تجتاح موجة حارة منطقة جنوب آسيا في الوقت الراهن على نحوٍ تحطمت معه الأرقام القياسية لدرجات الحرارة، ما يمثل تهديدًا لمئات الملايين من البشر في ظل درجات حرارة قاتلة تتجاوز بكثير 37 درجة مئوية، ومع ارتفاع درجات الحرارة في شتى أنحاء العالم، يحتاج آلاف الملايين من البشر إلى تكييف الهواء، ظلت هذه التكنولوجيا التي تبلغ من العمر 120 عامًا تُعد ضربًا من الرفاهية لوقت طويل، أمَّا في عصر تغيُّر المناخ، فقد صارت ضرورةً لازمةً لضمان حياة البشر، بطبيعة الحال، أثارت هذه المسألة حالةً من القلق بشأن التهديد المناخي المتوقع حدوثه نتيجةً لازدحام العالم بأجهزة تكييف الهواء، بيد أن الطفرة المرتقبة في مجال تكييف الهواء تتمثل في حدوث تحوُّل جذري على طريق تقليص الفجوة الهائلة القائمة بين الأغنياء والفقراء، سواء على مستوى الأفراد أو البلدان، فيما يتعلق بتوفير إمكانية تبريد الهواء، وأيضًا على طريق خلق عالم أكثر إنصافًا وعدلًا. 

من بين أجهزة تكييف الهواء المستخدمة على مستوى العالم التي يبلغ عددها حاليًّا ملياري وحدة، تتركز الغالبية العظمى من هذه المكيفات بنسبة كبيرة في البلدان الغنية بأمريكا الشمالية وشرق آسيا (فضلًا عن أوروبا، التي تتمتع بدرجات حرارة أكثر اعتدالًا، وتأتي في المرتبة الثالثة بفارق كبير)، أما في المناطق الأكثر حرارة على الصعيد العالمي، فلا تتخطى نسبة امتلاك مكيفات الهواء 12% فقط، في مقابل أكثر من 90% بالولايات المتحدة واليابان، ولكن مع نمو الثروة في يد فئات سكانية جديدة واستمرار درجات الحرارة في الارتفاع، فلا شك أن هذا الاتجاه سيتغير، وأن التغيُّر سيكون جذريًّا.

وفق تقديرات الوكالة الدولية للطاقة (IEA)، من المتوقع أن يشهد العالم بحلول عام 2050 إضافة أربعة مليارات جهاز تكييف أخرى إلى الوحدات الموجودة حاليًّا، وهي زيادة مدفوعة بالأساس بزيادة الطلب في الاقتصادات الناشئة، مثل الهند وإندونيسيا، جديرٌ بالذكر أن مكيفات الهواء من الأجهزة كثيفة الاستخدام للطاقة، لا سيما في حالة استخدام أنواع معدومة الكفاءة، ما يعني أن تلك البلدان ستحتاج إلى كميات إضافية من الكهرباء، في واقع الأمر، قد تصبح مكيفات الهواء مسؤولةً عن نسبة تتراوح بين 20% و44% من الأحمال الكهربائية في وقت الذروة على الشبكة الكهربائية للهند بحلول عام 2050، وإذا اعتمد توفير إمدادات هذه الطاقة على الوقود الأحفوري -كما هو الحال عادةً في المناطق التي تشهد أعلى معدلات النمو، والتي منها الهند وإندونيسيا- فستُصاحب تلك الزيادة تأثيرات جوهرية على انبعاثات غازات الدفيئة حول العالم.

تثير تلك التوقعات شعورًا بالهلع؛ فهل يمكن أن تتحول الحاجة إلى تبريد المباني في نهاية المطاف لتصير أداةً لتأجيج لهيب الكوكب؟ في الواقع، ليس هذا بالسؤال الذي يجدر بنا طرحه؛ فالاستغناء عن مكيفات الهواء لم يعد خيارًا مطروحًا، كما أنه لا ينبغي أن يكون هدفًا في حد ذاته، لذا، فبدلًا من النظر إلى الأمر باعتباره تهديدًا، يتعين علينا أن نراه بوصفه فرصةً لاستكشاف تقنية لتبريد الهواء تكون أكثر مراعاةً للبيئة، إلى جانب التشجيع على استخدام الطاقة المتجددة، في الوقت ذاته، يمكن باستخدام تكييف الهواء تحقيق المساواة على صعيد الأحوال المعيشية بين البلدان المختلفة باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من مكونات العدالة المناخية، فمثلًا، على مستوى المناطق التي تتمتع بمناخٍ معتدل في شمال الولايات المتحدة وشمال أوروبا، يمثل عدم توافُر تبريد الهواء هناك –عادةً- مصدرًا للإزعاج في فصول الصيف، وفي المقابل، تستمر الموجات الحارة في المناطق الاستوائية لفترات طويلة، وتصل درجات الحرارة هناك إلى مستويات عالية وفتاكة بدرجة كبيرة، في العام الماضي، عانى مواطنو مدينة نيامي -عاصمة النيجر التي تقع على أطراف الصحراء الكبرى- من موجة حارة استمرت مدةً تزيد على 147 يومًا ارتفعت فيها درجات الحرارة إلى ما يزيد بقليل عن  37 درجة مئوية)، وفي مدينة البصرة العراقية، بلغ عدد أيام الموجة الحارة نفسها 168 يومًا، في حين استمرت تلك الموجة في مدينة مومباي الهندية لمدة 62 يومًا.

يستخدم الباحثون مقياس "درجة الحرارة الرطبة" لكي يتمكنوا من فهم تأثير هذه الموجات الحارة على البشر من الناحية الفسيولوجية، وهو مقياس يجمع بين درجتي الحرارة والرطوبة لتفسير الكيفية التي يواجه بها الجسم البشري درجات الحرارة الشديدة؛ فمثلًا عندما يصل المؤشر الخاص بمقياس درجة الحرارة الرطبة إلى نحو 32 درجة مئوية، يصبح العمل غير آمن في ظل تلك الظروف، وإذا ارتفعت درجة الحرارة بصورة أكبر لتتجاوز 35 درجة مئوية، لا يعود بمقدور الجسم تبريد نفسه بنفسه، ما يؤدّي إلى الإصابة بالمرض، والتعرُّض للوفاة أيضًا، أما إذا ارتفعت درجات الحرارة على المستوى العالمي بمقدار درجتين مئويتين ، كما تشير بعض التوقعات، فمن الوارد أن تشهد منطقة جنوب آسيا زيادةً بمقدار الضِّعف أو أكثر فيما يخص ظروف العمل غير الآمنة ودرجات الحرارة التي تهدد الأرواح مقارنةً بالأوضاع الراهنة، من ناحية أخرى، فإن الحد من ارتفاع درجات الحرارة بحيث لا يزيد عن 1.5 درجة مئوية  من شأنه خفض المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها تلك المنطقة بمقدار النصف، بيد أن ملايين البشر ممن يقطنون هذه المنطقة سيظلون عرضةً للإجهاد الناجم عن موجات الحر الشديد، جدير بالذكر أن هذه الإشكالية ليست مجرد مسألة افتراضية للطرح المستقبلي؛ فدرجات الحرارة التي سُجِّلت في السنوات التسع الماضية دخلت جميعها ضمن المراكز العشرة الأولى تاريخيًّا من حيث ارتفاع درجات الحرارة على مستوى العالم، كذلك هبَّت الموجات الحارة هذا العام على منطقة جنوب آسيا في وقت مبكر أكثر من أي وقت مضى، لتُسجِّل رقمًا قياسيًّا جديدًا لشهر مارس، كما تسببت الموجات الحارة التي ضربت الهند في وفاة ما لا يقل عن 6500 شخص منذ عام 2010، وفي عام 2015 بمفرده، لقي حوالي 3500 شخص في الهند وباكستان حتفهم إثر موجة حارة صُنِّفت بأنها تأتي في المرتبة الخامسة من بين موجات الحر الأكثر فتكًا التي سُجِّلت على مرّ التاريخ. 

وبينما يرتفع معدل الوفيات ارتفاعًا صاروخيًّا خلال موجات الحر، تحدث أيضًا تأثيرات مدمرة أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار، تبيَّن على سبيل المثال أن درجات الحرارة المرتفعة تعرقل الإنتاجية، ما يؤدي إلى خسائر اقتصادية ملحوظة في منطقتي جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، وكذلك في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، إضافةً إلى أمريكا الوسطى، وفي عام 2020 أسفرت موجات الحر الشديد عن إهدار ما يُقدَّر بنحو 295 مليار ساعة عمل مُحتملة على مستوى العالم، وكانت الآثار الأشد وطأةً من نصيب القطاع الزراعي في البلدان الفقيرة، ولا شك أن الخسائر المالية الناجمة عن ذلك ربما تكون لها آثارٌ كارثيةٌ على الدَّخل بالنسبة للعمال.

كيف يمكن للعالم تفادي هذه الكارثة؟ لا بد أولًا من تقبُّل الحقيقة القائلة بأن توفير التبريد بدرجة كافية قد صار احتياجًا إنسانيًّا مُلِحًّا في ظل مناخٍ آخذٍ في الاحترار، كذلك فإن حالة الاضطراب والخلل الناجمة عن الحر الشديد ستواصل التصاعد، وسيكون من الضروري الوصول إلى تقنية تبريد منصفة بإمكانها أن تضمن البقاء والرخاء الاقتصادي لمليارات البشر ممن يقطنون المناطق الاستوائية، من الأمور الجديرة بالذكر أن لي كوان يو -مؤسس سنغافورة ورئيس حكومتها لسنوات طويلة- كان يعتبر تكييف الهواء بمنزلة الاكتشاف الأكثر أهميةً في مسيرة التطور التي مرت بها بلاده.

كذلك على الشركات المُصنِّعة والحكومات التوجه نحو تطوير تقنيات لتكييف الهواء تكون ميسورة التكلفة ومضمونة الكفاءة باستخدام وسائط التبريد التي لا يكون لها تأثيرٌ بالغٌ على المناخ، تفيد التقارير الواردة من الوكالة الدولية للطاقة أن كفاءة مكيفات الهواء المستخدمة في الوقت الحالي تزيد في المتوسط عن كفاءة تلك التي كانت متداولة في عام 2010 بنسبة لا تتجاوز 10% فقط، بيد أن اتباع سياسات وتقنيات فعالة من شأنه أن يضمن مضاعفة كفاءة مكيفات الهواء وتقليص الطلب على الطاقة اللازمة للتبريد بمقدار 45% بحلول عام 2050، لكن ثمة أمورًا ينبغي فعلها من أجل تعزيز تلك الكفاءة، منها حظر الممارسة الراهنة التي تنطوي على التخلص من مكيفات الهواء الأقدم طرازًا –ومن ثم فهي أقل كفاءةً وأكثر إضرارًا بالبيئة– وإرسالها إلى البلدان الفقيرة، وبالإضافة إلى وضع معايير للكفاءة، يتعين على الحكومات (يدًا بيد مع المنظمات الخيرية والشركات المُصنِّعة) الاستثمار في خفض تكلفة الطرازات الأعلى جودةً من مكيفات الهواء، كما أن التحول إلى استخدام مواد تبريد بديلة من شأنه الحد من الانبعاثات الناجمة عن التبريد بدرجة هائلة خلال العقود المقبلة.

يمكننا أن نقول إنه قد حان الوقت لبناء أنظمة طاقة تكون أقل تلويثًا للبيئة وأكثر تحقيقًا للمساواة، على سبيل المثال، نلاحظ أن الطلب على التبريد آخذٌ في التحول نحو المناطق الاستوائية التي تُعد بيئةً مثاليةً لتوليد الطاقة الشمسية، كما أن درجات الحرارة خلال ساعات النهار ترتبط ارتباطًا وثيقًا بساعات الذروة الشمسية، يعني ذلك أن مكيفات الهواء يمكن أن تكون بمنزلة محرك قوي للطلب على الطاقة في الأوقات نفسها التي يصل فيها توليد الطاقة الشمسية إلى ذروة مستوياته، نتيجةً لذلك، سيتسنى بالفعل استخدام المزيد من الطاقة الشمسية خلال ساعات الذروة، ما يزيد من الجدوى المالية لقطاع الطاقة المتجددة في جميع أنحاء العالم، كذلك لا بد من أن تكون عملية نشر مكيفات الهواء مصحوبةً بجهود تكميلية أوسع نطاقًا ترمي إلى تقليل الطلب الإجمالي على الطاقة اللازمة للتبريد، ما يعني تعزيز الكفاءة واستكشاف تقنيات تبريد غير كهربائية حيثما أمكن.

خلاصة القول أن التبريد لا ينبغي أن يستنفد ميزانية الكربون على المستوى العالمي، في حقيقة الأمر، إذا استُخدم التبريد على النحو السليم، فإنه من الممكن أن يصبح دافعًا محركًا نحو تحقيق المساواة، والنمو الاقتصادي، والانتقال نحو استخدام الطاقة النظيفة.