في مارس من عام 1989، اجتمع ممثلو 53 دولة في مدينة "بازل" السويسرية؛ بهدف مناقشة اتفاقية للتحكم في نقل النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود، ووقَّع الممثلون تلك الاتفاقية التي تُعد الأكثر شمولًا في العالم في مجال النفايات الخطرة، والتي تُعرف الآن باسم اتفاقية "بازل".

تستهدف هذه الاتفاقية حماية صحة البشر والحد من الآثار الضارة التي تنجم عن توليد النفايات الخطرة والتخلص منها عبر الحدود، وتغطي الاتفاقية سبعة أنواع من النفايات بشكل عابر للحدود، وهي النفايات السمية، والمتفجرة، والمواد الأكالة الحمضية أو القلوية، والمواد القابلة للاشتعال، والمواد السامة للبيئة، والمواد المُعدية، والنفايات ذات السُّمية العالية نتيجة تركيز المعادن الخطرة.

وبعد مرور 33 عامًا على توقيع تلك الاتفاقية، يبدو أن اجتماع "بازل" لم يُحقق أهدافه المرجوة، والتي من ضمنها تقليل كمية النفايات الخطرة، والحد من نقلها بشكل عابر للحدود؛ إذ تُشير دراسة نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) إلى أن حجم النفايات الخطرة المتداولة بشكل عابر للحدود زاد بنسبة 500٪ على مدار الثلاثين عامًا الماضية.

في تلك الدراسة، رسم الباحثون "خريطة للنفايات الخطرة"، رصدوا خلالها حركة ذلك النوع من النفايات في جميع أنحاء العالم، بهدف تحديد المصدرين لتلك النفايات والمستوردين لها، والكشف عن البلدان الأكثر تعرضًا لخطر ازدحام النفايات.

تجارة دولية

قبل سنوات، اكتشف "إرنستو إسترادا" -عالِم الرياضيات ورئيس قسم العلوم المعقدة بمعهد الفيزياء متعددة التخصصات الإسباني، والمؤلف الرئيسي لتلك الدراسة- وجود تجارة دولية للنفايات، يقول "إسترادا" في تصريحات لـ"للعلم": كان الأمر بالنسبة لي مفاجأةً كبيرة، فمَن ذا الذي يُتاجر في النفايات؟!".

حفزه ذلك الاكتشاف على التبحر "في هذا العالم" كما يقول، وأثار لديه العديد من الأسئلة؛ فما نوع النفايات التي يجري تداولها؟ وما الدول المُصدرة لها؟ وإلى أين تُصدرها؟ "كنت أرغب في معرفة المزيد"، يقول "إسترادا".

بعد ذلك، أدرك العالِم -الإسباني ذو الأصول الكوبية- أن دراسة شبكات تجارة النفايات هذه يُمكن أن تساعد في تحديد البلدان المعرضة بشكل كبير لسوء إدارة النفايات، وكذلك تلك التي تمثل فرصًا استثمارية محتملة لمعالجة النفايات.

يقول "إسترادا": قبل عامين، اتصلت بيوهان مارتينيز، وهو مؤلف مشارك في البحث، لبدء تنزيل البيانات ورؤية كيف تبدو الشبكات، وبدأنا في تطوير النماذج الرياضية الأولى ودراسة بعض الشبكات لمحاولة معرفة تدفقات النفايات بين البلدان، وبعد ستة أشهر، انضم خوسيه راماسكو وسيرجي روميرو إلى الفريق، وبدأنا بعد ذلك عملًا مكثفًا للغاية لتنزيل البيانات وتصنيفها وتحليلها، كنت مهتمًّا بوضع هذا الموضوع في قلب النقاش العلمي.

خريطة لتدفقات ثلاث أنواع من النفايات حول العالم بداية من المُصّدر وحتى المستورد. تُشير الخطوط الحمراء إلى النفايات الطبية؛ فيما تُشير الخطوط الزرقاء لنفايات المعادن الصلبة؛ أما الخطوط الصفراء فتعبر عن تدفق النفايات المنزلية. credit: Bjorn Sandvik

ووفق الدراسة، يتم إنتاج ما بين 7 إلى 10 مليارات طن من النفايات سنويًّا في جميع أنحاء العالم، تتضمن 300-500 مليون طن من النفايات الخطرة، والتي تشمل النفايات السامة أو القابلة للاشتعال أو المتفجرة أو المسببة للتآكل أو ذات المخاطر البيولوجية.

108 من أنواع النفايات

 

درس الباحثون شبكات التجارة الدولية القانونية للنفايات، ودرسوا 108 من أنواع النفايات وفقًا للتصنيف الذي توفره اتفاقية بازل، ووجد الباحثون أن معظم التجارة الدولية من حيث حجم التجارة تتوزع على ثلاث فئات: الفئة الأولى تشمل بشكل أساسي النفايات الطبية والصيدلانية، أما الفئة الثانية فتتكون من نفايات تحتوي على معادن معظمها معادن ثقيلة، والفئة الثالثة تتكون من النفايات المنزلية ونواتج حرقها.

يقول "إسترادا": "استخدمنا بيانات من اتفاقية بازل، إذ تقوم البلدان بالإبلاغ الذاتي عن وارداتها أو صادراتها من النفايات، لذلك فإن البيانات غير كاملة من حيث تقارير البلدان والمبالغ التي أبلغت عنها البلدان".

وضع الباحثون نموذجًا رياضيًّا لتدفق واردات وصادرات فئات النفايات السبع بين جميع البلدان الممثلة في قاعدة بيانات اتفاقية بازل لكل عام في الفترة 2001-2019، واستثنوا عام 2010 لعدم توافُر البيانات الخاصة به، وكانت هناك سبع شبكات لكل عام، بحيث تكون هناك شبكة واحدة لكل فئة من فئات النفايات.

اعتبر النموذج أن تدفق النفايات في الوقت المناسب يتبع منحنى على شكل حرف S؛ إذ تكون كمية النفايات المستوردة أو المصدرة في أوقات سابقة صغيرة، ثم تصل إلى التشبع في أوقات أطول (ويعني هذا أن كل دولة تبدأ في استيراد النفايات بكميات صغيرة، وتتراكم على أراضيها تلك النفايات حتى تصل الكمية إلى ذروة الاستيعاب في نهاية العام).

فمثلًا، إذا كانت القدرة الاستيعابية لدولةٍ ما هي 120 ألف طن من النفايات سنويًّا، يجب ألا تستورد تلك الدولة أكثر من 12 ألف طن في الشهر الواحد؛ حتى لا تتراكم النفايات على نحوٍ يعوق تدويرها أو دفنها.

وكان من المتوقع أن يكون الوصول إلى هذه القدرة الاستيعابية في نهاية العام لكل بلد بحيث يتوافق مع الحد الأقصى من النفايات التي تلقَّاها هذا البلد في العام المعني، لكن تحليل البيانات أعطى نتيجةً مُدهشة.

يقول "إسترادا": هناك دول تصل إلى هذه القدرة الاستيعابية في وقت مبكر جدًّا من العام، مما يشير إلى تشبُّع قدراتها لمعالجة مثل هذه النفايات، وبالتالي تواجه تلك البلدان مخاطر كبيرة لذلك النوع من التجارة الدولية للنفايات.

مخاطر عالية من التعامل غير السليم والتخلص من النفايات. يظهر اللون الأخضر البلدان التي تتأثر بالمعادن الثقيلة والملوثات العضوية الثابتة، والأرجواني البلدان المتأثرة بالمركبات العضوية المتطايرة، والأحمر البلدان المتأثرة بالمركبات المركبات العضوية المتطايرة والملوثات العضوية الثابتة، والأصفر البلدان المتأثرة بالمركبات العضوية المتطايرة والملوثات العضوية الثابتة. Credit: Bjorn Sandvik

ومع ذلك، فإن الدول المُصدرة للنفايات الخطرة لا تكترث ولا تهتم بالطريقة التي تتعامل بها الدول المستوردة لها، ما يضع سكان بعض الدول المستوردة في مواجهة مخاطر صحية جمة.

مستويات مختلفة من المخاطر

لالتقاط هذه المخاطر، حقَّق الباحثون في سجل إنجازات ذلك البلد في مجال حماية البيئة، ليجدوا أن البلدان التي تتشبع بالنفايات الخطرة في وقت مبكر من العام لديها سجل سيئ في حماية البيئة، كما أنها معرضة لسوء إدارة هذا النوع من النفايات، وبهذه الطريقة حدد الباحثون مستويات مختلفة من المخاطر في 57 دولة، على رأسها 28 دولة تمثل الدول الأكثر تعرضًا لمخاطر التعامل غير السليم مع النفايات والتخلص منها، وتمثل تلك الدول المكسيك والهند وأوزبكستان، التي تستورد كميات كبيرة من النفايات الخطرة.

يشير المؤلفون أيضًا إلى أن دولًا مثل ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة قد تطورت من تدفقات نفايات أكثر توازنًا لتصبح في الغالب مصدِّرة صافية للنفايات الخطرة، كما أصبحت الصين المصدر الصافي المهيمن للمواد الخطرة.

سوء الإدارة

بعد ذلك، رصد الباحثون تأثير النفايات على البيئة وصحة الإنسان والحيوان في تلك البلدان الأكثر تعرضًا للخطر البالغ عددها 28 دولة، ولهذا الغرض، ركزوا على ثلاث بصمات كيميائية يمكن أن تتركها أنواع مختلفة من النفايات، وهي المركبات العضوية المتطايرة (VOC)، والمعادن الثقيلة (HM)، والملوثات العضوية الثابتة (POP)، وهي مواد كيميائية عضوية معترَف بها بوصفها تهديدًا عالميًّا خطيرًا على صحة الإنسان والنظم الإيكولوجية.

ووجد الباحثون أن هناك تأثيرًا مباشرًا يتناسب طرديًّا مع كميات النفايات لهذه البصمات الكيميائية على الأرض والأنهار والبحر بسبب سوء إدارة التخلص من النفايات ومعالجتها، ورصد الباحثون أيضًا تأثير هذه المواد الكيميائية على صحة الإنسان بسبب الملوثات التي تنتجها النفايات مباشرةً ومعالجتها.

يقول "إسترادا": وجدنا أن المشكلة الرئيسية للنفايات هي سوء إدارتها، وأن تراكُم النفايات في الحقول المفتوحة يؤدي إلى تلوث التربة، وسيؤدي حرقها إلى إنتاج غازات سامة قد تؤثر على السكان المحليين، كما أن سوء إدارة النفايات الطبية وسيلة لنقل أمراض مثل التهاب الكبد أو فيروس نقص المناعة البشرية، ولأن ثبات بعض المواد الكيميائية الموجودة في النفايات كبير للغاية، مثل حالة الملوثات العضوية الثابتة والمعادن الثقيلة، فيمكن لتلك النفايات أن تُحدث تلوثًا كبيرًا للبيئة، علاوةً على تسبُّبها في مشكلات سُمية لدى سكان الأماكن التي تتسم بسوء الإدارة والتخزين لهذه النفايات.

لكن، هل هناك أنواع نفايات أكثر خطرًا من أنواع أخرى؟ تقول "أنجيلي بالايانيس"، عالِمة الجغرافيا البشرية والمتخصصة في سياسات النفايات والتلوث بجامعة إكستر البريطانية، وغير المشاركة في الدراسة: إن كل نفايات لا يتم تخزينها وإدارتها بشكل مناسب تعتبر خطيرة، وتحتوي النفايات الإلكترونية وحدها على 56 معدنًا، من ضمنها الكادميوم والرصاص والزئبق والزرنيخ، وجميعها شديدة السمية، وتعتبر إعادة التدوير غير الرسمية للنفايات الإلكترونية نشاطًا خطيرًا للغاية، أما سوء إدارة النفايات الطبية، أو حتى النفايات المنزلية، فيمكن أن يكون خطيرًا على البيئة وصحة الإنسان.

العالم العربي

يتأثر العالم العربي بشكل مباشر بالتجارة الدولية للنفايات، ففي قائمة الـ28 دولة الأكثر تعرُّضًا لخطر التعامل غير السليم والتخلص من النفايات، حجز كلٌّ من موريتانيا والمغرب وجيبوتي مكانًا مميزًا، وإذا وسَّعنا القائمة لتشمل 57 دولة معرضة لخطر معين من سوء إدارة النفايات نجد أيضًا دولًا عربية كقطر والإمارات العربية المتحدة واليمن، وفي حين أن موريتانيا وجيبوتي واليمن معرضة لخطر سوء إدارة النفايات من النوع الأول "النفايات الطبية"، فإن قطر والإمارات والمغرب هي الأكثر تضررًا من النفايات المنزلية ونتاجات حرقها، كما تتأثر موريتانيا بنفايات النوع الثاني، وهي تلك التي تحتوي على معادن ثقيلة خطرة.

يضيف "إسترادا": نأمل أن تجد تلك الدراسة صدى، ليس عند واضعي السياسات فحسب، بل عند الجمهور العام، يجب أن نعرف أن أفعالنا اليومية لها تأثير على البيئة العالمية وكذلك على صحة الإنسان والحيوان، إذا اشترينا شيئًا غير ضروري وألقينا به بعيدًا فمن المحتمل أن تذهب هذه النفايات إلى الجانب الآخر من العالم حيث يمكن أن يكون لها تأثير سلبي"، وعندما يُظهر شخصٌ ما مقاومةً لمرافق التخلص من النفايات في دولته المتقدمة، يجب عليه أيضًا أن يعتقد أن مثل هذه المرافق يمكن أن تذهب بعد ذلك إلى البلدان التي لا تُحترم فيها البيئة وصحة الإنسان، وهناك تُصبح النفايات قاتلة.

لكن، هل هناك حلٌّ لتلك المشكلة؟ يقول "إسترادا": إن الحل هو الحصول على مزيد من الاستثمار للتخزين المناسب وتحويل النفايات، وسيؤدي هذا إلى تحويل المشكلة إلى فرصة، وبطبيعة الحال لا ينبغي للبلدان أن تصدر نفاياتها إلى دول أخرى معروفة بسجلات تتبُّعها السيئة في مجال حماية البيئة.

بدورها، تقول "بالايانيس" في تصريحات لـ"للعلم": إن الدراسة ترصد وضع تجارة النفايات الخطرة بشكل دقيق، وتؤكد وجود حاجة إلى مزيد من التشريعات لتجنُّب الاتجار غير المشروع والتخلص من النفايات من أي نوع وإدارتها، ويتطلب الوضع العالمي الحالي إجراءات أكثر إلحاحًا، خاصةً بعد أن أنتجت جائحة كورونا المستجد كميةً هائلةً من النفايات الجديدة، التي تجب معالجتها بشكل مناسب، لذلك يجب أن نتحرك قبل أن تصبح مشكلة النفايات غير قابلة للحل.