في كتابه "التفكير بسرعة وببطء" يقول عالِم النفس الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، دانيال كانيمان: إن البديهة البشرية تعمل على بناء قصص بسيطة بشكل آلي، الأمر الذي يمكن أن توضحه إحدى الأحاجي الشهيرة التي تفيد أنه: إذا كان مجموع ما مع أحمد وعماد هو 110 جنيهات مصرية، وكان الذي مع أحمد أكبر مما مع عماد بفارق 100 جنيه، فكم يمتلك عماد؟

عادةً ما يجيب الناس عن هذا اللغز بأن الفارق هو عشرة جنيهات، ولكن هذا غير صحيح؛ إذ إن الفارق الصحيح هو خمسة جنيهات فقط.

وكان "كانيمان" قد ابتكر في السبعينيات من القرن الماضي اصطلاح "التحيزات الإدراكية" للدلالة على أخطاء غير واعية تقع فيها أدمغتنا، وتنشأ من مشكلات تتعلق بالذاكرة والانتباه، لكن الأهم من ذلك أنها تؤثر تأثيرًا جوهريًّا في تفاعُلنا مع الآخرين وفي طريقة اتخاذنا للقرارات بجميع أشكالها.

النظام البدهي

يقول "كانيمان": حينما عُرضت إحدى صور هذه الأحجية الرياضية البسيطة على طلبة الاقتصاد بجامعة برينستون الأمريكية، وحتّى مع تركهم يفكرون في كيفية حلها مدةً مناسبة، كانت إجابات 45% منهم خطأ؛ لأن المشكلة ليست في قدراتك الحسابية، بل في طريقة تعامُل دماغك مع الأمر، فقد يربط العقل مباشرةً بين رقمي 110 و100 ويطرح الأخير من الأول، وهكذا تأسست في أدمغتنا قصة بسيطة "أو قل ساذجة" صدقتها أدمغتنا.

يقسّم "كانيمان" الآليات التي يستخدمها الدماغ للتعامُل مع المعلومات المتاحة إلى نظامين، الأول هو نمط تفكير سريع وكسول، يتم بشكل تلقائي، أما الثاني فهو نظام بطيء يحتاج إلى بذل جهد عقلي، وهو ليس تلقائيًّا؛ إذ إننا نتحكّم به، ويوجد دائمًا فاصلٌ واضحٌ بين النظامين، لكن في بعض حالات التخبُّط -مثل حالات نقص المعلومات مثلًا، أو الاضطرار إلى اتخاذ قرار سريع- قد لا نتمكن من التحكم بالنظام الثاني في حين يسيطر النظام الأول على طريقة التفكير.

يصل تأثير هذه السذاجة إلى درجةٍ من العمق لا تتصورها، على سبيل المثال يحكي دان أريلي -أستاذ علم النفس والاقتصاد السلوكي في جامعة ديوك الأمريكية- عن تجربة طلب فيها من الجمهور كتابة الرقمين الأخيرين من بطاقة الضمان الاجتماعي الخاصة بهم على ورقة بيضاء، ثم طُلب منهم بعد ذلك تقديم عرض لشراء نبيذ وشوكولاتة ومعدَّات كمبيوتر وأشياء أخرى، فجاءت النتائج لتقول إن الذين لديهم رقمان أعلى قدموا عروض أسعار بين 60% و120% أعلى من أصحاب أرقام الضمان الاجتماعي الأقل.

فقط رقم الضمان الاجتماعي الخاص بهؤلاء الناس كان قادرًا على تغذية قرارهم في عمليات الشراء، لكن الأمر لا يتعلق فقط بتجارب علم النفس المثيرة للانتباه، بل يتدخل في الطريقة التي نقوم من خلالها ببناء خططنا المالية، وهو الأمر الذي كان موضوع جائزة نوبل أخرى، حصل عليها عالِم النفس الأمريكي، ريتشارد ثيلر، سنة 2017.

المحاسبة العقلية

وفق نظرية المحاسبة العقلية Mental accounting، والتي أسس لها "ثيلر"، فإننا نحن البشر نضع أهميةً مختلفةً للمجموعات المختلفة من النقود الخاصة بنا، هذا غريب حقًّا؛ فالألف جنيه على سبيل المثال هي مجرد ألف جنيه في كل الأحوال، سواء كنت ستدفعها اشتراكًا في مساق اللغة الإنجليزية أو في رحلة إلى مدينة الفيّوم أو إيجارًا شهريًّا لشقتك الصغيرة، إنها النقود نفسها أليس كذلك؟

يعلمنا "ثيلر" أنها ليست النقود نفسها، هل جربت من قبل هذا الشعور حينما تربح بعض النقود على نحوٍ مفاجئ من مسابقةٍ ما في الشارع مثلًا، أو أن ترتدي سترةً قديمةً فتكتشف أنك كنت قد نسيت فيها مئتي جنيه منذ الشتاء الماضي، أو أن تجد نقودًا على الأرض في الشارع، غالبًا ما نضع هذه النقود في حساب عقلي مختلف عن حسابات ايجار المنزل والإنفاق على الطعام والدروس وفواتير الكهرباء، وهو حساب يسهّل إنفاق هذه النقود في أي شيء قد يبدو غير مهم، كأن تشتري علبة شوكولاتة من ماركة تحبُّها أو تجلس في مقهى لطيف تستمع بوقتك تنفق ما حصلت عليه من مال.

عادةً ما يكون إنفاقنا لتلك النقود أكثر سهولةً بكثير من إنفاقنا للنقود العادية التي نحصل عليها في الراتب مثلًا، رغم أنها جميعًا تساوي القيمة ذاتها، لهذا السبب فإن البعض قد يكون في حاجة ماسَّة إلى النقود، لسداد قرض السيارة مثلًا أو إيجار محل العمل، لكنه رغم ذلك لا يدفع هذه الديون من نقود كان يضعها جانبًا لأجل عطلة في شرم الشيخ؛ لأن دماغه قد أسس حسابًا عقليًّا مختلفًا لكل حالةٍ منها.

تمتد المحاسبة العقلية لتشرح سلوكياتٍ قد تبدو غريبةً نفعلها دون وعي، فمثلًا قد لا تكون محتاجًا إلى قميص أبيض، لكنك ترى في السوق التجاري عرضًا على القمصان البيضاء يقول: إذا اشتريت اثنين تحصل على الثالث مجانًا، هنا قد يقع البعض في أَسر ذلك العرض ويشتري القمصان الثلاثة، التي ليس في حاجة إليها.

من جانب آخر قد تخدعنا بطاقات الائتمان، فنستخدمها لشراء أشياء أكبر وأكثر من إمكانياتنا أو احتاجياتنا؛ إذ تشير نظرية "ثيلر" إلى أننا سندفع النقود المستقبلية بشكل أسهل من النقود الحالية؛ لأننا نضع كلًّا منهما في حساب عقلي مختلف، ولأنك في حالة بطاقة الائتمان تدفع بشكل آجل، فقد تتخذ قرارًا بشراء هذه الحقيبة الغالية الجذابة حقًّا، برغم ديونك للبنك!

أثر الهالة

ولا يقف الأمر عند حدود الاقتصاد، بل يمتد إلى أكثر قراراتنا بساطة، دعنا مثلًا نتطرق إلى تأثير الهالة Halo Effect، وهو اصطلاح ابتكره عالِم النفس الأمريكي فريدريك إل ويلز، حينما تساءل في تجاربه عن العلاقة بين تقييم بعض ضباط الجيش للسمات النفسية للجنود مثل طبيعة الشخصية أو الذكاء، وسماتهم البدنية الظاهرة مثل الأناقة واللياقة؛ إذ جاءت النتائج لتقول إن هناك ارتباطًا ملحوظًا بين السمات الشخصية والبدنية، فقد أشار الضباط إلى أن أصحاب درجات اللياقة الأعلى كانوا أصحاب شخصيات أفضل، بغض النظر عن صحة ذلك أو عدمه.

يشير "أثر الهالة" -وهو تحيُّز إدراكي آخر- إلى أن سمةً إيجابيةً ظاهرة في شخص ما ستولِّد اتجاهًا إيجابيًّا عامًّا لتصور سماته الأخرى غير الظاهرة، فمثلًا كون الشخص وسيمًا قد يدفع البعض ليتصور أنه بالتبعية ذكي أو خلوق أو طيّب القلب، بل إن روبرت روزنتال -عالِم النفس من جامعة هارفارد الأمريكية- قد ربط هذا التأثير بالتعليم؛ إذ وجد أن بعض المعلمين يقيِّمون طلابهم، ليس فقط بناء على التحصيل الدراسي، بل أيضًا بناءً على الشكل الخارجي.

عادةً ما يستخدم المحتالون هذا التأثير لخداع ضحاياهم، فيُبدي المحتال صفةً إيجابيةً ظاهرة بوضوح مثل التدين أو التعامل بدرجةٍ كبيرةٍ من الذوق، وهنا تمد الضحية الخطوط على استقامتها لتثق بأمانته أو خبراته المالية، يفعل السياسيون الشيء ذاته، وتحرص الحكومات والمنظمات غير الحكومية على تصدير "وجه لطيف" إلى الجمهور قدر الإمكان.

رد الفعل العكسي

أما بريندان نيهان، ورفيقه جيسون ريفلير، من كلية دارتموث في الولايات المتحدة الأمريكية، فقد نقلا الأمر بالفعل إلى ميدان السياسة حينما توصلا إلى ما يسمى تأثير رد الفعل العكسي Backfire Effect، وهو تحيُّز إدراكي آخر يشير إلى أن مواجهة الناس بالحقائق التي تنفي قناعاتهم تجعلهم أكثر تمسكًا بتلك القناعات.

في إحدى الدراسات التي نُشرت في ذا جورنال أوف بوليتكس من جامعة شيكاغو، على سبيل المثال، جاء أن الجمهور حين تقدم له حقائق سلبية عن المرشح الانتخابي المفضل لديه، يمكن أن يستجيب بأن يصبح أكثر تأييدًا له، ووجدت دراسة أخرى صدرت عام 2014 أن بعض الآباء يمكن أن يزيد رفضه لإعطاء أطفاله اللقاحات بعد عرض الحقائق الطبية التي تقول إن اللقاحات آمنة.

يفسر جاي فان بافيل، وأندريا بريرا -من جامعة نيويورك- هذا النوع من الاستجابات بما يُسمى نموذج القناعات القائمة على الهوية identity-based model of belief، ويعني أن انتماء الإنسان إلى وطنٍ أو جماعةٍ سياسيةٍ أو دينيةٍ ما يحدد هويته إلى درجةٍ تتيح له في بعض الأحيان التغاضي عن الحقائق لصالح هذا الانتماء.

يتضح ذلك بشكل كبير في أثناء الاضطرابات السياسية، الانتخابات الأمريكية على سبيل المثال، وهي أحداث تنتشر فيها الأخبار الكاذبة، قد لا يعمل المتحيز إلى حزبٍ ما على تفنيد الخبر، ولكنه سيؤيده إن كان الخبر يعضد من موقف دونالد ترامب مثلًا وسيشاركه على وسائل التواصل الاجتماعي، بينما سيرفض تصديق الخبر إذا كان ضد "ترامب"، وسيقول إنها مؤامرة لإسقاط أهم رجل في أمريكا، من وجهة نظره.

وهم التفوّق

تحيُّز إدراكي آخر يساعد البشر على تصديق تلك الأوهام عن التحيزات السياسية، وهو وهم التفوق superiority bias، ويعني أن الإنسان يعمل على تضخيم قدر صفاته الإيجابية مقارنةً بالآخرين، وتصغير حجم صفاته السلبية مقارنةً بالآخرين، فيصبح تقييم الشخص عن ذاته أعلى من متوسط الجمهور العام.

على سبيل المثال، في إحدى التجارب التي أُجريت سنة 1981 سئل 161 طالبًا في دولتي السويد والولايات المتحدة الأمريكية عن مهاراتهم في قيادة السيارة وقدراتهم على القيادة بأمان مقارنةً بالآخرين، وجاءت النتائج تفيد أن 93% من طلاب الولايات المتحدة الأمريكية، و69% طلاب السويد، وضعوا أنفسهم في مكانٍ أعلى من المتوسط.

في دراسة مماثلة، 68% من المدرسين في جامعة نبراسكا لينكولن الأمريكية صنفوا أنفسهم على أنهم ضمن أفضل 25% من حيث القدرة على التدريس، وصنف 87% من طلاب ماجستير إدارة الأعمال في جامعة ستانفورد الأمريكية قدراتهم الأكاديمية على أنها أعلى من المتوسط، يمكن أن تجد نتائجَ شبيهةً في نطاقات الصحة واختبارات الذكاء وغيرها.

تؤثر التحيزات الإدراكية على كل شيء، بدايةً من أفكارنا عن ذواتنا وكيفية رؤيتنا للأشياء والناس من حولنا، ووصولًا إلى التوجهات السياسية والاقتصادية، يرى "ثيلر" مثلًا أن هذا النوع من التحيزات هو السبب في أزمات اقتصادية هائلة مثل الركود الذي ضرب الولايات المتحدة بشكل خاص، والعالم كله بشكل عام، في عام 2008.

إلى الآن يحاول العلماء فهم هذه التحيزات، كما أنهم يبتكرون طرقًا للتعامل معها، لكن يبدو أن خمسين سنةً مضت قد علمتنا نحن البشر أن نعيد تعريف العقلانية، بأنها استكشاف إلى أي مدى قد نكون نحن البشر غير عقلانيين!