استيقظ العالم منذ أيام على خبر أليم... نبأ وفاة العالم والفيزيائي الفذ «ستيفن هوكينج»، الذي ظل أكثر من 50 عامًا يمارس حياته على كرسي متحرك، نتيجة إصابته بمرض عضال أدى إلى ضمور معظم عضلات جسده، حتى فقد قدرته على الكلام.

لكن بقي لهوكنج جزء من جسده يعمل بكفاءة منقطعة النظير، ذلك العقل الجبار الذي سافر في أعماق الكون رغم أن الجسد على كرسي متحرك. ستيفن هوكينج.. مثال إنساني، ربما لا يتكرر كثيرًا في التاريخ البشري، لقد حالفنا الحظ لأننا عشنا زمنًا عاش فيه.

وإن كان الثقب الأسود يشكِّل متفردةً فيزيائيةً في الطبيعة، فإنني لا أبالغ إن قلت إن هوكينج يشكِّل متفردةً في التاريخ البشري، سيقف أمامها التاريخ طويلًا.

ربما مثَّل هوكينج لي ولكثيرين غيري المثل الأعلى في النبوغ الفيزيائي والإرادة الفولاذية. فعندما تخرجت منذ سنوات في قسم الفيزياء في كلية العلوم بجامعة بنها المصرية، كان هوكينج أحد الأسماء اللامعة الذي سعيتُ لفهم سر عبقرية نظرياته، استمتعت كثيرًا بقراءة كتبه، ما شكل لي حافزًا كبيرًا على محاولة تعلُّم نظريات ذلك العالم الفذ، ولكن حين اطلعت على تفاصيل عمله وجدت أن طالب العلم يحتاج إلى تعلُّم علوم كاملة في الفيزياء والرياضيات المتقدمة لكي يفهم ما يكتب عنه هوكينج.

فلكي تقرأ بحثًا من أبحاث هوكينج، يجب أن تكون مُلمًّا بفيزياء المجال الكمي وفيزياء النسبية العامة والهندسة التفاضلية والطوبولوجي Topology  والفيزياء الإحصائية وغيرها من العلوم المتقدمة. دعونا في هذا المقال نلقي الضوء على بعضٍ من إسهامات ذلك العالِم الجليل في علم الفيزياء.

ولعل أكثر ما يشتهر به هوكينج هو عمله الأصيل في تعريف إشعاع الثقب الأسود -والمعروف بـ"إشعاع هوكينج"، ولهذا الاكتشاف الكبير قصة طريفة جمعته بتلميذه العالم جاكوب بيكنشتاين Jacob Bekenstein.

يبدأ الأمر عندما كان بيكنشتاين يتناقش مع أستاذه قائلًا: نعلم جميعًا أن العشوائية أو الإنتروبي في الكون في ازدياد ولا يمكن عكسها، فرد هوكينج قائلًا: نعم، فقال بيكنشتاين: ولكن إن ألقيت بكوب الشاي هذا في الثقب الأسود فإن الإنتروبي ستقل في الكون المنظور، لذلك يجب أن نجد طريقةً لتعريف الإنتروبي للثقب الأسود.

رد هوكينج بأنه إن عرفت إنتروبي للثقب الأسود، فعليك أن تعرف له درجة الحرارة والإشعاع وكل الصفات الحرارية التي تلازم تعريف الإنتروبي، وهذا يتناقض مع خصائص الثقب الأسود في أنه يبتلع كل شيء ولا سبيل لمعرفة أية معلومات عنه، بما فيها الصفات الحرارية له.

عكف بيكنشتاين على حل هذه المعضلة جزئيًّا، وانتهى إلى أنه ربما تكون مساحة سطح الثقب الأسود مرتبطةً بعشوائيته.

التقط هوكينج الأمر في أحد بحوثه التي تُعرف بأنها من أشهر بحوث علم الفيزياء في الخمسين سنة الأخيرة، وفيها افترض أن الفراغ الواقع بجانب الثقب الأسود يحتوي على تذبذبات كمية لانهائية، ونتيجة قوة الجاذبية الصادرة عن الثقب الأسود فإن هذا يؤدي إلى خلق جسيمات وجسيمات مضادة بالقرب من سطحه، يخرج أحدها منه حاملًا معلومات عن حرارته، في حين يدخل الآخر فيه. وتشكل هذه الجسيمات الخارجة لبنات ومكونات "إشعاع هوكينج" من الثقب الأسود، وبذلك كان هوكينج أول مَن استطاع أن يفك شفرة الثقوب السوداء ويأتي لنا منها بمعلومات فيزيائية عن خصائصها.

لم يقتصر عمل هوكينج على الثقوب السوداء؛ إذ امتد عمله إلى موجات الجاذبية، وله عدة بحوث شهيرة في كيفية التعرُّف على علاماتها من إشعاع الخلفية الكوني، التي ساعدت العلماء التجريبيين فيما بعد على اكتشافها.

امتد عمله أيضًا مع العالِم روجر بنروز إلى تشكيل نظريات المتفردات الفيزيائية، التي أثبتوا فيها أن كل نظام كلاسيكي يجب أن يؤول إلى متفردة، مما يشكل حتمية الدمج بين فيزياء الكم وفيزياء النسبية العامة.

وحلًّا لتلك المعضلة. قدم هوكينج مقترحات لنظرية كل شيء، مطالبًا بالدمج بين كل قوى الطبيعة في إطار نظرية موحدة. أمضى هوكينج سنوات عمره الأخيرة في محاولة حل معضلة فقد المعلومات داخل الثقب الأسود، وكان دافعه العلمي أن ذلك بمنزلة معرفة كاملة عن كيفية عمل العالم الكمي في نظام جذبي قوي كالثقب الأسود.

من هذا يتجلى لنا كيف كان الرجل باحثًا شغوفًا عن الحقيقة بكل معانيها الطبيعية. وفي سبيل ذلك انتصر على مرضه بعقله الفذ، الذي جعله شخصًا خالدًا.

ومن الصدف الكونية أنه مات يوم ذكرى ميلاد آلبرت أينشتين، ووُلد في يوم ذكرى وفاة جاليليو جاليلي، وكأن الكون أراد تخليده بكل صورة ممكنة، فعندما نتذكر أساطير العلم كأينشتين وجاليليو، سنتذكر أسطورةً من نوع آخر، دمجت ما بين التحدي الإنساني والتحدي العلمي في أروع صوره، ليترك لنا مثالًا بارزًا، يقول لنا امضوا كما شئتم في الطبيعة، فالمستحيل سبق تحطيمه من فوق ذلك الكرسي المتحرك.