تحدثنا في مقال سابق عن تدهور البحث العلمي في مصر، ووصوله الى حالة أشبه بعمل يُمارَس كهواية وليس كاحتراف. أما في هذا المقال فسوف نتناول التعليم الجامعي، المنوط به تمهيد الطريق للطالب الراغب في الاستمرار كباحث أكاديمي، وإتاحة الفرصة له ليكتشف بنفسه إن كان لديه القدرة على ذلك أم لا.

نستطيع أن ندرك تدهور التعليم الجامعي عندما يتخرج الطالب في جامعته من دون أن يكتسب المهارات التي كان من المفترض أن يكتسبها في أثناء الدراسة. ولأن تلك المهارات تختلف طبيعتها، ليس فقط باختلاف التخصص ولكن أيضًا باختلاف طبيعة الدراسة (عملية أو نظرية)، يصبح من الضروري وضع أُطُر عامة تطبَّق على الدراسة الجامعية بصفة عامة، ثم يأتي بعدها بعض الاختلافات الضرورية المرتبطة بكل تخصص على حدة. 

فما هي تلك الأطر العامة؟ وهل يتم تطبيقها؟ أرى أن هناك أسباب رئيسية أدت إلى تدني مستوى التعليم الجامعي، بالإضافة إلى أسباب أخرى فرعية. 

أول هذه الأسباب وأهمها على الإطلاق رغبة الطالب نفسه، يجب على الطالب أن يبدأ دراسته الجامعية وهو راغب فيها ومدرك أنها ستقوده إلى النجاح بل والتأثير في المجتمع. وحيث إننا جميعًا نعلم أن مجتمعنا يعاني مشكلة اجتماعية كبيرة هي تدخل الآباء السافر في حياة أبنائهم وتحديد ما يجب أو لا يجب عليهم دراسته (من وجهة نظرهم)، فينتفي بذلك أحد أهم دوافع الطالب الجامعي للنجاح ألا وهو دراسة ما يحب. وللحيلولة دون ذلك، ربما يجب أن يقوم متخصصون بوضع اختبارات غير تقليدية لكل كلية تتناسب ونوع الدراسة بها وتهدف إلى إظهار قدرات الطالب ومدى اهتمامه بالمجال الذي يتقدم لدراسته. هذا بالطبع يتطلب تغيير نظام الاختيار الحالي عبر ما يسمى بمكتب التنسيق، والأخير نظام عفا عليه الزمن ولم يتطور ليواكب التغيُّرات الكثيرة التي لحقت نُظُم التعليم في مختلف دول العالم.

 وعلى فرض أن الطالب اختار أن يدرس ما يحب، لا بد أن يكتسب مهارة حقيقية في مجال دراسته حتى نجزم بأن التعليم الجامعي قد أتى ثماره. ربما يتحقق هذا الأمر في مجال دراسة العلوم الإنسانية لأنها تعتمد على الخيال والتفكير، لكن في الكليات العلمية والعملية يصبح تحقق ذلك صعبًا إذا افتُقِد ذلك الحافز على الخيال الذي يُخرِج ما يدرسه الطالب من إطاره الجامد إلى إطار أوسع يستخدم فيه خياله فيستطيع الإبداع. وأزعم أن هذا بالضبط ما تفتقر إليه بشدة الكليات العملية في جامعاتنا المصرية. والتغلب على هذا الأمر ممكن عن طريق إشراك الطلاب منذ عامهم الدراسي الأول في بعض المشروعات البحثية الصغيرة التي يقوم بها أساتذة الجامعات، على أن يكون هذا جزءًا من نظام تقييمهم، إلى جانب إشراك مَن تظهر موهبته وتفوقه في مشروعات أكبر لصقل قدراته وإعطائه قدرًا من الحرية لإثبات صحة أو خطأ أفكاره. كذلك من المهم الخروج بالطلاب من المدرجات والمعامل ليزوروا الأماكن التي تمكنهم من تطبيق ما يدرسونه ومواجهة المشكلات وإيجاد حلول لها، حتى إذا وصلوا إلى عامهم الدراسي الأخير في الجامعة كانوا قد تعرضوا بشكل عملي لما يجب أن يفعلوه إذا ما اختاروا أن يعملوا في مجال البحث، فيستطيع الطالب تحديد إن كان يرغب في الاستمرار في هذا المجال أم لا، وهكذا نستطيع أن ننتج ما نطلق عليه "مشروع باحث"، نعمل عليه لاحقًا حتى يكبر وينجح.

بجانب هذا يصبح من الأهمية بمكان أن تفرض الجامعات على دارس العلوم والطب والهندسة وغيرها من التخصصات التقنية، اختيار إحدى مواد العلوم الإنسانية التي تحفز على النقد والتحليل والخيال، مثل الفلسفة والأدب والتاريخ، أو اللغات القديمة والموسيقى. نحن جميعًا ندرك الفرق الشاسع بين دارسي العلوم الإنسانية والعلوم التقنية في تحليل الأمور ونقدها، وعدم انقيادهم بسهولة لأي فكرة من دون تحليل كافٍ.

إن إدخال أحد تلك العلوم الإنسانية في البرامج الدراسية للكليات العلمية والعملية من المتوقع أن يُحدِث فرقًا كبيرًا في مستوى الدارسين؛ إذ يمكن أن يُحَسِّن قدرتهم على التواصل مع المجتمع برحابة فكر بعيدًا عن النظرة الضيقة السائدة الآن.

الإنجليزية: لغة العلم

ندرك جميعًا أن لغة العلم هي -بلا منازع- الإنجليزية، كما ندرك أيضًا أن اللغة العربية لم تشهد تطورًا منذ عقود لتتواكب مفرداتها مع التطور المستمر في العلوم بأنواعها النظرية والتطبيقية، مما يجعل تدريس العلوم بغير الإنجليزية ضربًا من الخيال.

فلو جرى تدريس العلوم باللغة العربية لن نجد المصطلحات المناسبة، وسيفقد الطالب القدرة على الاطلاع على ما يتم نشره يوميًّا من أبحاث. على الجانب الآخر أثبتت بعض الدراسات أن الطالب لا ينجح في استيعاب المعلومات بقدر كافٍ إذا كانت بلغة مغايرة للغته الأم. تظهر نتيجة تلك الدراسات في بعض الدول الأفريقية التي يتحدث أهلها لغات عدة بينما تتعامل رسميًّا بالإنجليزية أو الفرنسية. فدولة مثل جنوب أفريقيا لديها أكثر من عشر لغات رسمية، وفي دراسة أجرتها جامعة ستالينبوش ثبت أن التعلم أولًا باللغة الأم يُحدِث فرقًا كبيرًا فيما بعد في المستوى الدراسي، وأيدت تلك النتائج جامعة CUNY في نيويورك، بل زادت عليها أن تعلم لغة ثانية يصبح أسهل إذا تم التعلم في الصغر باللغة الأم أولاً.

وحيث إننا في مرحلة يصعب فيها تدريس العلوم بالعربية في الجامعات، أزعم أنه من الممكن إيصال المعلومة باللغة الإنجليزية، ولكن طريقة التدريس في الجامعات المصرية التي تعتمد على "لغة مزدوجة" هي ما يصيب الطالب بضعف عام في التحصيل، حيث يحاضر الأساتذة بلغة عربية محتوية على بعض المصطلحات الإنجليزية. ثم إذا أراد الطالب الاستذكار قرأ بالإنجليزية التي هو مطالَب باستخدامها في أثناء الامتحان. 

تلك الطريقة تصيب الطالب بازدواجية في التفكير والأداء، فلا هو رفع من مستواه اللغوي واستطاع الاطلاع بسهولة على آخر ما نُشر من أبحاث، ولا هو استطاع استخدام اللغة العربية التي يتلقى بها محاضراته في إيجاد إجابات علمية، لأنها ببساطة غير متوفرة بنفس الكم أو المستوى، وحديثي هنا عن الطلاب بشكل عام باستثناء خريجي مدارس اللغات.

ومن هنا يتوجب توحيد لغة التلقي ولغة الاطلاع والاستذكار؛ حتى لا يجد الطالب نفسه في هذا الوضع الغريب. ولن يحدث هذا إلا ببذل جهد مضاعف من قِبَل الأساتذة للتدريس باللغة الإنجليزية وتشجيع الطلاب على الاطلاع على المصادر المختلفة وقراءتها ومناقشتها بالإنجليزية أيضًا، حتى يتم التغلب على حالة الازدواجية تلك. فلنكن واقعيين ونعترف بأنه لا مجال الآن -وربما لوقت طويل قادم- لاستخدام اللغة العربية في دراسة العلوم التقنية.

برامج دراسية عفا عليها الزمن
 نصل الآن للنقطة الأخيرة، وهي نقطة شديدة الأهمية وتحتاج إلى عدة مقالات منفصلة وليس مقالًا واحدًا، ألا وهي: البرامج الدراسية التي لم يجرِ تطويرها منذ سنوات. والأسوأ من ذلك أن تلك البرامج يتم استنساخها كما هي في كل الجامعات، حتى أصبحت الجامعات كلها -سواء الحكومية والخاصة- نسخة واحدة خالية من أي ابتكار أو تجديد. ولا توجد الآن في مصر سوى جامعة واحدة فقط تدرِّس برامج مختلفة تشمل العلوم الحديثة، وهذا طبعًا غير كافٍ. فالعلم قد خرج من لباسه التقليدي القائم على فصل العلوم بعضها عن بعض، وظهرت علوم لها مسميات جديدة مثل علوم البيئة وعلوم النانوتكنولوجي، تلك العلوم الجديدة تتطور كل يوم بسرعة كبيرة، وعدم تصميم برامج تدريسية لها مبكرًا يُفقِدنا القدرة على ملاحقة التقدم السريع الذي يطرأ عليها.

غالبًا ما يحدث هذا بسبب سيطرة جهة واحدة على كل ما يخص الجامعات، مما لا يترك لها أية فرصة لاستقلالية اتخاذ قرارات تستهدف التطوير، حتى حين تتقدم الجامعات لتنال الموافقة على أحد البرامج الجديدة، تجري قولبته في شكل معين، مما يقف حائلًا أمام أي محاولات للابتكار. 

أرى أنه من الضروري استغلال فرصة انتشار الجامعات الخاصة في مصر وإعطاؤها قدرًا من الاستقلالية، مما يمكنها من تقديم برامج دراسية متقدمة ومختلفة عما يُقدم من خلال الجامعات الحكومية.

فلو قدمت كل واحدة من تلك الجامعات برامج مختلفة (ولم تصبح نسخة مكررة من جامعات أخرى) سيصبح كل منها متميزًا في مجال معين، مما من شأنه أن يجتذب الطلاب على اختلاف ميولهم، ويؤثر على مجال الدراسة العلمية الحديثة في مصر، ويرفع بالتالي من مستوى البحث العلمي.

بقيت كلمة أخيرة، بشكل عام في مصر يوجه النقد باستمرار للتعليم الجامعي سواء الحكومي أو الخاص. غالبًا ما يكون النقد حول ضعف الإمكانيات المتاحة، أو حرص بعض أساتذة الجامعات على زيادة دخله المادي على حساب واجباته تجاه طلابه، إذ ينشغل الأطباء والمهندسون والمحامون مثلاً بمكاتبهم الخاصة، بينما يسعى آخرون للعمل في الجامعات الخاصة. كما يشمل النقد الطلاب أنفسهم؛ إذ يوجه إليهم الاتهام بأنهم غير حريصين على مستقبلهم ولا يهتمون إلا بالمظاهر. ربما كانت كل تلك الاتهامات صحيحة جزئيًّا، لكني أراها مشكلات يمكن التغلب عليها إذا بدأنا في علاج الأمور السابق ذكرها. وبالطبع لن يحدث أي تقدم من دون اتخاذ قرارات جريئة والقيام بتغيير شامل للعقول التي تدير المنظومة الحالية.