مما لا شك فيه أن أهم إنجازين في علم الفيزياء، خلال القرن العشرين، هما اكتشاف نظريتي «النسبية الخاصة والعامة» و«فيزياء الكم»، فقد أصبحت النظريتان فيما بعد بمنزلة العمود الفقري للفيزياء الحديثة. ويشكل الدمج بين النظريتين التحدي الأكبر لعلماء الفيزياء، والذي إن تحقق سيشكل خطوة عملاقة نحو فهم نظرية كل شيء في هذا الكون البديع.

قبل أن نتكلم عن الصعوبات التي واجهت العلماء لإنجاز الدمج بين هاتين النظريتين، دعونا أولًا نتكلم بشكل مختصر عن كل نظرية منهما على حدة.

لنبدأ بالنظرية النسبية، كانت هناك فكرة تسيطر على المجتمع العلمي، هي وجود ما يسمى بالأثير، الوسط الحامل للموجات الكهرومغناطيسية. تلك الفكرة دفعت العلماء إيه ميكلسون وإي مورلي لاختبار وجود الأثير عمليًّا عن طريق اختبار تأثر سرعة الضوء بسرعة الأثير المفترض وجوده، إلا أن نتائج التجربة جاءت سلبية. وقد وضعت تلك النتائج العلماء في حيرة من إيجاد التفسير المناسب لها.

فيما بعد نفى أينشتين فكرة وجود الأثير، وتنبأ بأن سرعة الضوء هي السرعة القصوى، وهي غير متغيرة في هذا الكون، ليبني بذلك النظرية «النسبية الخاصة». ذلك الفرض المتعلق باعتبار سرعة الضوء سرعةً قصوى وضع أينشتين في تحدٍّ أمام نظرية «نيوتن للجاذبية»، والتي تنتقل الجاذبية فيها انتقالًا آنيًّا، فيما يتعارض مع فرضية أينشتين بخصوص سرعة الضوء التي تعتبر أقصى سرعة في الكون.

دفع ذلك أينشتين لوضع افتراض يقول بأن الجاذبية أيضًا تنتشر بسرعة قصوى تساوي سرعة الضوء، لكن أصبح الثمن لهذا الافتراض هو القبول بانحناء الزمان والمكان نتيجة انتشار قوى الجاذبية في الفراغ، وقد أصبح هذا المنطلق الأساسي لصياغة نظرية النسبية العامة.

واعتبر أينشتين أن الزمان والمكان ليسا شيئًا مسطحًا كما يُعتقد، وإنما هما نسيج واحد ينحني بفعل توزيع الكتلة والطاقة بداخله. والأمر أشبه بغشاء مرن من المطاط منبسط في جميع الاتجاهات، لكن بمجرد وضع كرة معدنية ثقيلة الوزن عليه يتقوس تحت تأثير ثقل هذه الكرة، ويكون التقوس أكبر ما يمكن بجوار الكرة، ويقل تدريجيًّا كلما بعدنا عنها، وهو مؤقت؛ إذ يزول بمجرد رفع الكرة.

ويبقى سؤال مهم.. ماذا لو تحركت كرة أخرى أصغر في الحجم والثقل في اتجاه الكرة الكبيرة بحيث تدخل في نطاق التقوس؟ بطبيعة الحال ستسقط فيه، ولكن الأمر يختلف لو أن الكرة الصغيرة تحركت بسرعة كافية تمنعها عن السقوط في التقوس؛ إذ سوف تدور في محيط هذا التقوس دون السقوط فيه. ويطلق على نطاق التقوس مجال الكرة الكبيرة، وهو ما يحدث حال تحرك كواكب مجموعتنا الشمسية في مجال نجم الشمس بسرعة تمنع انجذابها الكامل للشمس لكنها تظل تدور حولها في مدار محدد؛ فالشمس ذات الثقل الكبير تؤدي لتقوس الفضاء (نسيج الزمكان)؛ وهو ما يجعل الكواكب الأصغر في الكتلة التي تتحرك بالقرب منها تنجذب إليها.

وبناء على ما سبق، فإن الأشعة الضوئية تسير في خطوط مستقيمة إذا كان الفضاء خاليًا من المادة، بينما يتعرض مسارها للانحناء والتقوس في حال صادفت جسمًا ذا كتلة كبيرة كالشمس مثلًا. تلك النتائج كانت هي الحد الفاصل بين فهم نيوتن للزمان والمكان وفهم أينشتين لهما.

والآن، نأتي للنظرية الأخرى وهي نظرية الكم، والتي تُعَد ثورة علمية قادها مجموعة من العلماء الشباب أمثال هيزنبيرج وديراك وبوهر وباولي وغيرهم من أفذاذ التاريخ البشري. تتعلق فيزياء الكم بفهم عالم الفيزياء على المسافات الضئيلة الذرية وما دونها.

ويرتكز جوهر فيزياء الكم علي أساس مبدأ فيزيائي شهير يُعرف بمبدأ «عدم التأكد». ولفهم ذلك المبدأ علينا أن نفهم فلسفة الفيزياء أو ما يُعرف بالفيزياء الكلاسيكية قبل ظهور فيزياء الكم.

ومن جانبها، ترتكز فلسفة الفيزياء الكلاسيكية حول دراسة معادلة حركة حتمية للنظام الفيزيائي، تلك المعادلة يمكنها إخبارنا بصورة حتمية عن ماضي النظام الفيزيائي وحاضره ومستقبله. ومثال على ذلك معادلات الحركة لنيوتن، أو معادلات أينشتين لمجال الجاذبية، وغيرها من المعادلات الكلاسيكية.

فعندما وجد العلماء أن هذه المعادلات الكلاسيكية لا تستطيع تفسير فيزياء المسافات الضئيلة تم اقتراح مبادئ فيزياء الكم، التي تستند في الأساس إلى مبدأ عدم التأكد، وهو ما يعني إنشاء ميكانيكا لما نراه نحن من الطبيعة، وليس ما تقوم به الطبيعة بالفعل.

ولذلك تقدم ميكانيكا الكم معادلات من نوع جديد يؤدي راصد النظام الفيزيائي دورًا فيها. ويعني ذلك أن مبدأ الحتمية الذي كان يزين الفيزياء الكلاسيكية تم التخلي عنه بالكامل في الفيزياء الكمية.

هنا تأتي المعضلة، وهي الدمج ما بين النسبية العامة -وهي نظرية في الأساس تستند إلى مبدأ الحتمية الكلاسيكي- ونظرية الكم -التي يكمن جوهرها في مبدأ عدم التأكد وعدم الحتمية. في المقال القادم سنتحدث عن محاولات العلماء للدمج بين النظريتين.