"يفنى الجسد وتبقى الأعمال لتخلد ذكرى الإنسان". منذ أيام، فقد الوسط البيئي المصري والعالمي واحدًا ممن وهبوا حياتهم لحماية الطبيعة. مات عمرو علي، المدير التنفيذي لمنظمة حماية البيئة في الغردقة "هيبكا"، لتعلن كل محميات البحر الأحمر الحداد. لقد كان هناك تناغم بين الطبيعة وبين عمرو، فأحبها وامتلك مفاتيح أسرارها، وظل يدافع عن كل سمكة أو كائن حي يعيش في بحرها. ومؤخرًا، غادر جثمان عمرو معشوقته الغردقة، حيث كان يقطن بالقرب من شواطئها، ليستقر فى مدافن أسرته بحيّ مصر الجديدة، شرق العاصمة المصرية القاهرة.

وتقول وزير البيئة الأسبق نادية مكرم عبيد لـ«للعِلم» عن عمرو علي: "كان إنسانًا محبًّا للحياة والناس والبيئة والجمال. قدم كل وقته وجهده وحياته للبيئة وحماية الطبيعة، فدافع عنها بكل قوته، وعمل بشكل متواصل للحفاظ على الثروات الطبيعية وترسيخ مفاهيم التنمية المستدامة". وأضافت الوزيرة أن "هيبكا" تزخر بفريق من الشباب الواعد، وضع فيهم عمرو كل الصفات المتفردة للبحث العلمي ومواجهة قضايا البيئة وحماية الطبيعة، وتشدد بقولها: "كُلي ثقة أن شباب هيبكا سيكمل مشوار عمرو علي لدعم وتفعيل خطة التنمية المستدامة 2030 التي تقوم مصر بتنفيذها حاليًّا".

حلم هيبكا

عمرو علي كان دينامو فريق عمل (معظمه من الغطاسين)، أحب البيئة وأخلص لها، وجسد هذا الحب في كيان أطلق عليه اسم "هيبكا"، التي بدأت نشاطها عام 1995 كمنظمة أهلية غير هادفة للربح بمدينة الغردقة بمحافظة البحر الأحمر؛ بهدف حماية البيئة البحرية والبرية والشعاب المرجانية من التعديات.

ففي أوائل التسعينيات، انتشر تدمير الشعاب المرجانية في البحر الأحمر نتيجة لرسو القوارب على نطاق واسع، وأصبح من أول التهديدات البيئية الرئيسية في البلاد. وكان ذلك من أكثر الأشياء التي وهبت لمؤسسي هيبكا ذلك الشعور القوي بالمسؤولية عن حماية أحد أهم المستودعات البحرية من حيث التنوع البيولوجي البحري في العالم. وسرعان ما تبين لمجتمع الغطس في المنطقة، ضمن سلسلة من التهديدات البيئية المتصاعدة، أن عليهم تشكيل جمعية واضحة لتمثيل صناعة الغطس وتحديد أولويات المحافظة على البيئة.

وعلى الرغم من أن نطاق عمل هيبكا يشمل الآن مجموعة كبيرة من المبادرات والمشروعات المحلية والدولية، إلا أنها لم تتحول عن أهدافها الأصلية المنوط بها الحماية والمحافظة على البيئة البرية والبحرية للبحر الأحمر. وُلدت هيبكا من خلال شغف عدد قليل من الأفراد يريدون حماية النظام البيئي الساحر، وقد كبرت وأصبح كل مَن في البحر الأحمر يعرف روادها، ومن بينهم عمرو علي، الذي عرفه كل مَن وصل إلى البحر الأحمر ومر في شوارع الغردقة وذهب إلى البحر.

المهندس صلاح حافظ -رئيس جهاز شؤون البيئة الأسبق- كان شاهدًا على بداية الحُلم، يحكي لـ«للعِلم»: "كانت هيبكا أول مشروع بيئي افتتحناه في الغردقة، وكان جليًّا أن هؤلاء الشباب لديهم فكر واضح ومنظم عن كيفية حماية البيئة، وسيشكلون جماعة ضغط لها تأثيرها على الحكومة التي كنت أمثلها في ذلك الوقت".

ويضيف حافظ: كانت فكرتهم بتنفيذ أول مشروع لتركيب شمندورات Buoy (جسم معدني طافٍ يثبت إلى قاع البحر، يُستخدم كعلامة إرشادية وفي ربط المراكب بديلًا للهلب)، بدأت بـ50 شمندورة، ووصلت لآلاف نفذتها هيبكا في مصر وعدد من دول العالم.

ثبتت هيبكا الشمندورات للحفاظ على الشعاب المرجانية

HEPCA

ففي عام 1992، وفي أثناء اجتماع بين اثني عشر عضوًا يمثلون مجتمع الغطس جرى اقتراح نظام دائم لشمندورات الربط، والتي أثبتت نسبة انخفاض كبير في تلف الشعاب المرجانية والقضاء على الحاجة إلى الرسو على الشعاب المرجانية. لقد أسفر الاجتماع عن خطة لتصميم وتركيب ما يقرب من 100 شمندورة رسو، حيث كانت بداية تكوين هيبكا باعتبارها منظمة غير حكومية مصرية. وما بدأ بمبادرة مجتمع صغير لإقامة شمندورات لحماية الشعاب المرجانية، تطور الآن ليصبح منظمة غير حكومية رائدة ومعترف بها دوليًّا.

نما مشروع الشمندورات المحلي حتى صار أحد أكبر أنظمة العالم، مع أكثر من 1000 شمندورة تم تركيبها وتجرى صيانتها في جميع أنحاء مدينة الغردقة وسفاجا وجنوب البحر الأحمر. كما تم بنجاح تطبيق ذات النظام المعتمد في مناطق ساحلية بالمملكة العربية السعودية، والأردن، بالإضافة إلى طلبات للتركيب من ماليزيا ومالطة والولايات المتحدة الأمريكية.

يا أهلًا بالمعارك!

خاض فريق هيبكا العديد من المعارك تحت قيادة عمرو علي، ويتذكر أحمد الدروبي -أحد أعضاء الفريق ومنسق حملة مصريون ضد الفحم- إحدى أهم المعارك، والخاصة ببيع جزيرة الجفتون لإقامة مشروع سياحي كبير على غرار الجزر اليونانية، والذي كان من شأنه أن يدمر أهم وأجمل مواقع الغطس في العالم! قام عمرو وفريقه بتحريك الرأي العام حتى وصل الأمر إلى عمل إضراب عام فى الغردقة وتوقفت كل الأعمال والمراكب، لوقف بيع الجزيرة. وكانت الحملة الإلكترونية قد جمعت آلاف التوقيعات لإرسالها يوميًّا إلى رئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس الشعب والإعلام كوسيلة للضغط، حتى قرر الرئيس الأسبق حسني مبارك وقف البيع.

وعلى الرغم من أن نشاط هيبكا كان موجهًا للبيئة البحرية أو البيئة في البحر الأحمر إلا أن عمرو علي لم يكن يستطيع السكوت على أي نشاط من شأنه أن يضُر بالبيئة بأي شكل من الأشكال! لذا نجد أن هيبكا ممثلة في عمرو علي شاركت في معركة «مصريون ضد الفحم». وقد بدأت هذه الحملة الشعبية بعد أزمة الطاقة وموافقة الحكومة على استخدام الفحم في مصانع الأسمنت ومحطات توليد الكهرباء. وكان عمرو علي يأتي خصيصًا من الغردقة للمشاركة في ندوات وبرامج تلفزيونية ليعدد مساوئ وخطورة العودة للفحم كمصدر للطاقة، ويروج للطاقات النظيفة والمتجددة كبديل أقل تلويثًا للبيئة.

كما قاد عمرو علي -بما له من كاريزما وقدرة على التواصل مع كل طبقات المجتمع في البحر الأحمر- حملة لمنع صيد أسماك القرش، وبذل جهودًا غير عادية في هذا الصدد، وفق أحمد الدروبي. كان الصيادون يبيعون سمكة القرش بمبلغ 200 دولار، في حين أن العائد السياحي والاقتصادي منها يصل إلى 200 ألف دولار. وكانت معركة هيبكا هذه المرة للحفاظ على القروش من منطلق وطني وأخلاقي، وللحفاظ على التوازن البيئي. قدمت هيبكا ملفًّا كاملًا عن أسماك القرش إلى الهيئة الدولية المعروفة بـ«مشروع القرش»، وحصلت مصر بهذا الملف على جائزة دولية في 2005، كأفضل البلاد التي تحافظ على سمكة القرش وتواجه عمليات صيده وقتله.

جائزة التميز البيئي

نجحت هيبكا وفريقها بقيادة عمرو علي في أن تحصد لمصر جائزة التميز البيئي في إقليم البحر الأحمر وخليج عدن لعام 2012، وذلك لريادتها في مجال الحفاظ على البيئة البحرية، وتميزها في إدارة منظومة رباط المراكب السياحية "الشمندورات"، والتي بدأت عندما كان فى الغردقة 60 مركبًا فقط يقومون بربط المراكب بالهلب فى الشعاب المرجانية -والتي تمثل قيمة بيئية واقتصادية كبيرة- مما يؤدي إلى تدميرها. ومن أجل صون الشعاب، بدأت مجموعة من الغطاسين في إنشاء نظام الشمندورات، وعندما تسلم عمرو علي إدارة الجمعية كان هذا هو النشاط الوحيد الذي تقوم به. وتحت إدارته وصل عدد الشمندورات إلى 1200 شمندورة.

نموذج للإدارة الناجحة للمخلفات

مشروع إدارة المخلفات بالغردقة، نموذج لمشروعات هيبكا الناجحة

HEPCA

آمنت هيبكا بأن النظافة في البر من شأنها أن تحمي البحر، لذا نافست كبرى الشركات حتى حصلت على مناقصة جمع وتدوير القمامة فى البحر الأحمر، وهنا يتذكر أحمد عبد الحليم -المشرف على ملف تدوير القمامة فى محافظات القناة بوزارة البيئة- أنه عندما تقابل مع عمرو علي لاحظ أن أفكار عمرو منظمة ولها أهداف واضحة للاستفادة القصوى من كل المخلفات. ويقول عبد الحليم: "كنت مبهورًا بقدرته على التعامل مع النباشين (الذين يفتشون في القمامة للحصول على ما يمكن تدويره) ومنعهم من فرز القمامة في الشارع، وحرصه على ألا يفقد رعاة الغنم الطعام الذي كانوا يحصلون عليه لأغنامهم من القمامة". وكانت فكرة عمرو تخصيص مكان فى الصحراء يكون بمنزلة مطعم للأغنام، يتم فيه تجميع المخلفات العضوية وتجفيفها؛ حتى لا تتعفن وتنتج عنها روائح كريهة.

تنمية المجتمع المحلي

لم تغفل هيبكا المجتمع المحلي والسكان داخل المحميات الطبيعية وحولها. ويقول د. أحمد غلاب، مدير قطاع محميات البحر الأحمر: "لم يترك عمرو وهيبكا شبرًا واحدًا فى البحر الأحمر دون أن تكون له خطة عمل لتطويره وتنميته فى حدود الإمكانيات المتاحة". ويضيف: قامت هيبكا بأنشطة مجتمعية مثل حفر الآبار (بوادي الجِمال) وتطوير بعض القرى داخل الجبال، وبناء منازل للسكان من قبائل العبابدة والبشارية، وتوفير فرص عمل لأبناء المناطق الصحراوية، والتدريب على الحِرف والمشغولات اليدوية ودعم الثروة الحيوانية. كما حرصت هيبكا على توفير منح دراسية للماجستير والدكتوراة على نفقتها لتطوير البحث العلمي بما يفيد حماية الطبيعة.

الإنسان يموت لكن الأفكار تحيا!

لقد خسر العمل البيئي إنسانًا وهبه عمره وشبابه، إنسانًا أحبه الحجر والبشر والبحر وبكاه الجميع، هكذا يصف أحمد فؤاد -مسؤول هيبكا فى جنوب البحر الأحمر- عمرو علي في حديثه إلى "للعِلم"، ويضيف: إن فريق هيبكا المكون من 800 فرد يأخذون على عاتقهم مسؤولية استكمال مشوار عمرو علي بنفس المبادئ والنظام الذي وضعه بنفسه، معترفين أنهم فقدوا نموذجًا متميزًا كان يستطيع جمع كل أهالي البحر الأحمر على قلب رجل واحد لمواجهة أي خطر بيئي!