في عام 1906، نشر عالم الحيوان هربرت سبنسر جيننجز كتابًا بعنوان "سلوك الكائنات الدنيا" Behavior of the Lower Organisms، واحتوى الكتاب على فكرة مثيرة للجدل، مفادها أن الكائنات الدقيقة تستطيع أن تتخذ قراراتها.

كان موضوع دراسة جيننجز كائنًا من خلية واحدة مزودة بشعيرات كثيفة دائمة الحركة، يُسمى المنادِي، ويُعرف أحيانًا بالحيوان البوقيّ، واسمه العلمي «ستينتور» Stentor، هذه الكائنات مفترسة تشبه الأبواق، وهي كبيرة الحجم حتى إن الأسماك تستطيع التهامها والبشر يمكنهم رؤيتها، كما أنها جسورة حتى إن بإمكانها اقتناص والتهام الحيوانات العَجَلية، أو الدوّارات rotifers، وهي حيوانات حقيقية تتكون أجسامها من مئات الخلايا، بالإضافة إلى مخ بسيط، إذا تصورنا عالم الكائنات الدقيقة كمجَرَّة، فإن كائنات «ستينتور» ستقع في مكانٍ ما بين مدمرة النجوم وحفرة سارلاك بيت sarlacc pit (من فيلم الخيال العلمي "عودة جيدي" Return of the Jedi).

قرر جيننجز أن يتطفل على كائن «ستينتور» ويرى ماذا يمكن أن يحدث، فتبيَّن أن «ستينتور» عندما يتعرض لتيار من مسحوق الكارمين المُهَيِّج، والذي كان جيننجز يوجهه بدقة وبيد خبيرة متمكنة إلى فم الكائن، كان يثني قمته مبتعدًا بها عن المثير، ثم يعكس اتجاه ضربات الشعيرات التي يحملها (والتي تُسمى الأهداب) في الماء، كي يلفظ المسحوق، ثم ينكمش، وفي النهاية ينفصل عن مرتكزه ليتحرك مبتعدًا.

أشار جيننجز إلى أن ترتيب الإجراءات المشكّلة للسلوك كان يختلف على نحوٍ ما باختلاف المثيرات؛ فقد جرّب جيننجز مواد كيميائية أخرى، ولاحظ أن الكائن يُغفل أحيانًا تأدية بعض الخطوات المكوّنة لسلوكه، ووفق ما كتب جيننجز: "ولكن تبقى الحقيقة أنه تحت الظروف التي تعترض بالتدريج أنشطة الكائن الطبيعية، يتميز سلوك الكائن بالإتيان باستجابات مختلفة تباعًا، حتى يصل إلى الاستجابة التي توفر له الارتياح".

إجمالًا، يمكن لكائنات «ستينتور» أن تواجه المثيرات بسلوك معين في البداية، ثم تتمكن بعد ذلك من اختيار سلوك أكثر تكلفة، إذا استمر تعرُّضها للمواد المهيجة، كانت هناك على الأقل فترة زمنية قصيرة (وصفها جيننجز بأنها من الصعب تحديد طولها تجريبيًّا، ولم يتوصل إليها الباحثون حتى الآن) يمكن للكائن خلالها أن يتذكر أنه قد جرّب حلًّا معيًنا ولم ينجح، ومن ثم يختار حلًّا آخر.

بيد أن علماء من مدرسة بحثية مختلفة في مجال سلوك الحيوان كرّروا هذه التجربة في عام 1967، وفشلوا في التوصل إلى النتيجة نفسها، وبذلك، صدر حكم الإعدام على اكتشافات جيننجز.

ثم قبل نحو عشرة أعوام، تصادف أن جيريمي جوناواردينا، وهو أستاذ بيولوجيا الأنظمة المساعد في كلية طب هارفارد، اطَّلع على عمل جيننجز والتجارب اللاحقة التي أدت إلى تنحيته جانبًا، ورأى أن ما فعله جيننجز يستحق محاولةً أخرى، ومما أثار دهشة جوناواردينا أنه اكتشف أن الفريق الذي أجرى التجارب عام 1967 لم يستخدم في تجاربه النوع الصحيح من «ستينتور» (كانوا فريقًا من علماء السلوك الذين يؤمنون بأن تبايُن السلوكيات مصدره البيئة وليس الجينات، فتصوروا أن التدقيق في نوع الكائن ليس مهمًّا)، كان النوع الذي اختاره أولئك الباحثون هو النوع المعروف علميًّا باسم «ستينتور كويروليوس» Stentor coeruleus، وهو نوع يفضِّل السباحة كثيرًا، على النقيض من النوع الذي أجرى جيننجز تجاربه عليه، واسمه العلمي «ستينتور رويسيلي» Stentor roeselii، وهو يفضل الاسترخاء إلى أحد أركان حوض المياه.

أصبح جوناواردينا شغوفًا بمعرفة ما يمكن أن يكشف عنه تكرار التجربة من معلومات حول ما تستطيع تلك الكائنات المكوّنة من خلية واحدة أن تفعله، وبعد سنوات من طرح الفكرة في اجتماعات معملية، بلا جدوى، وجد جوناواردينا ضالته في طالب يُدعى جوزيف دكستر، وباحث دراسات ما بعد الدكتوراة يُدعى سودهاكاران براباكاران؛ إذ لمس فيهما استعدادًا لإجراء التجربة ليلًا، وخلال عطلات نهاية الأسبوع، ودون دعم مالي.

استطاع فريق هارفارد هذه المرة أن يقتفي أثر نوع «ستينتور» الصحيح، من بحيرة صغيرة تقع في مضمار جولف إنجليزي، وأعدّ الباحثون "جهازًا خاصًّا لإثارة «ستينتور»"؛ (نظرًا لكونهم مختصين بالبيولوجيا الكمية، فقد كانوا يفتقرون إلى خبرة جيننجز ومهاراته الفائقة في استخدام الماصّة)، وعندما أجروا التجربة اكتشفوا شيئًا غير تقليدي بالمرّة.

في تجربتهم لم يستجب «ستينتور» لمسحوق الكارمين بالطريقة نفسها التي وصفها جيننجز، ولكن عندما تعرض الكائن لوابل من الخرز البلاستيكي الدقيق، المصنوع في القرن الحادي والعشرين، كان سلوكه متوافقًا مع الوصف الذي قدمه جيننجز، وبطريقة لافتة لم يلحظها جيننجز عام 1906.

إذا كان «ستينتور» قادرًا فعلًا على "اتخاذ قرارته"، فهذا بالتأكيد ليس وجه الشبه الوحيد بيننا وبين الهدبيّات (مجموعة الكائنات الدقيقة حاملة الأهداب التي ينتمي إليها «ستينتور»)؛ فالكائن الهدبيّ يؤدي وظائفه كحيوان بحجم خلية ضخمة وحيدة، ويمكن أن يكون التشابه مذهلًا.

فعلى سبيل المثال، تقوم بعض الهدبيّات بتجميع حزم من أهدابها، ولصقها معًا، لتكوين بنى تسمى الذؤابات، ويمكنها استخدام هذه الذؤابات كأرجل أو أفواه أو مجاديف أو أسنان، ويستطيع كائن هدبيّ آخر، اسمه العلمي «يوبلوتس»Euplotes ، أن ينزلق برشاقة فوق أسطح الذؤابات، كما يفعل ذلك الصنف من براغيث الماء التي ظهرت في فيلم الخيال العلمي "مواجهات عن قرب" (Close encounters)، وترتبط الذؤابات بلُيَيْفات عصبية تشبه الأعصاب، وإذا قُطِعَت هذه اللُّيَيْفات، فسترتخي الذؤابات وتتهدل.

تحمل بعض الكائنات الهدبيّة أيضًا في جعبتها سهامًا دقيقة مرتبطة بالخلية على نحو يمَكِّنها من أن تطلقها للهجوم على فريسة، أو لردع المفترسات، أو لتستخدمها ببساطة كمرساة تلقيها للتثبيت، كما يحمل بعض الهدبيّات لوامس يمكن أن تخطف بها الطعام، وتستطيع الهدبيّات -مثلها مثل نجوم البحر- أن تعيد تجديد جسمها بالكامل في غضون يوم أو يومين، حتى لو تمزق إلى أشلاء صغيرة إلى حدٍّ صادم، بشرط أن تكون الأشلاء محتوية على كلٍّ من جزء من درعها الغنيّ بالأهداب وقطعة من النواة، والتي تُعتبر القلب الجيني للخلية، وينقسم الكثير من الهدبيّات بالطريقة التقليدية عن طريق الانشطار إلى خليتين، لكن بعض الهدبيّات الجالسة أو ذات السويقات تُخرِج إلى الدنيا يرقات صغيرة مستديرة، عبر قناة خاصة للولادة.

يعيش الكائن الهدبيّ الذي يحمل الاسم العلمي «دبلودينيوم» Diplodinium في كِرْش الأبقار وبعض الحيوانات الأخرى ذوات الحافر، وهي بيئة خاصة معروفة بأنها تؤوي كل أنواع الغرائب، وتشكّل الهدبيّات نصف كتلة محتويات الكِرْش تقريبًا (فكر في ذلك المرة القادمة عندما تشاهد بقرةً وهي تجترُّ طعامها في هدوء)، يحتوي «دبلودينيوم» على لُيَيْفات عصبية، وذؤابات، وألياف مخططة قابلة للانقباض أشبه بالعضلات تسمى الخيوط العضلية myonemes، و"عمود فقري" مكوّن من صفائح متراصة، ومريء ينقبض بمساعدة حلقة متصلة بما حولها، وفتحة إست، ولكن لا تنسَ أن كل ذلك في خلية واحدة.

إجمالًا، استطاعت الهدبيّات أن تجسّد الحدود القصوى الواقعية لبيولوجيا الخلية المنفردة، عندما تستوعب هذه الحقيقة، فلن يكون من العسير عليك تصديق أن هذه الكائنات تملك رأسًا يقرر.

في الدراسة الجديدة التي نُشرت عام 2019 في دورية «كارانت بيولوجي» Current Biology، اكتشف باحثون أن كائن «ستينتور» يغيّر بالفعل من سلوكه للاستجابة إلى تلقِّي زخّات متكررة من الخرز، وكان ترتيب الإجراءات التي يقوم بها الكائن متوافقًا مع وصف جيننجز؛ فالانفصال عن المرتكز كان دائمًا مسبوقًا بانكماش الكائن، وقد كشفت التحليلات الرياضياتية عن أن احتمالات تبديل اتجاه حركة الأهداب والانثناء قبل الانكماش كانت أكبر بكثير من احتمالات حدوثهما بعد الانكماش.

هناك أيضًا أمر مثير للاهتمام يتعلق بالبيانات التي حصل عليها فريق الدراسة، وهو ما أشجعك على أن تفحصه بنفسك: من المؤكد أن كائنات «ستينتور» تبدو كما لو كانت تتمتع بشخصية؛ فبعضها ينكمش ويسترخي بشكل مستقل، أو ينثني وينكمش ثم يسترخي، رغبةً –على ما يبدو– في تحمُّل المواد المهيجة، أو التعايش مع الخطر، وهذه هي الأفراد المتفائلة.

وكان بعضٌ منها ينكمش مرةً واحدة، أو مرات قليلة فقط، ولا يسترخي ثانية أبدًا، وكان بعضها الآخر منها ينكمش وينفصل عن المرتكز، وهذه هي الأفراد المتشائمة (أو ربما الأفراد التي كان لها تجارب ناجحة مؤخرًا في جلب الطعام).

كانت بعض كائنات «ستينتور» تستجيب دائمًا بإتيان سلوك أو اثنين من سلوكياتها المفضلة، ولم تمارس قط أي سلوكيات أخرى من تلك التي كانت بالتأكيد قادرة بيولوجيًّا على الإتيان بها؛ ففي إحدى التجارب، أُخضع أحد كائنات «ستينتور» المثابِرة لثلاث عشرة زخّة من زخّات الخرز، وظل في كل مرة يستجيب بتبديل حركة الأهداب أو بالانكماش، ولم ينثنِ قط أو يفصل نفسه عن مرتكزه.

هل تملك كائنات «ستينتور» ملكةً تشبه الإرادة تمنحها القدرة على اتخاذ القرارات؟ من المؤكد أن هذه الدراسة، والدليل الذي قدمه جيننجز من قبل، يرجحان ذلك.

كان آخر الاكتشافات المثيرة التي أسفر عنها التحليل الإحصائي الذي أجراه فريق البحث، هو أن احتمالات الاختيار بين الانكماش والانفصال عن المرتكز كانت متوافقةً مع ما تتنبأ به قرعة إلقاء عملة معدنية، أي لم يكن هناك تفضيل لأحد السلوكين على الآخر، بعبارة أخرى، كان الاختيار عشوائيًّا تمامًا.

بيد أنه كانت هناك مشكلة واحدة فقط، وهي أننا لا نعرف أي آلية خلوية يمكن أن تُفضي إلى هذه النتائج، ولا تزال هذه المشكلة المستفزة للتفكير بحاجة إلى تكرار التجربة، وإيجاد التفسير الصحيح.

ربما حان الوقت للتخلي عن قناعاتنا المسبقة حول محدودية ما تستطيع الخلايا المنفردة أن تؤديه، لأنها في نظرنا مجرد خلايا، والخلايا في أجسامنا تؤدي وظائفها في تكامل مثل شغالات النحل، إن قدرات تلك الخلايا المنفردة المسلحة والماكرة، والتي تعيش معيشةً مستقلة، ربما تفوق تخيلاتنا المفتقرة إلى الذكاء بوصفنا من الرئيسيات.