هل يعاني طفلك من ضعف الذاكرة؟ هل يسبب له النسيان تأخرًا دراسيًّا ؟ هل أعيتك الحيل وقررت رفع الراية البيضاء في مواجهة هذه المشكلة والتي يعاني منها أطفال كثيرون على مستوى العالم؟

تلك الأسئلة وغيرها ربما تصبح طي النسيان، إذ كشفت دراسة أجراها "مركز العقل والدماغ" بجامعة كاليفورنيا الأمريكية ونشرتها مجلة "الأكاديمية الوطنية للعلوم"، أن "الذاكرة تتحسن مع انتقال الطفل إلى مرحلة المراهقة؛ لما يصاحبها من تغيرات في بنية الدماغ".

تقول سيمونا جيتي -أستاذ علم النفس وإحدى المشاركات في الدراسة- في تصريحات لـ"للعلم": "إن الدراسة أجريت على مجموعة محددة من الأطفال خلال مراحل عمرية مختلفة، بينما كانت كل الأطروحات السابقة تعتمد على تقديم براهين على تطور تحسن الذاكرة من خلال دراسة مجموعات عشوائية من الأطفال في مراحل عمرية مختلفة".

تضيف جيتي أنهم أخضعوا 145 طفلًا تتراوح أعمارهم بين 7 أعوام و15 عامًا للتجربة ثلاث مرات، بفاصل عام بين كل تجربة وأخرى. وكان على الأطفال في كل مرة تنفيذ بعض المهمات الخاصة لتقييم الدقة الفعلية لقدرتهم على استعادة الذكريات، وصاحب التجارب تصوير أدمغة الأطفال بالرنين المغناطيسي، بينما تولى 31 من البالغين مراقبة عينة البحث، وتبين لفريق البحث عند تحليل البيانات الطبية والنفسية تناقص سمك القشرة الجزيرية “the insular cortex” وهي جزء من القشرة المخية (لها وظائف مختلفة ترتبط بالعاطفة وتحقيق التوازن الداخلي في الجسم والإدراك والوعي بالذات والخبرة الشخصية)، كما لاحظوا زيادة في سمك قشرة الفص البطني الإنسي “ventromedial cortex”، ما ينجم عنه تحسن في الذاكرة مع الوقت".

توضح جيتي أن "هذه المناطق ربما تكون مهمة جدًّا بالنسبة لقدرتنا على اكتشاف الخطأ وتصحيحه والتحكم في بعض السلوكيات، إذ إن تغيُّر سُمك هذه المناطق بنسب مختلفة كان له أثر في تحسين بعض وظائف المخ كالتأمل والتذكر، الأمر الذي يعد مهمًّا جدًا بصفة خاصة لهذه الشريحة العمرية، مما يتيح لهم فرصًا هائلة للتعلم"، مشددة على أن "فريق البحث كان يُجري اختبارًا للذكاء IQ مع بداية كل تجربة ونهايتها، وتبين أن تحسن القدرات الخاصة بالذاكرة يترتب عليه تحسن ملحوظ في إجراء الاختبارات".

ذاكرة مهددة بالاندثار

تقول نهال لطفي -مدرس علم النفس التربوي بكلية التربية، جامعة قناة السويس- لـ"للعلم": "إن معظم الدراسات السابقة للذاكرة كانت تركز على النواحي الكمية التي تدرس سعة ذاكرة الدماغ طويلة المدى وقصيرة المدى، فيما تركز الدراسات الصادرة مؤخرًا على معرفة المشكلات المتعلقة بالتذكر وتحديد نقاط الضعف والقوة الخاصة بها، وهو ما نسميه بعمليات ما وراء الذاكرة، مثل البحث عن سبب قدرة شخص ما على تذكُّر أرقام معينة بينما يعجز نفس الشخص عن تذكُّر تفاصيل أخرى أقل صعوبة من تذكُّر الأرقام".

 تضيف نهال أن "تحسين كفاءة الذاكرة أصبح أمرًا ملحًّا، لا سيما وأن هذه المهارة مهددة اليوم بالاندثار بسبب الاعتماد المفرط على التكنولوجيا في عمليات التذكر، ونظرًا لأن كثيرًا من العمليات العقلية يخضع للنظرية اللاماركية أو نظرية الإهمال والاستعمال التي تقوم على فكرة أن الأعضاء التي يزداد استعمالها خلال حياة الكائن الحي تتطور في حين تضمر الأعضاء التي لا تستعمل، فقد أصبح من الضروري جدًّا تدريب التلاميذ على كيفية تنشيط الذاكرة، فالتذكر مهم جدًّا لمساعدة المخ على القيام بوظائف أخرى، فعندما يريد الطفل حل مشكلة ما تواجهه، لا بد أن يكون لديه مخزون معلوماتي ومعرفي يمكِّنه من التفكير في حل".

تحفيز التذكر                                                                       

توضح نهال أن "هناك برامج متعددة لزيادة سعة الذاكرة طويلة أو قصيرة المدى والكيفية التي تعمل بها، ومنها البرامج التي تعتمد على تقنية الخريطة الذهنية وهي عبارة عن مجموعة من الكلمات المفتاحية التي تسهِّل تذكُّر عناصر موضوع ما، إذ يكتب الفرد أفكاره على ورقة ويرسمها من أجل زيادة ترسيخها والتركيز عليها، وتعتمد على الذاكرة البصرية في رسم وتوضيح الأفكار وفي استرجاعها، فمثلاً لو أراد رسم خريطة ذهنية عن التغيرات المناخية، يضع كلمات مثل غازات الاحتباس الحراري والجفاف والاحترار (وغيرها من الكلمات المفتاحية التي تساعدك على التذكر)، فضلاً عن الاعتماد على الجانب الانفعالي لتحفيز عمليات الذاكرة عن طريق اللعب أو مسرحة المناهج أو الغناء، وكذلك الألعاب الإلكترونية مثل لعبة الـmemory card والتي يحاول ممارسوها تذكُّر محتوى كروت مخبأة وألوانها، كما أن هناك تدريبات أخرى تعتمد على تنمية الذاكرة المكانية، مثل الخرائط الجغرافية والتي تُعَدُّ وسيلة فعالة جدًّا لتذكُّر مواقع الدول في العالم".

تطور الدماغ بيولوجيًّا

ووفقًا لتقرير سابق صدر عن مجلس العموم البريطاني، فإن "عملية تطور الأدمغة تستمر حتى سن الـ30، فالدماغ يحتوي على نوعين من الأنسجة، وهما المادة الرمادية التي تشكل جزءًا كبيرًا من الجهاز العصبي المركزي وتوجد فيها الخلايا العصبية المسؤولة عن الحواس، والمادة البيضاء المسؤولة عن نقل الرسائل العصبية داخل الدماغ. وفي العقد الأول من عمر الإنسان تتمدد المادة الرمادية بسرعة مما يسمح للأطفال بتعلُّم مهارات جديدة. ومع استعداد الجسم للبلوغ وحتى سن الثلاثين، يبدأ الدماغ في تخفيف المادة الرمادية بحيث تحل محلها المادة البيضاء. هذا التغيير من شأنه أن يجعل العقل أكثر كفاءة؛ لأنه يتيح نقل المعلومات بشكل أفضل وأسرع.

وذهب التقرير إلى حد المطالبة بضرورة التعامل بطريقة مختلفة مع المجرمين الذين تقل أعمارهم عن 30 عامًا؛ باعتبار أن أدمغتهم لا تزال غير ناضجة تمامًا.

كما تذهب دراسة سابقة أجراها "جاي جيد" الباحث بالمعهد الوطني للصحة العقلية بيثيسدا ماريلاند، وعكفت على متابعة نمو أدمغة 400 شخص في مراحلهم العمرية الممددة من 5 أعوام إلى 25 عامًا، عن طريق إجراء مسح دماغي لهم كل عامين، إلى أن "المراهقين يفقدون حوالي 1% من المادة الرمادية كل عام حتى بداية العشرينيات، ويزيل هذا "التشذيب الدماغي" الروابط العصبية غير الاعتيادية التي أُنتِجت بوفرة في أثناء طفرة النمو في مرحلة الطفولة، بداية من المناطق الحسّية والحركية في الدماغ، وهي أولى الخلايا التي تنضج بالدماغ، ثم المناطق المسؤولة عن اللغة وتحديد التوجه المكاني، وأخيرًا المناطق الدماغية المرتبطة بمعالجة المعلومات والوظائف التنفيذية".

ومضات الطفولة

من جهتها، ترى ولاء صبري -أستاذ مساعد واستشاري الطب النفسي وعلاج الإدمان بكلية الطب، جامعة عين شمس- في تصريحات لـ"للعلم"، أن هناك منطقتين رئيسيتين في المخ تشهدان تغيرات هيكلية ووظيفية بشكل مستمر خلال فترة الطفولة، وتعدان من أهم مفاتيح النمو العصبي للذاكرة، أولهما الحُصين “The hippocampus” الذي يحول المعلومات من الذاكرة قصيرة الأمد إلى الذاكرة طويلة الأمد، والثاني يتمثل في القشرة أمام الجبهية “the frontal cortex”، التي تؤدي دورًا في عملية التخطيط وفي التعبير عن الشخصية وفي اتخاذ القرار وفي السلوك الاجتماعي للأفراد، إذ أثبتت بعض التجارب أن قدرات التذكر تومض منذ الأيام الأولى لميلاد الطفل، من خلال بعض السلوكيات التي تعكس ذلك، مثل عدم تركيز الطفل في الأشياء التي رآها من قبل، لأنه يحتفظ بصورة ذهنية لها في الذاكرة، إذ يتجاهل الطفل التركيز في الصورة التي رآها من قبل باعتبار أن التركيز فيها ليس ذا أهمية بالنسبة له".