"ضع الثلج على موضع الألم"، تلك نصيحةٌ بدهية قديمة قِدَم الدهر، تُساعد في تخفيف الألم سريعًا، ورغم ما يمتاز به الثلج من فاعليةٍ باعتباره علاجًا منخفض التقنية، ثمة قيودٌ على استخدامه يفرضها كلٌّ من كتلته وعدم دقته، لكن هذا الحل المُبتكَر الذي يبدو بسيطًا بدأ يُثبت جدواه بوصفه بديلًا محتملًا يُغني عن استخدام العقاقير الأفيونية وغيرها من المواد المُسكِّنة للألم، ويأتي ذلك البديل في صورة أداةٍ قابلةٍ للزرع، وهي مادةٌ ثلجية فائقة الصغر تُوضع مباشرة على عَصَبٍ منفرد، وقد أحدثت هذه الأداة تأثيراتٍ مُخفِّفةً للألم عند زرعها في فئران التجارب، مما يُوحي بإمكانية الاستعانة بها لعلاج المرضى من آلام ما بعد الجراحة أو بعض الأنواع الأخرى من الآلام الموضعية.

تقول ثين جريفيث، اختصاصية علم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا في دافيس، والتي لم تُشارك في هذا الجهد البحثي: "نعلم أن التبريد يمتاز بقدرةٍ كبيرةٍ على الشفاء، فلقد استُخدِمَ مدةَ قرون في علاج الألم".

وتجدُر الإشارة هنا إلى أن فكرة استخدام أداة تبريدٍ قابلةٍ للزرع لعلاج الألم ليست بجديدةٍ، لكن الأدوات المتوافرة حاليًّا كبيرة الحجم، وتفتقر إلى الدقة، وقد تُسبِّب تلفًا للأنسجة، كما يتطلب الأمر إزالتها جراحيًّا، أما الأداةُ الجديدة التي صمَّمها باحثون في جامعة نورث ويسترن وزملاؤهم فهي مصنوعةٌ من مادة مرنة مطاطة أشبه بالعصب تُسمى «بولي(سيترات الأوكتانيديول)» poly(octanediol citrate) أو المعروفة اختصارًا باسم POC، بعد أسابيع قليلة من الزرع، تذوب المادة القابلة للذوبان ببساطة ويمتصها الجسم، تقول جريفيث: "التبريد الموضعي مُسكِّن فعَّال للألم، ومن حيث المفهوم، هذا يُثبِت أنه يمكن الاستفادة من هذه المعلومة القديمة بطريقةٍ مُبتَكَرةٍ تمامًا"، يُشار إلى أن هذه الدراسة التي شارك في الإشراف عليها جون روجرز من جامعة نورث ويسترن قد نُشرت في دورية «ساينس» Science في الثلاثين من يونيو.

يجمع هذا النظام بين علم الموائع الدقيقة -المعنيِّ بتصميم وإنشاء أنابيب دقيقة ثعبانية الشكل يتدفق خلالها سائل- واستخدام سطحٍ بيني إلكتروني يقيس درجة الحرارة ويتحكم فيها، ومن ثم يتحكم في نشاط العصب عن بُعد، وهو ما قد يتيح للمريض ضبط الإعدادات يومًا ما، يتولد التبريدُ من مادة كيميائيّة داخل الأنابيب يُطلق عليها «بيرفلوروبنتان» perfluoropentane (المعروفة اختصارًا باسم PFP)، تلك المادة مُصَرَّح باستخدامها بالفعل في مجال الطب الحيوي كعامل تبايُن في التصوير بالموجات فوق الصوتية، ويحتوي قسمٌ آخر من الأداة على النيتروجين الجاف، ويتولد التبريد المطلوب عند التقاء هاتين المادتين، لا يتجاوز طول الأداة بضعة ملليمترات، وهي تُحيط إحاطةَ السوار بالمعصم بقطاعٍ صغير جدًّا من عصبٍ منفردٍ، من أجل تبريده تبريدًا مباشرًا، وقد لا يُحتاج إلى إجراء جراحةٍ ثانية لإزالة الأداة، إذ تذوب لاحقًا ويمتصها الجسم.

زرع الباحثون الأداة حول العصب الوركي في جرذان التجارب، بهدف اختبار قدرتها على تسكين الألم، ولاحظوا انخفاض درجة حرارة الأداة سريعًا إلى خمس درجات سيليزية، مما عاق الإشارات القادمة من العصب بكفاءة، واستؤنفت من جديدٍ بعد إعادة التدفئة، وفي الخطوة التالية، اختبر الباحثون الأداة على جرذان تعاني من إصابة العصب المُسْتَبْقى (المعروفة اختصارًا باسم SNI)، وهي نموذجٌ حيواني لألمٍ مزمن يؤدي إلى تلف العصب دون إماتته، بعد مرور ثلاثة أسابيع على جراحة إصابة العصب المُسْتَبْقى، أظهر اثنان من جرذان المجموعة الضابطة حساسيةً أعلى للوخز في المخلب، في حين "تعافى" العصب التالف في ثلاثة جرذان زُرِعت بها أسورة التبريد في أثناء جراحة إصابة العصب المُسْتَبْقى، وذلك بعد تبريد العصب إلى 10 درجات سيليزية، وقد زاد ذلك من عتبة الحساسية للألم لدى الجرذان بمقدار سبعة أضعاف، مما عاد بها إلى مستويات ما قبل الجراحة.

يقول ألان باسباوم، الباحث في علم الألم بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، والذي لم يُشارك أيضًا في الدراسة المذكورة: "هذه طريقةٌ رائعةٌ ومثيرةٌ للاهتمام، لكن لا يزال يُطرَح الكثير من الأسئلة عن جدواها على المستوى الإكلينيكي".

يُشير الباحثون إلى أن الاختبارات التي أُجريَت على القوارض تتطلب مزيدًا من الدراسة، فالحزمةُ العصبية التي عُولجت في القوارض تشتمل على خلايا عصبية لا تنقل إحساس الألم فحسب، بل تنقل إحساساتٍ أخرى أيضًا، كما تحمل الإشارات التي تنقلها الأعصاب الحركية والسمبثاوية، فإذا تعطَّل نشاط جميع تلك الأعصاب، فإن هذا قد يُسبِّب آثارًا سلبيةً مثل الخَدَر -الذي يصفه المرضى بأنه شعور مزعج جدًّا- أو الضعف الحركي، يقول باسباوم: "يترتب على تبريدك العصب كاملًا الكثيرُ من الآثار".

وفي إشارةٍ منه إلى نوع الألم الذي يُسبِّبه تلف الأعصاب، يضيف باسباوم قائلًا: "الجيدُ في الأمر أن السبب وراء معظم الآلام العصبية، إن لم يكن جميعها، هو النشاط غير الطبيعي للأعصاب، والعقاقير الموضعية التخديرية فعَّالةٌ جدًّا، ولذا يمكننا نظريًّا أن نقول إن تبريد العصب إلى حد تعطيل مهمة التوصيل العصبي كاملةً يُكافئ ما يُحدِثه التخدير الموضعي فعليًّا".

من جانبها تقول جريفيث: "السؤال الأهم من وجهة نظري هو: "ما الذي يشعر به هذا الجرذ بالضبط؟"، هل يشعر بألمٍ أقل أم بالخَدَر؟ الإجابة عن هذا السؤال من شأنها أن تؤثر في الكيفية التي يمكن بها استخدام هذه الأداة مع البشر"، لا تزال هناك حاجةٌ إلى إجراء المزيد من الاختبارات السلوكية الدقيقة والمعقَّدة على القوارض من أجل التوصل إلى إجاباتٍ عن مثل هذه التساؤلات، تضيف جريفيث: "الألمُ في البشر يتسم بالتعقيد؛ فهو ليس مجرد إصدار إشارات عصبية مبدئية، فثمة معالجةٌ يضطلع بها الجهاز العصبي المركزي، معالجةٌ عاطفية، ولعله سيكون من الجيد أن نشهد اختباراتٍ تصل إلى المستوى الأعلى من الإدراك الحسي للألم".

إن المبدأ العقلي الذي يستند إليه تصميم الأداة المشار إليها يكمن في "خاصية مثيرة" نلحظها في أعصاب الثدييات، وهي حقيقةُ أن مستويات نشاط تلك الأعصاب تعتمد على درجات الحرارة، وفق قول ماثيو ماك إيوان، الباحث بجامعة واشنطن في مدينة سانت لويس، وأحد الباحثين المشاركين في الدراسة الجديدة؛ فحينما تتعرض الأعصاب لمستوى تبريدٍ كافٍ، فإنها تتوقف عن إرسال الإشارات، وهذا هو بالضبط ما كان يبحث عنه روجرز وماك إيوان وزملاؤهما، يقول ماك إيوان: "كان هدفنا التوصُّل إلى طريقةٍ لاستخدام التبريد الطفيف للأعصاب كوسيلةٍ لإيقاف المثيرات المؤلمة وتعطيلها".

ويُشير باحثو الدراسة إلى أنه ربما يصير ممكنًا زرع هذه الأداة في البشر في أثناء خضوعهم لجراحةٍ تهدف بالفعل إلى علاج عصب محدَّد، مثل جراحة البتر، التي ينجم عنها في أغلب الأحيان حالةٌ مرضيةٌ مُبرِحة الألم يُطلق عليها ألم الطرف الشبحي، لكن ماك إيوان يتوقع أيضًا إمكانية الاستفادة من هذه الأداة في جراحاتٍ أكثر شيوعًا، مثل جراحات استبدال مفصل الركبة.

لكن لا تزال هناك حاجة إلى دراسة الأمور المتعلقة بالسلامة؛ فاستخدام الحرارة المنخفضة قد يُسبِّب تلفًا للأعصاب بمرور الوقت، يقول ماك إيوان: "لم نرصد أي تأثيراتٍ ضارة للأداة على الألياف العصبية، إلا أننا نريد سبر أغوار هذه الجزئية أكثر، بعبارةٍ أخرى، نريد إطالة مدة التبريد والتأكد من سلامة العملية وإمكانية عَكْسِها".

وتضيف جريفيث: "نحن بحاجةٍ إلى معرفة مستوى التبريد الذي يمكن استخدامه دون إتلاف العصب، لستُ متأكدة تمامًا، لكن أظن أن خمس درجات سيليزية مستوى شديد البرودة".

يصف باسباوم هذه التقنية بأنها واعدة، لكنه يستدرك قائلًا: إنها تحتاج إلى المزيد من التطوير لدراسة آثارها الجانبية المحتملة، ولمعرفة إمكانية الاستفادة منها في أوجهٍ أخرى، ويستطرد باسباوم حول هذه التقنية فيقول: "لم نصل بعد إلى حد استخدامها بديلًا للمورفين".