يسيطر عقل الإنسان وشخصيته على حركات جسده وتصرفاته لا العكس، هذا ما أكد عليه طبيب الزمان وحكيمه اليوناني أبقراط منذ ما يقرب من 400 سنة قبل الميلاد. ولقد فتح هذا المفهوم الباب على مصراعيه أمام علماء النفس لفهم وسبر غَور طبائع الشخصيات البشرية، والتي تتفاوت فيما بينها، ليس فقط في نوع الصفات التي تتسم بها، لكن أيضًا في مقدارها قوةً وضعفًا.

ودائمًا ما نستخدم تعبير «شخصية الإنسان» للإشارة إلى مجمل ما يفعله من أنشطة تميزه عن غيره، أو للإشارة إلى ما يحمل من وجهات نظر تتوافق أو تتنافر مع الآخرين، الأمر الذى يميز الفرد عن أقرانه. ويعرِّف علماء النفس شخصية الإنسان بأنها مجموع الصفات والمزايا الذاتية والسمات الخلقية والعقلية والإرادية والجسمية التى يُتوَّج بها الإنسان وتميزه عمن حوله.

فك الشفرة

ومن هذا المنطلق، فقد تم التوصل إلى أن السمات والنوازع الأساسية لأي شخص يمكن إجمالها فيما يسمى بـ«مفتاح الشخصية»، وهو أشبه ما يكون بكود فك الشفرة لهذه الشخصية. ومن بين أهم مَنْ أدركوا أهمية هذا المفهوم، الكاتب الكبير عباس العقاد عند تناوله حياة العديد من العظماء، وفي مقدمتهم النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- في سلسلة كتبه الشهيرة المسماة بـ"العبقريات".

فقد عَرف العقاد مفتاح الشخصية بأنه "الأداة الصغيرة التى تفتح لنا أبواب الشخصية، وتنفذ بنا وراء أسوارها وجدرانها، وهو كمفتاح البيت، فالبيت كالحصن المغلق ما لم تكن معك هذه الأداة الصغيرة، فإذا عالجته بها فلا حصن ولا إغلاق"، وفق تعبيره. وربما كان هذا الفهم لدى العقاد هو ما مكنه من الوصف الدقيق والمتعمق لكل شخصياته التي تناولها في عبقرياته.

وإذا ما حاولتُ إسقاط هذا المفهوم لمفتاح الشخصية على عالِمنا المصري الكبير صاحب جائزة نوبل ومؤسس علم «كيمياء الفيمتو» د. أحمد زويل رحمة الله عليه، معتمدًا في ذلك على بعض قراءاتي شديدة التواضع في علم النفس مقرونة بشرف معرفة الرجل عن قرب، أجد من الصعب حصر فهم سماته وصفاته ومكنون شخصيته في مفتاح واحد، وإنما في ثلاثة مفاتيح تتكامل معًا فى تناغم.

عبقرية فذة

لعل أول هذه المفاتيح لشخصية د. زويل هو بلا شك «العبقرية الفذة» والذكاء الحاد الذي يتجلى في عظمة ما أنجزه، وما قدمه للبشرية جمعاء من عِلم، سيظهر عظيم أثره للقاصي والداني مع الوقت. فمن المتوقع أن تؤدي اكتشافات زويل -وأهمها الميكروسكوب رباعي الأبعاد، والذي كان من المُرَجح تَرشُّحه به لجائزة نوبل ثانية- إلى استكشاف سلوك وصفات العوالم متناهية الدقة من الأشياء، على مستوى الذرات والجزيئات، ومعرفة كيف لمكوِّنات هذا العالم متناهي الصغر (على مستوى الأنجستروم- جزء من عشرة مليار جزء من المتر) أن تتجاوب وتعمل معًا بسرعة مذهلة (في نطاق الفيمتوثانية؛ وهو جزء من المليون مليار– كوادرليون- جزء من الثانية، أو بأسلوب آخر فإن النسبة بين الثانية والفيمتو ثانية كالنسبة بين الثانية و32 مليون سنة) وبتناغم فائق وبمنتهى الدقة التي ألهمها إياها خالقها عز وجل.

ومما لا شك فيه أنه مع اكتشاف ما يدور في العالم المتناهي، من حيث الحجم والسرعة، ستسقط العديد من النظريات، بل وربما بعض العلوم التي اعتاد العلماء التعامل معها على أنها مسلّمَات وثوابت.

ومن المتوقع أيضًا أن تُستحدث أخرى أكثر دقة لتصف وتفسر ما جرت مشاهدته بالفعل وتصويره بمنتهى الدقه، كفيديو بمساعدة هذا الميكروسكوب الرباعي، والذي تحظى مدينة زويل حاليًّا بالنسخة الأولى منه.

وربما هذا ما جعل العديد من كبار علماء العالم وعددًا من الدوريات والمؤسسات العلمية المرموقة يصرِّحون، وبمنتهى الموضوعية العلمية أنه سيتم التأريخ للعلم بما قبل، وما بعد اكتشافات الدكتور زويل العلمية.

هذا الذكاء الحاد للرجل، بل والعبقرية في أوضح صورها، لم تتجلَّ فقط في تلك الإنجازات العلمية العظيمة التى أشرتُ بإيجاز إلى بعضها، بل وفي نمط حياته وطريقة تعامله وتفكيره ورصانة عرضه لما يجول في خاطره من أفكار ورؤى، بل وفي حكمته في التعامل مع ما يواجه من معضلات وطريقة تناولها وحلها. لقد مَنَّ الله عليه بالجمع بين عبقرية العلم وعبقرية التعاطي مع الحياة بما تحويه من متغيرات.

المثابرة والإصرار

المفتاح الثاني لشخصية الدكتور زويل هو ما كان يتحلى به من صفات الصبر والمثابرة والإصرار، ثم الإصرار على تحقيق أهدافه، وخاصة ما يتعلق منها بالنفع العام. وهذا ما ظهر جليًّا في إصراره على استكمال حلمه ببناء نواة وقاعدة لنهضة علمية وبحثية في بلده الحبيب مصر -كما اعتاد على وصفه- فيما يسمى بمشروع مصر القومي للنهضة العلمية –مدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا- رغم كل الصعوبات والتحديات، بل والتطاول على شخصه، لأكثر من عقد من الزمن.

كان -رحمة الله عليه- يكفيه ما حققه من مجد عالمي يغنيه عن هذا كله، ولكن د. زويل، أحد أبناء جيل عشق ثرى هذا الوطن، حتى وإن قضى بعضهم ما قضى من سنين طويلة خارج حدوده. فلقد اختلطت دماء هؤلاء بماء النيل الطاهر، فعزَّ عليهم ألا يَهَبوا أنفسهم، بل ويفنوا ما بقي من أعمارهم، رغم كل ما يجابهونه، بل ومع المرض العضال كما عانى منه د. زويل، ليقيلوا هذا الوطن العظيم من عثرته، ويعيدوا مجده المستحق.

الوطنية الخالصة

وهذا ما يأخذني إلى المفتاح الثالث لشخصية عالِمنا صاحب نوبل د. زويل، ألا وهو «الوطنية الخالصة» دون أدنى مزايدة أو تملّق، فالرجل بين يدي الله عز وجل، ولا تزال كلماته التي أحسبها خالصة لله عز وجل، ولوطن عَشِقه بكل وجدانه، تتردد في مسامعي، وتتمكن من كل عقلي ووجداني بأن «مصر تستطيع».

وفي النهاية، ما هذا إلا غيض من فيض من ذكرى الدكتور زويل، مما عايشته بنفسي على مدار الأعوام الماضية، وأدعو الله أن يتغمده برحمته الواسعة بحق ما أنار الدرب لكل تلاميذه ومحبيه، وبالأخص من الشباب.

كما أسأل الله أن يجعل ما خلَّف وراءه من عِلم صدقة جارية له تنتفع بها كل البشرية، وننتفع بها نحن تلاميذك وكذلك طلاب مشروعك القومي– مدينة زويل. ومن جانبنا، نجدد العهد بأننا من بعدك على الدرب سائرون، وأنا على يقين وثقة بالله أن حلمك الذي طالما أخبرتنا به، وحرصت عليه سيتحقق فى المستقبل القريب رغم كل التحديات والمعوقات، وهو أن تنجب مصر العشرات بل المئات من «الزويليين» الذين سيأخذونها إلى مكانتها المستحقة بين الأمم، كي نتغنى بالحاضر والماضي معًا، عوضًا عن تغنينا بأمجاد الماضي فقط.