مساء الثلاثاء 20 سبتمبر 1995، تلقيت دعوة على العشاء في مطعم فريد في العاصمة الزيمبابوية "هراري"، فقد كان المطعم جزءًا من جاليري للأعمال النحتية في الصخور الصلبة التي يشتهر بها فنانو قبائل الشونا الزيمبابوية في كل أنحاء العالم، الطابق الأول كان معرضًا لقطع نحتية مبهرة على قواعدها، تحيط بها لوحات جنوب إفريقية حارة الألوان على الجدران، أما المطعم فكان في الطابق الثاني يقدم العشاء بمصاحبة عزف حي على الآلات الموسيقية الإفريقية التقليدية مع عروض رقص نارية تتوهج فيها الفهدات السمراوات عارمات القدود، وفي هذا المساء المشتعل فوجئت بأن الأطباق الرئيسية في قائمة الطعام مخصصة لشواء من لحوم الطرائد التي تم صيدها في اليوم نفسه، وبإغراء الفضول وتحريض وهج المكان، إضافة إلى أصداء الدعاية عن الطعام "الإكسوتيك" Exotic food -فريد الغرابة- في الجنوب الإفريقي، طلبت عينات صغيرة للتذوق، شملت مشويات من لحوم ذيل التمساح، والمها الإفريقي، والنعام، وحمار الوحش، وطاب لي الأخير فالتهمت وجبة كاملة منه كانت شهيةً بالفعل، فخمة الهشاشة، عطرية العبق، ومدوخة الانتشاء!

تسمية أخرى تليق به

    نمت نومًا عميقًا بعد سهرة ذلك العشاء، وصحوت مفعمًا بالنشاط في صباح هراري الباكر المرصع بمظلات أشجار الجاكاراندا البنفسجية التي تزهر قبل أن تورق، ثم انطلقتُ إلى محمية "هوانجي"، وهناك وجدتني بدلًا من الاهتمام السابق بمشاهير البراري الإفريقية، الأسود والفهود والأفيال وأفراس النهر ووحيد القرن، أخصص معظم وقتي في هوانجي لتأمل ما كنت أقبل تسميتها بالحمير الوحشية، أو حمير الزرد، أو الحمير المخططة، ومكثت أقتفي أثر هذه الكائنات البديعة حيثما تكون، مختلطةً بالأفيال عند حُفر الماء تستقي، أو ترعى في السهول العشبية متجمعةً بالعشرات والمئات، ودائمًا في صحبة عاشبات أخرى من التياتل والمها والجاموس البري، وبدأ تأملي الطويل لبديع هيئات هذه "الحُمُر" وتفاجُئي المذهل بفرادة أصواتها، يجعلني أردد في داخلي بإلحاح وقوة: "لا، هذه لا يمكن أن تكون حميرًا"، ومع تكرار التأمل وتكرار الترديد، بدأ شعور بالذنب يغزوني بتصاعد لأني أكلت لحمها المشوي، وبتلذذ وحشي، وتهافُت لا يليق!

      كان أول تفكيري في تكفيري عن هذا الذنب، ألا أدعوها حميرًا بعد ذلك (مع إشفاقي على ما لحق بالحمير وأساي على مأساة استحمارها) وفكرت -كبداية للاعتذار- أن أكتفي بتسميتها خيول الزرد، لأن الخيول -برغم تدجينها كأقاربها الحمير- ظلت محتفظةً ببعض أنفتها البرية وعدم احتمالها للإهانة، ثم إن خيول الزرد هذه –علميًّا- تُشكِّل مع الأحصنة والحمير البرية أحد الأضلاع الثلاثة للعائلة الخيلية Equidae، وتوصف في كثير من المراجع بأنها خيول إفريقية African equines ، أما الحاسم في انحيازي إلى اعتبارها خيولًا، أو أقرب إلى الخيول، فهو أنها لا تنهق أبدًا، لا تنهق بهذا الصوت الراعد المُنكَر للحمير، والذي كان سلاحها الثقيل في مواجهة مفترسيها يوم كانت برية، تطلقه متجمدةً في مكانها، فيربك صوتُها المفترسَ ويجعله يتردد في الاقتراب، والغريب أن الحمير احتفظت بهذا السلاح الصوتي بعد تدجينها، تطلقه لغير سبب واضح برغم استسلامها لمدجنيها، والارتضاء بصفقة ضمان استمرار العلف وتوفير المأوى الآمن، مقابل أن تقدم جهدها، وجِلدها ولحمها أحيانًا، ونسلها دائمًا.. حميرًا للمستقبل!

باقة أصوات مفاجئة

     الزرد لا ينهق أبدًا، وهو ما تيقنت منه في هوانجي وغير هوانجي، وعبر سماعي المثابر والمتكرر لتسجيلات عديدة لصوته (رابط لتسجيل صوتي للزرد)، فهناك باقة لأصوات الزرد تتراوح بين أربعة وستة، وتتشكل من مزج ما يشبه صهيل أمهار الخيل، ونباح الجراء، وصفير بعض الطيور! مع شخير خاص وهرير يقارب هرير صغار القطط، وفي هذه الباقة نتبين: 1ــ صوتًا يشبه نباح الجراء بنبرة عالية ورنين معدني، يُسمَع "ها، كاو ــ ها ، كوا ــ ها، ها ها" ويُستخدم للتودد الجنسي كما للترحيب بالأصدقاء، 2 ــ  صوت صهيل غضًّا حاد النبرة وصافرًا من مقطعين ينبه إلى اكتشاف مفترس يقترب، 3 ــ صوت شخير تحذيريًّا صاخبًا عند الدخول إلى منطقة أعشاب طويلة وشجيرات يمكن أن تُخفي حيوانات مفترسة، 4 ــ صوت صرير صارخًا عالي النبرة تطلقه ذكور الحمير عند غضبها العارم المصحوب بالعض والتلاطم، 5 ــ صوت صفير مُطوَّلًا يطلقه صغير الزرد عند وقوعه في محنة، فكيف يكون حمارًا مَن لا ينهق؟!

     وكيف يكون حمارًا مَن يوصف بأن معطفه المخطط يجعله بين الثدييات الكبيرة (سواء كانت زرافات أو فهودًا أو غزلانًا أو ظباءً) "الكائن الأكثر أناقة"؟! وهو كذلك بالفعل، فهذا التشكيل الجمالي لذلك المعطف البديع الذي تتناوب فيه الخطوط البيضاء مع السوداء (والتي تكون بنِّية في الصغر وتدكن لتصير سوداء مع النضج)، هي تمامًا كبصمات أصابعنا، لا تتكرر أبدًا، فكما لكلٍّ منا بصمته التي تميزه، بدقة تفوق رقمه القومي، يميز تشكيل الخطوط البيضاء والسوداء كل فرد من هذه الكائنات بتصميم يخصه، به تتعرف الأم على صغيرها إذا تاه بين الحشود في المرعى مع أقرانه الصغار، كما يُشكِّل الوسيلة التي يتعرف بها الصغير على أمه مهما اشتد الزحام أو فرقهما هرج الفرار من مفترس، وبه يعرف الذكر أنثاه وتعرف الأنثى ذكرها عند اختلاط القطعان في المرعى وفي أثناء رحلات الهجرة الموسمية إلى مساقط الأمطار، والتي تنخرط فيها جحافل تُعد بالآلاف، راكضةً دون توقف لمئات الأميال، ودون أي اعتبار للحدود التي رسمها الاستعمار أو الأعراق أو العشائر أو القبائل!

     إنها أناقة جوهر لا مظهر فقط، تصميم عظيم النفع بآليات لا تزال تحير البحث العلمي، فثمة فرضيات تقول بأن تناوب الخطوط السوداء مع البيضاء يؤدي دور "تكييف طبيعي" لجسم الحيوان يخفف عنه وطأة البيئة الحارة في براري الجنوب الإفريقي والسافانا، فالخطوط البيضاء تعكس الحرارة أما السوداء فتحتفظ بها، وهذا يُسرِّع دوران الهواء فوق جلد الحيوان فيبرده، وتضاف إلى هذه الفرضية التكيفية فرضية أخرى تقول إن هذه الخطوط تربك تحفُّز المفترسين للهجوم؛ إذ تُزيغ أبصارهم عند النظر إلى قطيع يرعى العشب، فيرونه جسمًا واحدًا يصعب التركيز على هدف منفرد منه، وإذا تحرك القطيع يصير التركيز على هدف فردي للاقتناص عسيرًا بفعل انبهار الحركة motion dazzle الذي يُبدي خطوط الجمع تتحرك وتتداخل فتربك المفترس، كل هذا جميل ومثير، ومحتمل في الواقع، لكن هناك اختلافًا علميًّا حوله، أما ما لا اختلاف عليه، فيتعلق بدور التشكيل عبقري الجمال لخطوط معطف الزرد في إبعاد الذباب القاتل وكثير من الحشرات المؤذية والمُمرِضة عن هذه الكائنات الأنيقة..

التصميم الجمالي لخطوط الزرد عديد الفوائد وأعجبها طرده للذباب القارص مصاص الدماء ناقل الأمراض المميتة Credit: Public Domain 

العلم يفسر الأعجوبة

     شيء مثير للدهشة فعلًا، ويبرر شدة توقيري لهذه الكائنات ومن ثم إلحاح الرغبة في الاعتذار لها، الآن وصاعدًا، وبعد مرور كل هذه السنين، فهذه الكائنات برغم انتمائها إلى العائلة الخيلية التي تضم الأحصنة والحمير، يكاد لا يقربها الذباب ماص الدماء وناقل الأمراض القاتلة وأشهرها ذباب الخيل Tabanidae الناقل لأمراض إنفلونزا الخيول، والجمرة الخبيثة، والفلاريا، وعمى الأنهار، ويليه ذباب التسي تسي، الناقل لمرض النوم الإفريقي الذي أودت أوبئته بكثير من البشر مع تفاقمه ووصوله إلى المرحلة الدماغية السحائية، إنها حصانة عجائبية ضد هذه الحشرات المؤذية وكثير غيرها، وقد أظهر البحث العلمي مؤخرًا ما وراء هذه الأعجوبة، إنها لوحات تشكيل الخطوط البيضاء والسوداء البهية على معاطف حيوانات الزرد، ففي العام الفائت 2020 نشرت كلية العلوم البيولوجية بجامعة بريستول دراسةً تكشف عن آلية ردع ذباب الخيل وذباب التسي تسي وحشرات أخرى عن النيل من حيوانات الزرد، وقد أوجز الدكتور مارتن هاو -المؤلف الرئيس للدراسة- هذا الاكتشاف، بأنه راجعٌ إلى ما يسميه "تأثير الفتحة"، وهو خداع بصري يسببه تجاور وتداخل الخطوط السوداء والبيضاء للذبابة، وهي تحاول الهبوط على جسم الزرد؛ ففي الحالة التي يكون فيها الهدف بلون واحد، يزيد التدفق البصري بتوسُّع جسم الهبوط فتقلل الذبابة من سرعتها لتحط على الجسم بهبوط منضبط، لكن تجاور خطوط الزرد البيضاء والسوداء وتداخلها يقلل التدفق البصري مع مزيد من الهبوط، مما يؤدي بالذبابة إلى اعتقاد أن هدفها لا يزال بعيدًا فلا تبطئ سرعتها، ومن ثم تخفق في الرسو المنضبط على جسم الهدف، تفشل مهمتها، ومع تراكم خبرة الفشل يزهد الفاشل في تكرار المحاولة، فينجو الزرد، وتنجو معه الماشية التي ينتقل إليها المرض، وينجو البشر المعرضون للعدوى!

ترسانة مرهفة للرصد والإنذار

      إنها مخلوقات "سوبرانية" الصوت، أنيقة المعاطف فريدة التشكيل والنفع، تعيش على الرعي في بيئات مكشوفة، فهي واقعيًّا سهلة الرصد والمنال لمفترسيها، من أسود وفهود وضباع وكلاب برية، كما لا يمكن استبعاد التماسيح عند ورود الماء، كل ذلك يُبرِّر افتراض أنها صيد سهل لكل هؤلاء اللواحم، لكن لا، فهي التي لا ناب لها ولا مخلب، تمتلك ترسانة طبيعية مرهفة من أدوات الرصد والإنذار والمقاومة، فلا ترعى إلا في جماعة تضم قطعانًا مختلفة وضيوفًا مُرحَّبًا بهم من المعشبين السلميين مثلها، ولا تنام الليل إلا مجتمعة، والغاية أن يكون هناك دائمًا فردٌ مستيقظ يرصد اكتشاف أو اقتراب مفترس، فيطلق صيحات التنبيه، وإذا بوغتت بالهجوم لا تتجمد في مكانها وتنهق كما تفعل الحمير، بل تستنفر في أجسادها الفتية الرشيقة آلية الفرار والقتال معًا، فإذا رأت المفترس يهاجم واحدًا منها، تتجمع عليه بالعض العنيد والركل الساحق، وهي غالبًا ما تتفرق في فرارها، لتسحب تحالف المفترسين أو المفترس المفرد وراء فرد ناضج منها، يركض في خط زجزاجي يدوخ مَن يطارده، وبتسارع يصل إلى 60 كيلومترًا في الساعة، وهي سرعة تناظر سرعة الأسود، لكنها تتفوق على الأسد الذكر بأنها يمكن أن تثابر لمسافة أكبر ووقت أطول، وهو ما يعجز عنه الأسد، لأنه لو أمعن في المطاردة ترتفع حرارة جسمه المرتفعة أصلًا فتهُدّه الحُمَّى، أما إذا أفلح تحالف اللبؤات والأسد مع زرد منفرد وبدأت مخالبهم تنهشه، فإنه يقاتل حتى النفَس الأخير، بالرفسات الساحقة، أو العض العنيد الذي يمكن أن يهشم عظام رأس لبؤة أو أسد، وإذا لم يعد في الجعبة من حيلة، فإن رحمة فورة الأدرينالين تكون ماثلةً في تخفيف الإحساس بهول الألم من ناحية، وسرعة إنهاء المفترس لحياة فريسته من الناحية الأخرى، فأي نبيل هذا؟ وأي نبالة في البرية هذه؟!

عند مورد الماء يبدون نُسخا بتخطيط متطابق بينما التخطيط هو بصمة فريدة لكل فرد تماما كبصماتنا أصابعنا Credit: Public Domain 

بطل العشرة آلاف عام

     نعم نبيل، وآية نبالته بطولة عشرة آلاف عام من مقاومة تدجين البشر له أو حتى ترويضه، فالزرد تأبَّى على التدجين الذي استكان له أبناء عمومته من الحمير والأحصنة، أغراهم توافر العلف وأمان الاصطبلات والزرائب، فقدموا لمدجنيهم قواهم للجر والحمل والركوب، وقبلوا التناسل في هذا الأَسر، وتقديم نسلهم دوابًّا لآسريهم!

     صحيح أن قبول التدجين ضَمن للمدجَّنين زيادة أعدادهم، فصارت الحمير والخيول "المستأنسة" تُعد بعشرات الملايين في العالم، في حين تناقص عدد حيوانات الزرد إلى ما دون 300 ألف فرد في البرية الإفريقية كلها، يهددها الانقراض، إلا أن الحرية نفيسة كقيمة معنوية، وكأثر مادي ملموس في الواقع، فتذوُّق لحم الزرد المشوي وإن كان لا يزيد عن نزوة صغيرة عابرة -تستحق الاعتذار- إلا أنه كان لي بداية للإطلال على ساحة إجرام عولمي مسكوت عنه -لا يستثني أحدًا- للتجارة الوحشية عابرة القارات في لحم الطرائد وعلى رأسها حيوانات الزرد، وهو ما يحتم توسيع الاعتذار وتعميق الفَضْح العِلمي، ليس لدواعٍ أخلاقية وعاطفية فقط، بل لأن ذلك الإجرام في انتهاك حياة الكائنات البرية خطر داهم على توازن شبكة الحياة في كوكبنا يهدد استدامة الحياة، ثم إنه مصدر الأوبئة والجوائح البشرية حيوانية المنشأ zoonotic، التي لا نزال في العام الثالث نختنق ونُلبِّط في مستنقع واحد منها، بينما هناك عشرة مثله -على الأقل- تتوعدنا!