعض المرونة، ولها القدرة على الانثناء ومسايرة التيار".

وفي التصميم الذي وضعه الفريق البحثي، يقع النصلان باتجاه الرياح من برج التوربين، بدلًا من عكس اتجاه الرياح كما هو الحال في التوربينات التقليدية، كما أن شكل النصلين يتغير مع اتجاه الرياح، مثلما تفعل أشجار النخيل. ويشرح لوث قائلًا: "عندما يكون النصل قابلًا للانثناء إلى الخلف بزاوية في اتجاه الرياح، فلا حاجة إلى تصميمه بحيث يكون ثقيلًا أو قويًّا، وبالتالي نستخدم مواد أقل". كما أن هذا التصميم يقلل من احتمالية أن تؤدي الرياح القوية إلى انثناء النصل الدائر في اتجاه البرج، مما قد يؤدي إلى الإطاحة بالبناء كله. ويضيف لوث: "يتكيف النصلان مع السرعات العالية ويبدآن في الانثناء، بحيث يكون ضغط القوى الديناميكية عليهما أقل. إننا نود أن تكون التوربينات التي نقوم بتصميمها قادرة على التعامل مع رياح تتجاوز سرعتها 253 كيلومترًا في الساعة" في ظروف عدم تشغيلها. ويشير لوث إلى أنه عندما تتجاوز سرعة الرياح 80 إلى 95 كيلومترًا في الساعة يتوقف التوربين عن العمل وينثني النصلان بعيدًا عن الرياح، حتى يمكنهما تحمُّل الرياح العاتية.

غير أن التوربين الذي يبلغ طوله 500 متر لا يزال يواجه الكثير من التحديات، فثمة أسباب وجيهة حالت دون أن تقوم أية جهة ببناء توربين بحجم مقارب لهذا الحجم حتى الآن. فيقول نيزريكي: "كيف يمكن تصنيع نصل طوله 200 متر؟ كيف تضع النصلان معًا؟ كيف تقوم ببناء برج بهذا الطول؟ الرافعات فقط يمكنها الوصول إلى هذا الارتفاع، كما أنه مع وجود الرياح البحرية، ثمة المزيد من التعقيدات الإضافية". ويشمل التصميم الذي وضعه الفريق نصلًا مقسمًا إلى أجزاء يمكن تجميعها في الموقع، غير أن نيزريكي يشير إلى أن صناعة طاقة الرياح لم تتوصل بعد إلى كيفية تجزئة النصل. ويضيف نيزريكي: "ثمة الكثير من القضايا البحثية التي نحتاج للتعامل معها. لا شك أن الأمر ينطوي على مخاطرة هائلة، غير أن هناك إمكانية لجني ثمار هائلة أيضًا. ولا أعتقد أن هذه المشكلات لا يمكن التغلُّب عليها". ويتساءل هول أيضًا عما إذا كان هذا التوربين الضخم هو الحجم الأمثل، فيقول: "لقد توصلنا إلى أنه كلما كان الحجم أكبر، كان ذلك أفضل، ولكن يبقى السؤال: أكبر إلى أية درجة؟ نحتاج إلى التوصُّل إلى الحجم الأمثل. لا شك أننا سنتعلم الكثير من هذا المشروع".

لا يزال يتعين على لوث وفريقه اختبار نموذج أولي، فيقوم الفريق حاليًّا بتصميم بنية التوربين وجهاز التحكم، وفي هذا الصيف سيقومون ببناء نموذج أصغر كثيرًا من التوربين الحقيقي، إذ يصل قطره إلى مترين تقريبًا. وفي الصيف المقبل يخطط الفريق لإنشاء نموذج أكبر ذي نصلين طول كلٍّ منهما 20 مترًا، سيُنتج أقل من 1 ميجاوات من الطاقة وسيجري اختباره في كولورادو. ولا يثق لوث نفسه تمام الثقة في أن التوربين الضخم الذي يسعى فريقه لبنائه سيصبح حقيقة واقعة، غير أنه واثق بأن الأمر يستحق المحاولة، فيقول: "إنها فكرة جديدة تمامًا، ومن ثَم لا ضمانات على الإطلاق أنها ستكلل بالنجاح، غير أنها إذا نجحت ستمثل طفرة هائلة في مجال طاقة الرياح البحرية".