مما لا شك فيه أن رحيل العالم المصري أحمد زويل شكل خسارة كبيرة للعلم، فقد كان رجلًا عظيمًا أثرى المعرفة الإنسانية، وأضاف الكثير إلى العلوم الحديثة والمستقبلية، وترك خلفه إرثًا علميًّا عظيمًا، سيبقيه خالدًا كرائد من رواد العلم الحديث.

وبعد أن تُوجت إسهاماته البحثية بجائزة نوبل في الكيمياء لسنة 1999، ظهر أن إنجازاته وأفكاره العلمية المتجددة جديرة بنوبل ثانية. ومن الواضح أنه ترك بصمة علمية لن ينازعه فيها أحد؛ إذ وضع أول لبنات علم "كيمياء الفيمتو"، وهو العلم الذي يدرس التفاعلات الكيميائية على مستوى وحدات زمنية متناهية في الصغر تعرف باسم "الفمتوثانية".

تشكل الفمتوثانية نسبتها إلى الثانية ما يعادل نسبة الثانية إلى 32 مليون سنة، أو واحدًا من مليون على بليون الثانية، وهو ما يعادل 10−15 أجزاء من الثانية.

وشكلت أبحاث زويل أول خطوة في هذا المجال البحثي الذي أتاح لنا رؤية الجزيئات الكيميائية كما لم نرها من قبل، وهو ما انعكس على فهمنا للمادة وتصرفاتها بطريقة أكثر عمقًا، فتحت آفاقًا جديدة للبحث العلمي، وقد استطاع زويل رصد هذه التفاعلات باستخدام ومضات سريعة من شعاع الليزر.

وجاء اختراعه للميكروسكوب رباعي الأبعاد الذي يجعل من الممكن مشاهدة المادة بجميع أبعادها الثلاثة مع إضافة عنصر الزمن كبعد رابع، تتويجًا لمسيرته البحثية، وهو الابتكار الذي تحدث عنه بكل فخر في كلمته بالمؤتمر الصحفي المنعقد في 16 مارس/ آذار 2015، بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا، حيث أشار إلى أن المدينة ستنفرد بالتصوير الميكروسكوبي رباعي الأبعاد في منطقة الشرق الأوسط، مؤكدًا أنهم، كجهة بحثية، جادون ويعملون على ابتكارات جديدة للدخول إلى السوق العالمية.

الفضول العلمي

عُرف عن زويل أن فضوله العلمي كان بمنزلة المحرك الدائم له في أي نشاط علمي يقوم به. وقد تحدث زويل في مناسبة الاحتفال باليوبيل الذهبي لابتكار أشعة الليزر الذي أقيم في متحف اللوفر في باريس في صيف عام 2010، عن رحلة نوبل وما بعدها، وأخبر الحضور بأن فضوله هو الذي قاده إلى علم الفيمتو، وأن الفضول ذاته هو الذي مكنه من اختراع الميكروسكوب رباعي الأبعاد، مؤكدًا أن الفضول العلمي هو شغف العلماء حقًّا، وهو ما يدفعهم للولوج إلى عوالم خفيّة، وهتك الستر عن ذلك المسمّى بالمجهول.

ووفق رأيه، يُعدّ الفضول المعرفي هو المحرك الرئيس الذي أدّى للتطورات الفكرية وكذلك الابتكارات الثورية. يقول زويل: "تحتاج الأبحاث التي يحركها الفضول مبدئيًّا إلى علماء مبدعين يعملون في بيئة نشطة تشجع عناصرها على التعاون بين الباحثين وتؤلف بين المجالات المختلفة"، ويضيف: ولكن يجب ألا يتم تقييد هذا المناخ بالإدارة الرتيبة والجامدة؛ إذ إن العقول المبدعة لا تعمل جيدًا مع البيروقراطية.

كيمياء الفيمتو

أدى عمل زويل في أواخر عام 1980م إلى ميلاد علم كيمياء الفيمتو عن طريق استخدام كاميرات خاصة فائقة السرعة لملاحظة التفاعلات الكيميائية بسرعة الفيمتو ثانية. واستحق الاكتشاف المذهل جائزة نوبل للكيمياء؛ لأنه مكننا أن نَلحظ لأول مرة بالتصوير البطيء ما يحدث خلال أي تفاعل كيميائي، وبذلك نستطيع أن نشرح العديد من المعادلات والصيغ الكيميائية الصعبة التي لم نفهمها من قبل.

وكما أفادت الأكاديمية الملكية السويدية للعلوم، في مناسبة منحه جائزة نوبل، أن الجائزة أهديت إلى زويل لإنجازاته الرائدة في التفاعلات الكيميائية الأساسية باستخدام ومضات أشعة الليزر القصيرة في وقت حدوث التفاعل، وأن إسهاماته أحدثت ثورة في الكيمياء والعلوم التي تتعلق بها؛ لأن هذا الإنجاز الهائل يمكِّننا من فهم وشرح وتوقع العديد من التفاعلات المهمة التي لم يكن من الممكن قبل ذلك ملاحظتها.

وتسهم معرفة ميكانيكية التفاعلات الكيميائية في التحكم فيها، إذ إن بعض التفاعلات الكيميائية قد يُنتج نواتج غير مرغوب فيها، يتبعها عمليات التنظيف والفصل لاستخراج المادة المطلوبة فقط .

كما يتيح علم كيمياء الفيمتو معرفة أي نوع من التفاعلات الكيميائية يحدث فعلاً، ويعطي إجابة عن عدم مقدرة تفاعلات أخرى على الحدوث. فعلى سبيل المثال، ساعدت تطبيقات كيمياء الفيمتو في الدراسات الحيوية، وتوضيح الآلية الديناميكية الشكلية لبنى الحلقات الجذعية في الحمض النووي الريبي، ولا تزال الأبحاث الجارية لإيجاد التطبيق الأمثل لهذا المجال من العلوم.

ونتيجة لهذه البحوث أصبح علم كيمياء الفيمتو مبشرًا بقدوم علم الطب الجزيئي، وهو علم مستقبلي جديد يحاول العلماء عن طريقه الوصول إلى الجزء المتناهي في الصغر داخل الخلايا الحية، والذي يتسبب في أمراض الجسم الفتاكة مثل السرطان وجلطات القلب والمخ وتصلب الشرايين. كما يحاول العلماء من خلال الاستفادة من تطبيقات الفمتو كيمياء معرفة الجينات الخاصة بكل إنسان، ووظيفة كل منها وصفاته، ومحاولة إصلاح المعطوب منها على المستوى الجزيئي، ورصد شيخوخة الخلية والتعرف على توقيت حدوثها، وتأخير زحفها على باقي الخلايا أو إيقافه.

الميكروسكوب رباعي الأبعاد

توج زويل أبحاثه في مجال كيمياء الفيمتو باختراع ميكروسكوب رباعي الأبعاد، يقوم بالتصوير باستخدام أشعة الليزر في زمن مقداره فمتوثانية، وهكذا أمكنه رؤية الجزيئات في أثناء التفاعلات الكيميائية.

والميكروسكوب رباعي الأبعاد يعتبر اكتشافًا جديدًا، من شأنه تسهيل العديد من الأبحاث والتجارب العملية، حيث يتيح إمكانية مشاهدة الزمن الحقيقي والمساحة الحقيقية للتغيرات داخل الذرة، ويمكن من خلاله تتبع مسار كل إلكترون على حدة وبدقة كاملة في الزمان والمكان.

لقد قاد زويل فريقه العلمي إلى تصوير العديد من الجزيئات الكيميائية وهي تهتز كالطبل لدى نقرها بنبضة ليزرية، وقاموا بتصوير تحوُّل المادة من حالة إلى أخرى، كما قاموا أيضًا بتصوير پروتينات وخلايا منفردة مستقلة.

ووفق مقال زويل المنشور في العدد (يناير/ فبراير من عام 2011) المنشور في مجلة العلوم، الطبعة العربية من مجلة ساينتفك أمريكان، فإن هذه التقنية تمكِّن العلماء من الإجابة عن تساؤلات في ميادين علمية تقع بين علم المواد وعلم الأحياء، وتساعدهم على فهم سلوك المواد من بدايته إلى نهايته.

كما تُظهر هذه التقنية كيفية عمل الآلات على المستوى النانوي، وكيف تنتظم الپروتينات أو الجزيئات البيولوجية في بنى أكبر، وهي عملية جوهرية في سياق عمل جميع الخلايا الحية. وفضلًا عن التقدم الكبير الحاصل في العلوم الأساسية، فإن التطبيقات الممكنة واسعة ومتعدِّدة، ومن ضمنها تصميم آلات نانوية واستنباط أنواع جديدة من الأدوية.

وبفضل المجهر الإلكتروني الذي ابتكره زويل، يمكن للعلماء الآن مراقبة البنية الثابتة للمواد بدرجة دقّة تفوق جزءًا من المليار من المتر.

وأكد زويل أن حلمه كان دومًا أن نتمكن من أن "نرى البنية الهندسية لنظام معقد على المستوى الذري، مع تغيّره بمرور الوقت، سواء كان ذلك للأمور المادية أو البيولوجية".

حاول زويل وفريقه حل غوامض المادة النانوية، ووقع اختيارهم على الجرافين في البداية لأنه مادة غير اعتيادية، وله تطبيقات في المفاعلات النووية وفي مجال الإلكترونيات، واستنادًا إلى القياسات التي أجراها زويل وفريقه تم تحديد درجة مرونة الجرافين، فضلًا عن تحديد قياسات أخرى جديدة توضح طبيعة هذه المادة في أثناء التحول تحت الضغط.

كما أن لهذه التقنية تطبيقات بيولوجية مهمة كذلك، فلكي يتمثل الباحثون آلية عمل الجسم تمثلًا كاملًا، لا بد لهم من معرفة بنى الپروتينات المختلفة وغيرها من التكوينات الخلوية ذات الصلة، إضافة إلى خصائصها الدينامية.

ومن المعروف أن بعض الوظائف البيولوجية تعتمد على مراحل فائقة السرعة؛ فمثلًا تعتمد آلية الرؤية عند الإنسان، وعملية التركيب الضوئي في النباتات، على فوتونات من الضوء تتسبب في إطلاق عمليات تستغرق زمنًا من رتبة الفمتوثانية.

ومع أن كثيرًا من الپروتينات تؤدي وظائفها، أو تقصر عن أداء وظائفها، وفقًا لمقاييس زمنية أطول من الفمتوثوان بكثير، فإن من شأن الحركات الذرّية والجزيئية أن تحدد مآل هذه الجزيئات الماكرويـة المنظورة، مثل إظهار قابليتها للانثناء لتتحول إلى بنية صالحة، أو إلى بنية قد تسبب مرض ألزهايمر مثلا.

 وبناء على ما سبق ذكره، نحن أمام ميكروسكوپ إلكتروني يستعمل في تطبيقات كثيرة تمتد من علم المواد وعلم المعادن، إلى التقانة النانوية وعلم الحياة، إضافة إلى أنه يكشف عن البنى السكونية بتفصيل فريد من نوعه. ووفق زويل: "واقع الأمر أننا، بإدخالنا البُعدَ الرابع في الحساب، نحوِّل الصور الساكنة إلى أفلام نحتاج إليها في رصد سلوك المادة- من الذرات إلى الخلايا - وهي تتكشف لنا مع مرور الزمن".