تُعَدُّ القدرة على ربط اللغة بالعالم المحيط بنا إحدى الخصائص السامية التي يتسم بها الجنس البشري، وفي حالة الطفل الرضيع لا ترتبط اللغة في هذا العمر الصغير جدًّا بتعلُّم معنى كلمات مثل "قطة" أو "كلب"، بل في الواقع، تساعد الإشارات الصوتية التي تصدر في أثناء التحدث على تعزيز القدرات الإدراكية الأساسية لدى الرضيع، ومن ضمنها تصنيف الأشياء إلى فئات، مثل القطط أو الكلاب.

الأصوات التي تحفِّز هذه الخطوة الأساسية في النمو ليست مقتصرةً على تلك الصادرة عن لغة البشر، ولكنها تشمل كذلك الأصوات الصادرة عن الرئيسيات غير البشرية، ومع هذا، تشير دراسة جديدة إلى أن الأطفال لا يستخدمون أي صوت طبيعي وحسب لبناء الإدراك؛ فبينما نجحت الصيحات التي تطلقها الرئيسيات ولغة البشر في الاختبار الذي أعدته الدراسة، أخفق تغريد الطيور فيه.

تقول ساندرا واكسمان، عالِمة النمو من جامعة نورث وسترن، والمؤلف الأول للنتائج التي نُشِرَت اليوم في دورية «بلوس وان»: "بتتبُّع العلاقة بين اللغة والإدراك وكيفية تطوُّرها مع تراكم خبرات الأطفال بالأشياء الموجودة في العالم، نستطيع أن نرى مكونات هذه القدرة الجوهرية لدى البشر على التفكير فيما يتجاوز المكان والزمان الحاليين، ومعرفة مدى اتساع هذه العلاقة المبكرة جدًّا تساعد على الإجابة عن أسئلة مرتبطة بإرثنا من التطور".

ببلوغ الشهر الثالث أو الرابع من العمر، يستطيع الرضيع أن يصنف الأشياء، بدءًا من اللعب والطعام وحتى الحيوانات المنزلية والأشخاص بناءً على السمات المشتركة بين هذه الأشياء، ويمكن تعزيز هذه القدرة في حال قُدِّمَت هذه الأشياء للرضيع بالتزامن مع استماعه إلى لغةٍ ما.

تحرز النتائج الجديدة تقدمًا يضاف إلى أبحاث سابقة لواكسمان وزملائها، كانوا قد أجروها بشأن أي الأصوات خارج نطاق اللغة البشرية يدعم قدرة الرضع على تصنيف الأشياء؛ ففي دراسات سابقة، اكتشف الفريق أن تسلسلات من النغمات النقية والحديث العكسي لا تساعد الرضع دون الستة الأشهر من العمر على تصنيف الأشياء، في حين أن الاستماع إلى أصوات صادرة عن رئيسيات غير بشرية -الليمورات على وجه التحديد- من شأنه أن يساعد على ذلك، وتقول واكسمان: "اكتشاف الليمورات أذهلني؛ لأنه أثبت أن النموذج كان أشمل من أن يقتصر على الإشارات اللغوية البشرية وحدها، وأخبرنا أن شيئًا فطريًّا لدى الأطفال يمَكِّنهم من اختيار الإشارات التي سيكون لها تأثيرات إيجابية لاحقة لدعم الإدراك".

وبدلًا من التقدم تدريجيًّا في دراسة مدى اتساع نطاق الأصوات التي يستجيب لها الأطفال بواسطة اختبار استجاباتهم لأصوات ثدييات غير رئيسية مختلفة، قرر الباحثون قطع شوط أكبر والتطرُّق لغير الثدييات، تقول واكسمان: "أردنا حقًّا العثور على شرط مُقَيِّد"، اختارت هي وزملاؤها عصفور الزيبرا لأنه من أكثر الطيور خضوعًا للدراسة، ولأن الموجات الصوتية لتغريده تشبه تلك الخاصة بأصوات الرئيسيات من حيث الطول والتردد.

وبتكرار مهمة التصنيف ذاتها المستخدمة في دراسات سابقة، عرض الباحثون ثماني صور على ثلاثة وعشرين رضيعًا تتراوح أعمارهم بين ثلاثة أشهر وأربعة، وتمثل الصور إحدى فئتين: إما ديناصورات أو أسماك بالتزامن مع تشغيل صوت تغريد عصفور الزيبرا، بعد ذلك عرضوا على الرضع، في صمت، صورتين جديدتين: الأولى تنتمي إلى إحدى الفئتين اللتَين شاهدوهما قبلًا، والثانية إلى الفئة الأخرى، وبناءً على الدراسات السابقة، استطاع الباحثون معرفة أنه في حال عزَّز تغريد الطائر عملية التصنيف لدى الرضع، فإنهم سيتمكنون من التمييز بين صورتي الاختبار، لكن بتحليل نظرات الرضع، وجد الفريق أنه لا فرق بين الوقت الذي أمضوه في النظر إلى الصورة المألوفة أو الجديدة، يعني ذلك أن تغريد طائر الزيبرا لم ييسر عملية تصنيف الأشياء لدى الرضع.

تقول جيني سافران، أستاذة علم النفس بجامعة ويسكونسن-ماديسون، والتي لم تشارك في البحث: "تعزز هذه الدراسة الجديدة سلسلةً من الأبحاث رفيعة المستوى وشديدة التأثير، وحقيقة أن التحدث وصيحات الليمور؛ وليس تغريد الطيور، يؤثران على تعلُّم الرضيع للتصنيف تشير إلى أن الأصوات ذات التنظيم الإيقاعي المحدد، ربما التي يشبه تركيبها تركيب أصوات الرئيسيات، يميزها الرضع أكثر من غيرها من الأصوات الأخرى، ومن ثم يمكن أن تيسر تعلُّم اللغة البشرية".

وتضيف كيارا سانتولين -عالِمة نفس النمو بجامعة بومبيو فابرا في برشلونة، والتي لم تشارك أيضًا في البحث- أن توصُّل الباحثين إلى استنتاج يقضي بعدم وجود علاقة بين تغريد الطائر وإدراك الرضع مهم جدًّا لبناء "صورة شاملة لسلوك الرضع، توضح ما يستطيعون وما لا يستطيعون فعله في عمر محدد وتحت ظروف تجريبية محددة"، وتضيف قائلة: "هذه الدراسة إلى جانب أبحاث أخرى تخاطب سؤالًا مهمًّا في علم نفس النمو، وهو: ما العلاقة بين اللغة البشرية والإدراك؟".

تخطط واكسمان وزملاؤها لإجراء سلاسل عدة من الأبحاث للمتابعة ولتوجيه الجهود لدراسة مسائل تشمل: اختبار ردود أفعال الرضع للأصوات الصادرة عن الثدييات من غير الرئيسيات، وتطبيق تقنيات التعلم الآلي لمحاولة معرفة أي الخصائص الصوتية يُسهم في إنتاج إشارة سمعية تترك انطباعًا لديهم، واستخدام قبعات تسجيل تخطيط كهربية الدماغ (EEG) لمعرفة ماذا يحدث في دماغ الرضيع وهو يستمع إلى أصوات مختلفة.

تقول واكسمان: "كون المخ يستجيب بصورة مختلفة أمرٌ بدهي، والآن صار لدينا البيانات، بيد أن ما يدفع إلى توجيه هذه الاستجابات المختلفة لا يزال مجهولًا لدينا".