أفاد بعض علماء الفلك بأنَّهم وجدوا جسمًا ثانيًا يُحتَمَل أن يكون قمرًا خارج مجموعتنا الشمسية، يدور حول عالَمٍ يبعُد عن الأرض حوالي 6 آلاف سنة ضوئية، هذا القمر، الذي يُسمَّى "كيبلر-1708 بي- آي"، يبدو جسمًا يهيمن عليه الغاز، وهو أصغر بقليل من كوكب نبتون، ويدور حول كوكبٍ بحجم المشتري، في محيط نجمٍ شبيه بالشمس، وهذه التشكيلة التي يتخذها القمر والكوكب تُعَد تشكيلةً استثنائية، لكنَّها رُصِدَت من قبل، وقد نُشِرت نتائج الجهود التي رصدت هذا القمر في دورية "نيتشر أسترونومي" Nature Astonomy. وصحيحٌ أنَّ تأكيد هذه النتائج أو دحضها قد لا يكون ممكنًا في الوقت الحالي، لكن في ظل الوفرة المتوقَّعة للأقمار في مجرتنا وخارجها، فإنَّ هذه النتائج يُمكن أن تعني أنَّنا قد اقتربنا أكثر من شهود بداية الجهود الأولية لعصرٍ جديدٍ مثيرٍ من الدراسات الفلكية خارج المجموعة الشمسية، وهي دراسات لن تُركِّز على الكواكب الأخرى، بل على الأجرام السماوية الطبيعية التي تدور حولها، وإمكانيات الحياة فيها.

في مجموعتنا الشمسية أكثر من 200 قمر، وبين هذه الأقمار مجموعةٌ مبهرة من الاختلافات، فقمر تيتان، الذي يدور حول كوكب زحل، له غلافٌ جوي كثيف، وبحارٌ هيدروكربونية شديدة البرودة على سطحه، أي أنَّه ربما يشبه كوكب الأرض في بداياته، أمَّا الأقمار الجليدية، مثل قمر يوروبا الذي يدور حول المشتري، فهي كرات متجمدة تُخفي داخلها محيطاتٍ جوفية، وربما تكون موائلَ ممتازةً لنشوء الحياة، وهناك أقمارٌ أخرى، مثل قمرنا، ما زالت تبدو أراضيَ بورًا قاحلة، لكنَّها ربما تحوي جليدًا مائيًّا في فوهاتها المظلمة وشبكات الأنفاق الممتدة في أجوافها كالمتاهات، غير أنَّ هذه العوالم تتشارك سمةً مهمةً فيما بينها، ألا وهي مجرد وجودها؛ فستةٌ من الكواكب الثمانية الرئيسية في مجموعتنا الشمسية لها أقمار، ومن المنطقي أن يكون الحال هو نفسه في المناطق الأخرى من الفضاء، وفي هذا الصدد تقول جيسي كريستيانسن من معهد كاليفورنيا للتكنولوجيا: "الأقمار منتشرة؛ ففي مجموعتنا الشمسية، كل جسمٍ تقريبًا له قمر، وأنا واثقةٌ بدرجةٍ كبيرة للغاية من أنَّ الأقمار موجودة في كل مكانٍ في المجرة".

المشكلة الوحيدة هي العثور عليها؛ فيمكننا أن نبحث عن الكواكب الواقعة خارج المجموعة الشمسية بعدة طرق، كرصد انخفاض سطوع الضوء الصادر عنها في أثناء تحرُّكها أمام نجمها (الحدث الذي يُعرف باسم العبور الفلكي)، أو الاستدلال على وجودها من خلال رصد قوة شد الجاذبية التي تؤثر بها على نجمها المضيف، لكنَّ العثور على الأقمار الخارجية -التي هي بالتأكيد أصغر بطبيعتها من الكواكب التي تدور حولها- هو عمليةٌ أصعب بكثير، وتقول كريستيانسن عن ذلك: "هذه الأقمار بالغة الصغر ببساطة"، وحتى الآن، لم يُعثَر إلَّا على جسمٍ واحد يُحتَمَل بالفعل أن يكون قمرًا خارجيًّا، وهو "كيبلر-1625 بي- آي" Kepler-1625 b-i، الذي أفاد العلماء برصده في أكتوبر عام 2018، ويعتقدون أنَّه عالمٌ بحجم كوكب نبتون، يدور حول كوكبٍ خارجي بحجم المشتري، على بُعد حوالي 8 آلاف سنة ضوئية عن الأرض، لكن حتى وجود هذا العالَم الأضخم صار موضع شك بعد التحليلات التي جرت لاحقًا.

لمَّح العلماء إلى وجود قمر "كيبلر-1708 بي- آي" لأول مرة في عام 2018، خلال دراسةٍ لبعض البيانات الأرشيفية، كان يُجريها ديفيد كيبنج، الأستاذ بجامعة كولومبيا وأحد مكتشفي قمر "كيبلر-1625 بي- آي"، بالتعاون مع زملائه؛ إذ حلَّل الفريق بيانات تلسكوب كيبلر الفضائي لأحداث العبور الفلكي الخاصة بسبعين من العمالقة الباردة، تلك الكواكب العملاقة الغازية مثل المشتري وزحل، التي تدور بعيدًا نسبيًّا عن نجومها، وتبلغ مدة السنة عليها أكثر من 400 يوم من أيام كوكب الأرض، وبَحَث الفريق خلال تحليلاته عن علاماتٍ قد تدل على عبور أقمار ٍ خارجية تدور حول هذه العوالِم، من خلال ملاحظة ما إن كان سطوع الضوء الصادر عنها قد انخفض أكثر بفعل أي أقمار مُرافِقة تلقي بظلالها عليها، ثم قضى الباحثون السنوات القليلة التالية وهُم يفنِّدون اكتشافاتهم العزيزة بأيديهم؛ إذ راحوا يتفحصون الأجسام التي يُحتمل أن تكون أقمارًا خارجيةً واحدًا تلو الآخر، ويستنتجون أنَّ كلًّا منها له تفسيراتٌ أفضل تستند إلى  ظواهر أخرى، ما عدا قمرٍ واحدٍ فقط، وهو "كيبلر-1708 بي- آي"، ويقول كيبنج عن ذلك: "إنَّه قمرٌ مُحتَمل لا نستطيع استبعاده، حاولنا على مرِّ أربع سنوات إثبات أنَّه اكتشافٌ زائف، لكنَّه اجتاز كل اختبارٍ يُمكننا تخيُّله".

فما رصده الباحثون من انخفاضٍ إضافي في سطوع الضوء الصادر عن أحد هذه العوالم -والذي كان مقداره أصغر من الانخفاض الناتج عن عبور هذا العالم أمام نجمه، وبدا مرتبطًا باحتمالية وجود مثل هذه الأقمار الخارجية- أشار إلى وجود قمرٍ حجمه يساوي حجم كوكب الأرض حوالي 2.6 مرة، وصحيحٌ أنَّ طبيعة طريقة العبور الفلكي تعني أنَّ ما يُمكن استنتاجه مباشرةً منها هو نصف قطر العوالم فقط، وليس كتلتها، إلَّا أنَّ حجم هذا الجسم يشير إلى أنَّه عملاقٌ غازي من نوعٍ ما، ويقول كيبنج عنه: "من المرجح أنَّه ينتمي إلى فئة الأجسام الأصغر من نبتون"، مشيرًا بذلك إلى نوعيةٍ من العوالم لا توجد في مجموعتنا الشمسية، لكنَّها موجودة بكثرة حول نجومٍ أخرى، والكوكب الذي يدور حوله هذا القمر المُفتَرض الأصغر من نبتون -والذي يُسمَّى "كيبلر-1708 بي"، ويبلغ حجمه حجم المشتري- يُكمل دورةً حول نجمه كل 737 يومًا، ويبعُد عنه مسافةً تساوي المسافة بين الأرض والشمس 1.6 مرة، وبافتراض أنَّ هذا الجسم قمرٌ حقًّا، فهو يدور حول الكوكب مرةً كل 4.6 أيام من أيام كوكب الأرض، على مسافةٍ تزيد على 740 ألف كيلومتر، أي حوالي ضِعف المسافة بين قمرنا وكوكب الأرض، وتقول كريستيانسن إنَّ حقيقة أنَّ هذا هو القمر المُحتمل الوحيد الذي استُنتج وجوده من تحليل بيانات 70 عملاقًا باردًا ربما تشير إلى أنَّ الأقمار الغازية الكبيرة "ليست منتشرةً بكثرة" في الكون.

وحجم هذا القمر الخارجي الذي يبدو كبيرًا، يُعد "مفاجئًا" بالنسبة لكيبنج حين يُقارَن بكوكبه المضيف، لكنَّه ليس خارج نطاق التوقعات تمامًا؛ فكوكب "كيبلر-1625 بي"، الذي يُزعَم أنَّ القمر الخارجي المُحتَمل السابق "كيبلر-1625 بي- آي" يدور حوله، يبدو أنَّ لديه تكوينًا مشابهًا، وإن كان أكبر قليلًا، وإذا كان هذان القمران موجودَين حقًّا، فهذا قد يخبرنا بشيءٍ مشوقٍ جدًّا عن التشكيلات المحتملة التي تتخذها الكواكب والأقمار في المجرة، ألا وهو أنَّ العوالم الضخمة يُمكن أن تستضيف أقمارًا تساويها في ضخامتها، وهذا في حد ذاته يثير تساؤلاتٍ حول نشأة مثل هذه العوالم؛ فمن المستبعد أن تتكوَّن الأقمار الضخمة مثل هذه مباشرةً في المدارات حول الكواكب، لأنَّ الكواكب على الأرجح ستجرِف أي مادةٍ من الممكن أن تُنشئ جِرمًا سماويًّا يدور حولها ، ما يشير إلى أنَّ نشأة هذه الأقمار لها قصةٌ أخرى في الأغلب.

وتقول كريستيانسن عن ذلك: "أحد السيناريوهات المحتملة أنَّ الكوكب استحوذ على هذا القمر في أثناء تكوُّن النظام الكوكبي، فالأنظمة الكوكبية في بداياتها تكون مواقع فيها قدرٌ كبيرٌ من الفوضوية والاضطرابات العنيفة، وهذا الاستحواذ نلاحظ له أمثلةً في مجموعتنا الشمسية: منها مثلًا قمر تريتون، أحد أقمار كوكب نبتون، إذ نعتقد أنَّ الكوكب قد استحوذ عليه، لذا نعلم أنَّ هذا يمكن أن يحدث، كل ما في الأمر أنَّنا لم نتصور أنَّ كوكبًا بحجم المشتري يمكنه أن يستحوذ على قمرٍ بحجم كوكب نبتون".

ومع ذلك، فالبعض ليس مقتنعًا باحتمالية وجود هذا القمر؛ إذ يقول رينيه هيلر، من معهد ماكس بلانك لأبحاث المجموعة الشمسية في مدينة جوتنجن بألمانيا، إنَّه ليس "مقتنعًا" بأنَّ إشارة العبور الفلكي التي لاحظها الفريق ناجمةٌ عن وجود قمر، وطرح تفسيرًا بديلًا مفاده أنَّ الانخفاض في سطوع الضوء يمكن أن يكون ناتجًا ببساطة عن تقلباتٍ طبيعية على النجم -مثل البقع الشمسية التي نلاحظها على شمسنا- كانت تنتقل عبر سطحه في وقت العبور الفلكي للكوكب نفسه، غير أنَّ كيبنج وفريقه ذكروا أنَّهم استبعدوا مثل هذا الاحتمال، لأن الانخفاض الذي يفترضون أنَّه ناتجٌ عن القمر بدأ قبل أن يشرع الكوكب في المرور أمام النجم.

هذا، وتقول لورا كريدبرج، من معهد ماكس بلانك لعلم الفلك في مدينة هايدلبرج بألمانيا، إنَّها "لن تجزم بعد بصحة هذا الاكتشاف"، لكنَّ النتيجة في رأيها "بكل تأكيد تستحق المتابعة"، لمحاولة رصد عبورٍ فلكي آخر لهذا القمر المزعوم، غير أنَّنا لن نستطيع تحقيق ذلك في الوقت الحالي؛ إذ يقول كيبنج إنَّه بسبب طول مدار الكوكب، فلا هو ولا القمر المُحتَمَل سيعبران أمام النجم مجددًا حتى عام 2023، ما يعني أنَّنا سنضطر إلى الانتظار حتى ذلك الحين لمحاولة رصد القمر مرةً أخرى، وإذا كان موجودًا بالفعل، فإنَّ تلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST)، الذي أُطلِقَ مؤخرًا، سيستطيع تأكيد وجوده أو دحضه على الفور تقريبًا، ويُعلق كيبنج على ذلك قائلًا: "ستكون مهمةً سهلةً جدًّا بالنسبة للتلسكوب؛ فقد يمكنه العثور على أقمارٍ أصغر من يوروبا حول كوكب المشتري، إنَّه تلسكوب قوي إلى حدٍّ لا يُصدَّق". 
وهذا في حد ذاته يطرح فكرةً مثيرة، هي إمكانية استخدام تلسكوب جيمس ويب الفضائي لإجراء مسحٍ من نوعٍ ما، بحثًا عن الأقمار الخارجية، وعلى المنوال الذي حقق به سَلَفه تلسكوب هابل الفضائي خطواتٍ كبيرةً في جهود رصد الكواكب الخارجية، قد يُعرَف تلسكوب جيمس ويب الفضائي بإسهامه في اكتشاف الأقمار الخارجية، إذ يقول كيبنج: "يخطط فريقي الآن كيف يُمكن لتسلكوب جيمس ويب أن يُجري عملية مسحٍ بحثًا عن الأقمار الخارجية؛ فهذه ستكون المرة الأولى في تاريخ البشرية التي يصبح فيها ذلك ممكنًا، أنا متحمس حقًّا بشأن المستقبل".
والأسباب الدافعة إلى تحقيق ذلك متعددة الجوانب؛ فحالما نشرع في العثور على الأقمار الخارجية بكثرة، سنبدأ في فهم قابليتها للتبايُن وأهميتها فهمًا حقيقيًّا، فعلى سبيل المثال، ربما تكون ظواهر المد والجزر الناتجة عن قمرنا قد أدت دورًا في صلاحية كوكب الأرض للحياة، ما أسفر عن تطوُّر الحياة في بِرَك المد والجزر، كما أنَّ دراسة الأقمار الخارجية قد تخبرنا بمزيدٍ من المعلومات عن عملية تكوُّن الكواكب، وتقول كريدبرج عن ذلك: "إذا أردنا أن نفهم آلية تكوُّن الكواكب فهمًا شاملًا، فسنحتاج إلى فهم الأقمار"، وهناك سببٌ آخر لدراستها في رأي كريدبرج، وهو سببٌ أكثر تبسيطًا للمسألة، وهو أنَّ "الأقمار رائعة".

هذه الأقمار الخارجية أيضًا قد تُمثِّل أهدافًا ممتازةً في مساعي البحث عن الحياة؛ فنظرًا إلى أنَّ حجمها يتراوح على ما يبدو بين الأحجام الصغيرة وحجم الأرض والأحجام الأكبر من ذلك، من المنطقي أن نفترض أنَّ بعض الأقمار الخارجية الصخرية ربما كانت تدور حول كواكب غازية عملاقة ضِمن النطاق الصالح للحياة في مدارات نجومها، حيث يمكن أن توجد مياهٌ سائلة، وتقول كريستيانسن عن ذلك: "هذه واحدة من الحالات التي ربما يسبق فيها الخيال العلمي الحقائق العلمية، فلديك مثلًا فيلم "أفاتار" Avatar، الذي تضمَّن قمرًا صالحًا للحياة يدور حول عملاقٍ غازي، وفي أفلام "ستار وورز" Star Wars لديك أقمار صالحة للحياة تدور حول كواكب عملاقة غازية، فمن الناحية النظرية، يمكنك إنشاء صخرة حول عملاقٍ غازي تتعرض للقدر المتوسط من أشعة الشمس، بحيث يتسنَّى لها أن تحمل ماءً سائلًا على سطحها".

لكنَّ الأمر محفوفٌ ببعض التعقيدات؛ فأي قمرٍ حول كوكبٍ عملاق سيتعرض لقدرٍ كبير من الجذب والشد بفعل قوى الجاذبية الناتجة عن هذا العالم الأكبر، وهذا، في الظروف بالغة الشدة، كظروف قمر "آي أو" الذي يدور حول المشتري، يُمكن أن يؤدي إلى نشاطٍ بركاني مكثف، وكذلك فالإشعاع الناجم عن الكواكب العملاقة الغازية ككوكب المشتري يُمكن أن يكون مميتًا، ومثل هذه الأنظمة يُمكن أن تتسم بسماتٍ خاصة غريبة، إذ تقول كريستيانسن: "إذا كنت مُصطفًّا في الوضع الصحيح، فسيكون لديك نهارٌ وليل نتيجة دورانك، لكن ستصبح لديك دورةٌ إضافية من تعاقب النهار والليل بسبب الانتقال وراء الكوكب، وصحيح أنَّه من شبه المؤكد وجود صخور بدرجة الحرارة المناسبة حول كواكب عملاقة غازية، لكن كونها صالحةً للسكن أم لا هو سؤالٌ ما زال بلا إجابة، والكثيرون متحمسون بشأنه".

وقمر "كيبلر-1708 بي- آي" ليس عالَمًا كهذا، لكنَّه متصدرٌ مثيرٌ آخر في بدايةِ سباقٍ ربما يؤول في نهاية المطاف إلى حقبةٍ من دراسات الكواكب الخارجية، وفي هذا الصدد يقول كيبنج: "نعمل على تحقيق هذا الهدف بعيد المدى، المتمثل في محاولة اكتشاف مدى شيوع الأقمار الواقعة خارج المجموعة الشمسية في الكون، وطبيعة هذه الأقمار، المستقبل مشرق جدًّا".